زياد بهاء الدين اقتصادي هادئ وسياسي صاخب

السبت 2014/02/22
زياد بهاء الدين.. في بورصة المناصب الكبيرة

القاهرة - عندما تراه لأول مرة تشعر بالارتياح، وتعتقد أنك تعرفه، وربما قابلته من قبل، بسبب هدوئه الشديد وأدبه العميق، يتصرف على طبيعته، بلا رتوش دبلوماسية، لديه قدرة على علاج كل مرض اقتصادي، شرط توافر الإرادة الجماعية، وعنده حلول لعدد كبير من الأزمات السياسية، شرط إخلاص نوايا جميع القوى الحزبية، يميل للصمت غالبا، ويبغض العنف دائما، لذلك يسعى لوقف النزيف الذي يسيل بسببه، وعلى استعداد لدفع الثمن في كل لحظة، إنه الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي في مصر، الذي قدم استقالته من الحكومة يوم 23 يناير من هذا العام 2014.


المرشح الإشكالي


لم تكن الاستقالة مفاجأة لمن تابعوا تصرفات زياد بهاء الدين والضجيج الذي يثار حوله، منذ أن طرح اسمه لتولي منصب رئاسة الحكومة، بعد رحيل حكم الإخوان في يوليو الماضي، فهو شخصية جادة لا تقبل أنصاف الحلول، يقول ما يقتنع به، حتى لو أغضب كثيرين وقريبين منه، وسواء كانت عملية الطرح هدفها جس نبض القوى السياسية والرأي العام تجاه تصعيد جيل سياسي جديد، أو إرضاء لمحمد البرادعي آنذاك، والذي يعتبر بهاء واحدا من المقربين منه، ففي الحالتين، وجد الرجل عدم ترحيب، لدى قطاع مؤثر من السياسيين، وفي الوقت الذي كادت تتحول فيه الانتقادات والسهام إلى صخب وضجيج، التزم الصمت كعادة مفضلة عنده، يلجأ إليها عندما تتداخل الأصوات وتتعقد التقديرات ويصعب تمييز الخيط الأبيض من الأسود.

هناك من رفضه، لأنه محسوب على الدكتور البرادعي، الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية، عقب ثورة الثلاثين من يونيو، وكان حزب النور السلفي أشد المعترضين عليه، بذريعة أنه “غير محايد سياسيا”، ويومها ربطت قيادة الحزب دعمها للسلطات الجديدة بالتخلي عن اسم زياد، كمرشح لمنصب رئيس للوزراء، وهناك من رفضه لصغر سنه، بالمعايير المصرية، مع أنه كان على مشارف الخمسين فهو من مواليد 3 أغسطس- آب 1964، ومن رفضه لأنه عمل ضمن نظام حسني مبارك الذي ثار عليه الشعب.

حيث شغل منصب الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة الهيئة العامة المصرية للاستثمار والمناطق الحرة، وشغل أيضا منصب الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة الهيئة العامة للتنمية في شمال غرب خليج السويس المنطقة الاقتصادية الخاصة للقاهرة والسويس، وكذلك شغل منصب أول رئيس للهيئة العامة للرقابة المالية، وهو ما جعله صيدا سهلا لإلصاق تهمة العمل مع نظام فاشل، وكان معظم من عملوا مع هذا النظام تحت المقصلة السياسية.

طرح اسمه في بورصة رئاسة حكومة مصر فقرر حزب النور الانسحاب من تحالف يونيو لقرب بهاء الدين من البرادعي

وبعد سقوطه تحول عدد من رجاله إلى ضفاف سياسية مناوئة، أو دخلوا السجون بتهم فساد مختلفة، لكن زياد كان بعيدا عن هؤلاء وهؤلاء، وعاد إلى فضيلة الصمت مؤقتا، ثم بدأ رحلة العمل الحزبي، حتى لمع اسمه ضمن الحزب الديمقراطي الاجتماعي، ثم جبهة الانقاذ المصرية، التي عارضت الإخوان بقوة، ولعبت دورا مهما في إزاحتهم عن السلطة.

في كل الوظائف التي شغلها أثبت جدارة وكفاءة، وكان بعيدا عن شلة المنتفعين التي اشتهرت أيام مبارك، وسعى أعضاؤها إلى التقرب من نجله جمال، ومع زياد بدا الوضع معكوسا، بمعنى أن جمال مبارك سعى إليه لتبييض وجه نظام أبيه، فهو ابن الكاتب القدير والمحترم أحمد بهاء الدين، المعروف بمواقفه الوطنية، وحاصل على شهادات متعددة في القانون والاقتصاد، حيث حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1986، وبكالوريوس الاقتصاد من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1987، ثم ماجستير في القانون التجاري الدولي- كلية الملك بجامعة لندن، ودكتوراه في قانون البنوك من مدرسة لندن للاقتصاد عام 1996، وساهم بدور كبير في مجموعة القوانين الاقتصادية التي صدرت في السنوات الأخيرة لعصر مبارك.

ابتعاده عن بورصة منصب رئيس الوزراء، لم يبعده عن الحكومة، حيث اختاره حازم الببلاوي نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للتعاون الدولي، وللاختيار جملة من الأسباب، أهمها أنه كان حتى توليه المنصب عضو الهيئة العليا للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بمعنى أن اختياره سيعطي مسحة للتنوع الحزبي في الوزارة، كما أنه اعتراف بضرورة الاعتماد على الكفاءات الاقتصادية النزيهة، ما يعطى بارقة أمل لملايين المحبطين من انتشار الواسطة وغلبة المحسوبية، الذين ضجروا من تصدر أنصاف الكفاءات للمناصب القيادية طوال السنوات الماضية، كما أن ضمه للتشكيلة يحمل رفضا ضمنيا لفرض أي كهنوت أو هيمنة أو وصاية أو لحزب النور على الحكومة، وينطوي على ترضية للبرادعي، الذي كان ضمن تشكيلة الحكم في الأيام الأولى لثورة يونيو- حزيران، ومثل وجوده في هذه اللحظات صمام أمان لتقليل حجم الانتقادات الدولية ورسالة تطمين، كما أن وجود زياد بتاريخه الليبرالي يعطي اشارات أن مصر مقبلة على حقبة ديمقراطية على الطريقة الغربية، عسى أن تهدأ ملامح القلق التي بدأت تظهر في عدد من المواقف الأوروبية والأميركية. علاوة على منح زياد فرصة للعمل داخل تشكيلة حكومية تدير البلاد في أصعب مراحلها حساسية، وبالتالي يكتسب خبرة، قد تجعله رصيدا استراتيجيا، يمكن الاحتياج إليه في المستقبل للجلوس على مقعد رئيس الوزراء، لأن لديه مقومات جيدة، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية.

مبادرته التي طرح فيها المصالحة مع الإخوان ضاعفت من شكوك القوى السياسية في ولاءاته


محسوب على البرادعي


الهدوء الظاهر على وجه زياد بهاء الدين، يجعلك تعتقد أنه مسالم جدا، ولا يبحر ضد العواصف السياسية، لكن ما قام به الرجل من تصرفات ومبادرات تجعلك أمام شخصية متمردة، تهوى إزالة الغبار، وتسعى إلى كشف المستور وجعل الحقيقة عارية باستمرار، وخلال ما يقرب من ستة أشهر، هي عمر وجوده في الوزارة، تعمد التجديف ضد التيار، الأمر الذي عرّضه لمشكلات وأزمات لم تحترم صراحته أو تقدر اجتهاده، ويمكن رصد سلسلة من المواقف، تؤكد أنه سياسي- مقاتل متسق مع نفسه.

فبعد فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة في 14 أغسطس- آب الماضي، خرج زياد بهاء الدين بمبادرة طالب فيها، بالالتزام برفض العزل والإقصاء لأي تيار سياسي أو فكري من الساحة السياسية، يومها قامت الدنيا عليه ولم تقعد، حيث اتهم بأنه يسير على درب معلمه البرادعي الذي قفز من سفينة السلطة بعد فض الاعتصامين (رابعة والنهضة)، وأن زياد يفكر بعواطفه ويتجاهل المحاذير السياسية والمخاطر الأمنية، ما يشكك في أدائه كسياسي ماهر، وقيل إنه طابور خامس يعمل لصالح الإخوان المسلمين، ويحاول إعادتهم للسلطة من الأبواب الخلفية، وهذه الطريقة بمثابة التفاف على كل الجهود التي بذلت لإنهاء عصر الإخوان، وما إلى ذلك من اتهامات تصفه بالعمالة والخيانة، وارتفعت أصوات مطالبة بطرده من الحكومة، ومع أن الرياح كانت هوجاء ولا يعرف من أي اتجاه تأتي، غير أنه التزم الصمت، الذي أصبح خياره الوحيد في كل مرة يشتد فيها الهجوم، وهو ما يفسره البعض بأنه انحناء مؤقت للعواصف، بينما هناك من اعتبر هذا الأسلوب استراحة محارب وسياسي مخضرم.

بجرأة حسده أعداؤه عليها قبل أصدقائه، طالب بهاء الدين بأن تسعى الحكومة والإخوان للمصالحة، لأن العملية السياسية الشاملة هي التي يمكن أن تحقق الاستقرار

مع ذلك لم يلجأ للسلامة ولم يبتعد عن منطقة ضرب النار، فقد طور مبادرته وأعاد طرحها مرة أخرى بعد حوالي شهرين، أي في أكتوبر – تشرين الأول الفائت، وقال بجرأة حسده أعداؤه عليها قبل أصدقائه، يجب أن تسعى الحكومة والإخوان للمصالحة، لأن العملية السياسية الشاملة هي التي يمكن أن تحقق الاستقرار، وليست الحملات الأمنية، وشدد في المبادرة على عدم إقصاء أي فصيل سياسي، طالما التزم بنبذ العنف، وطالب بالإنهاء الفوري لحالة الطوارئ، وضمان حقوق الإنسان، بما فيها حق التظاهر، والغريب أن كلامه خرج وسط نيران سياسية تلفظ جماعة الإخوان، وتطالب بالتعامل معها كجماعة إرهابية، وقد صدر قرار من الحكومة لاحقا بهذا المعنى، كان زياد في مقدمة الرافضين له، وقتها أيضا تزايدت سرعة القذائف السياسية عليه، وأُعيدت حزمة الاتهامات السابقة.

وللإنصاف لم يكن زياد بهاء الدين وحده في هذه السفينة، لكن ثمة كثيرون مؤمنون بهذه الأفكار، لكن يفتقرون للجرأة الكافية للإعلان عن مواقفهم، وساد اقتناع لدى قطاع من النخبة السياسية والثقافية أن الحل الأمني له تكاليف باهظة، ولأن زياد جاهر بموقفه، تعرض لحملة شرسة من الهجوم والانتقادات، استخدمت فيــها عبارات ومفردات جميعها تصب في مربــع العمل بصورة غير مباشرة لصالح الإخــوان.


المشاكس ابن أبيه


زياد بهاء الدين لم يتوقف عن المناكفة السياسية، فقد سجل اعتراضه على قانون التظاهر أثناء اجتماعات مجلس الوزراء، وعندما أقر القانون بالأغلبية، خرج عن وقاره، وسرب لبعض وسائل الإعلام قصة اعتراضه، مطالبا بوقف القانون، لأنه انتكاسة على نهج الحكومة في إرساء الديمقراطية، ونسج البعض قصصا مختلفة حول مشادة كلامية نشبت بينه واللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية حول القانون، وهناك من اتهمه بعدم المسؤولية وإفشاء أسرار الحكومة، من أجل البحث عن مكاسب سياسية، في حين رد الرجل باقتضاب، وحصرها في دائرة الاختلاف في وجهات النظر.

المواقف السابقة تؤكد أنه تحول إلى جسم غريب داخل الحكومة، وبدا كأنه صوت نشاز، لذلك كان لا بد من الرحيل عنها، البعض قال إنه أجبر على تقديم استقالته، لكن من يعرفونه جيدا قطعوا أنها من دماغه، وقد استغل إقرار الدستور والحديث عن تعديل وزاري مرتقب ليعلنها على الملأ في 23 يناير، ويتم تصعيد المهندس ابراهيم محلب وزير الإسكان لمنصب نائب رئيس الوزراء، وضمت وزارة التعاون الدولي للتخطيط كما كانت من قبل، وبالتالي لم تكن هناك حاجة لتعيين وزير جديد لزياد بهاء الدين في المنصبين.

أكد أنه لن يعمل في أية جهة دولية، وبقي في مصر لممارسة العمل الحزبي، في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذى استقال منه فور انضمامه للحكومة، وعاد إليه بعد خروجه منها


رجل الوظائف


كعادته آثر الدكتور زياد عدم المتاجرة بمواقفه السياسية، وعندما سئل عن الخطوة القادمة، أكد أنه لن يعمل في أية جهة دولية، وباق في مصر لممارسة العمل الحزبي، ضمن الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذى استقال منه فور انضمامه للحكومة، وعاد إليه بعد خروجه من الوزارة، وهو الحزب الذى دخل باسمه انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) عام 2011، ولم يعمر طويلا، لبطلانه بموجب حكم من المحكمة الدستورية العليا.

وأشار إلى أنه سيقوم بتطوير العمل بمحافظة أسيوط ( مسقط رأسه) من خلال جمعية أحمد بهاء الدين الثقافية، التي تضم مكتبة كبيرة، كان يقتنيها والده الصحفي المحترم، وسيعاود الكتابة.

حيث مارس هذه الهواية طوال السنوات الماضية، وكتب مجموعة من المقالات ذات الطابع الاقتصادي في صحيفة الشروق المستقلة، ظهرت فيها سلاسة قلمه ورشاقة أسلوبه، ما ذكر كثيرا من القراء بأسلوب والده الراحل، الذي كان معروفا عنه، الجرأة والبسالة والعمق والبساطة والوضوح، وفوق ذلك الاحترام.

12