زياد بهاء الدين.. برلماني رفض تولي الوزارة في حكومة الإخوان فاتهمته الثورة بالعمالة

السبت 2013/12/07
البرادعي الصغير يعترض على قانون التظاهر ويؤيد التصالح

مواقف بهاء الدين في مساندة الثورة ضد النظام الذي كان جزءا منه، لم يشفع له كثيرا لدى قطاعات واسعة من السياسيين والإعلاميين والمتابعين للشأن المصري العام، الذين كالوا له الاتهامات بالعمالة وبالتنسيق مع الإخوان المسلمين وأحزاب الإسلام السياسي، بل وتطور الأمر إلى وصفه بأحد عناصر "الطابور الخامس".

"إنني مقدر ومساند لضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المجتمع من العنف والاعتداء على الأرواح والممتلكات الذي مارسته جماعة الإخوان المسلمين منذ أن أطاحت الجماهير بها من الحكم، ومع ذلك فقد اعترضت على قانون التظاهر وما زلت معترضا عليه".

كان هذا أحد التصريحات التي سببت له مشكلات معقدة مع فئات عريضة من المجتمع، وكادت أن تطلق الرصاص على ماضيه وحاضره ومستقبله معا.


جدل صنعه الإعلام


زياد بهاء الدين الذي أثارت تصريحاته جدلا واسعا داخل الصف الوطني المصري المحسوب على قوى التغيير، وأحدثت لغطا عميقا في أوساط هذا المعسكر على الرغم من انتمائه له، وقسمت الإجماع على شخصه، بعد أن احتل مكانا متقدما في قطار الثورة.

يتحدث بهاء الدين عن وسائل الإعلام ودورها في التلاعب بتصريحاته، والخروج بها من نفق الاختلاف الضيق الناتج عن حالة الإجماع المسيطرة على المجتمع المصري الآن في مواجهة تنظيم الإخوان المسلمين، إلى ساحة شاسعة من الجدل تختلط فيها الأوراق وتعصف رياحها بالثوابت الوطنية وبتاريخ الأشخاص.

لكن هذا لا ينفي حاجة مصر إلى القوة الباطشة في مواجهة عواصف الفوضى التي تطل بوجهها القبيح عليها، ولا يمحو كذلك حقيقة أن نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزير التعاون الدولي الحالي لا يمتلك تلك المقومات التي تسمح له بالقيام بمثل هذا الدور الشاق، للدرجة التي ظهر من خلالها أن بهاء الدين قد يصلح ليكون الوزير المثالي في حكومة دولة كسويسرا أكثر منها في حكومة مصر، البلد الكبير الذي يموج وتتصارع أطرافه كلها من فوق رأس تلك الحكومة.

تعود جذور الدكتور زياد إلى قرية الدوير الصغيرة التابعة لمدينة صدفا جنوب محافظة أسيوط في قلب صعيد مصر، لكن ارتباطه بالإسكندرية حيث ولد أبوه الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين.. والقاهرة حيث عاش وتعلم، ترك أثرا عميقا في شخصيته التي تتسم بالهدوء والتروي والعمق في تناول القضايا وتحليلها.

كان اجتياح العراق للكويت في الثاني من أغسطس عام 1990 علامة فارقة في حياة زياد بهاء الدين الشخصية والعائلية، فقد تسببت الحسرة الشديدة التي أصابت والده مع بدء الغزو، والانفعال الذي صاحب رؤيته للقوات العراقية وهي تعصف بأحد أقرب المدن إلى قلبه وأكثرها ارتباطا بتاريخه المهني الحافل، منذ أن كان يعمل رئيسا لتحــرير مجلة العربي الكويتية، في ارتفاع مفـــاجئ في ضغط الدم وحدوث نزيف عنيف في المخ، كان سببا في أفول نجم أحد أعمدة الصحافة العربية على مدار تاريخها، بعد ذلك بست سنوات، في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1996.

حصل بهاء الدين الابن على درجة الليسانس في الحقوق من جامعة القاهرة، ولم يكن ذلك كافيا لإشباع رغبات الشاب المتطلع إلى عالم الاقتصاد والأعمال منــذ صغره، فالتحق بالجامعة الأميركية في القاهرة وحصل منها على درجة البكالوريوس في الاقتصاد، ثم اتجه إلى دمج خبراته الأكاديمية معا في ماجستير قانون الأعمال الدولي في الكلية الملكية البريطانية "كينغز كوليدج"، ومن ثم درجة الدكتوراه في القانون المالي من "لنـــدن ســكول أوف إيـكونوميكس".

لكن اليوم المشهود في حياة بهاء الدين كان عندما تقدم باستقالته من منصب رئيس هيئة الرقابة المالية في أوائل عام 2011 إلى الفريق أحمد شفيق، الذي كان يشغل منصب رئيس وزراء مصر آنذاك، بعد أن أسسها وبقي في منصبه كرئيس لها منذ عام 2008.

كان بهاء الدين قبلها قد عمل محاميا في القاهرة وواشنطن.

بعدها عمل مستشارا قانونيا للدكتور محيي الدين الغريب والدكتور مدحت حسانين وزيري المالية المصريين في الفترة من 1997 إلى 2000، قبل أن يشغل منصب رئيس الهيئة العامة للاستثمار، أحد كبرى المؤسسات الاقتصادية المصرية، في عام 2004.

إذا كان التقييم العام للخبرات التي تتمتع بها النخبة السياسية المصرية أنها محدودة وسطحية للغاية، فإن بهاء الدين يتميز عن هذه النخبة بأنه كان واحدا ممّن ارتدوا معطف صنع القرار من قبل، وصال وجال داخل حواري وأزقة البيروقراطية المصرية المعقدة


طابور خامس.. ثوري


جاء تقديم بهاء الدين لاستقالته من الحكومة المصرية بعد قيام الثورة بمثابة طوق النجاة الذي تمنى كل من عمل مع هذه الحكومة أن يتشبث به، وتغيرت على إثر ذلك خيارات بهاء الدين، الذي قرر حينها خلع جلباب التكنوقراط وارتداء عباءة السياسي الممارس للعمل العام من خلال تأسيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي مع الدكتور محمد أبو الغار، قبل أن يصبح نائبا لرئيس الحزب.

لكن هذه المواقف في مساندة الثورة ضد النظام الذي كان بهاء الدين جزءا منه، لم تشفع له كثيرا لدى قطاعات واسعة من السياسيين والإعلاميين والمتابعين للشأن المصري العام، الذين كالوا له الاتهامات بالعمالة وبالتنسيق مع الإخوان المسلمين وأحزاب الإسلام السياسي مؤخرا، بل وتطور الأمر إلى وصفه بأحد عناصر "الطابور الخامس"، وهي التهمة التي قد تبدو غريبة لأول وهلة على القارئ العربي، الذي لا يعرف أن هذا الطابور قد امتلأ الاآن في مصر عن آخره.

أما مركز تلك الاتهامات كلها فيتمحور حول مبادرة أطلقها نائب رئيس الوزراء بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة مباشرة، أُطلق عليها وقتذاك "مبادرة زياد بهاء الدين" لإنهاء العنف، وتلك قصة أخرى يرويها بهاء الدين بنفسه لـ "العرب".

يقول الدكتور زياد "للأمانة وللتاريخ، فإنني لم أدعُ قط إلى إجراء مصالحة مباشرة مع الإخوان المسلمين، وما دعوت إليه كان في إطار أعم وأشمل تحت عنوان عريض وهو الحفاظ على المسار الديمقراطي الذي قامت الثورة من أجله، لكن للأسف تم الدفع بدعوتي في اتجاهات أخرى".

ويضيف "رغم طرحي لهذا المقترح في صورة مبادرة في بادئ الأمر، إلا أن الحكومة ارتأت أن تتبنى المبادرة كبرنامج واسع لها، يعتمد في الأساس على عدم الإقصاء".

كانت فكرة "عدم الإقصاء" هي المحور الأساسي الذي دار حوله الجدل الواسع النابع من تخوف مجتمعي عام من عودة تنظيم الإخوان المسلمين إلى السلطة مجددا، ورفض أية محاولات لاحتواء هذا القلق، ووصف ما تقدم به بهاء الدين وغيره من مبادرات بالصفقة، بين التنظيم والنظام، وسط تخوفات تكاد تتحول إلى "هيستريا مجتمعية" تسيطر على الشارع المصري حاليا.

كان رد بهاء الدين على هذه التخوفات أنه وضع ضمن مبادرته شروطا واضحة يجري على أساسها السماح لكافة الفصائل والتيارات والأحزاب السياسية بممارسة العمل السياسي ولكن طبقا لأربعة ضوابط: أولها السلمية ونبذ العنف، وثانيها احترام القانون، وثالثها العمل وفقا لخارطة الطريق وهو ما يعني الاعتراف بها، وآخرها ألا يكون هذا التيار مستندا في عمله إلى تمييز، "وطالما أن تنظيم الإخوان المسلمين مازال مصرا على مطالبه السابقة التي تتعارض مع هذه الشروط فلا مكان له إذن في العملية السياسية المصرية".

لم يخف الرجل تهكمه على اتهامه بـ "الطابور الخامس"، وحرص على تأكيد أن من يلقون بهذه التهمة في وجهه "كانوا من أشد المتعاونين مع نظام الإخوان المسلمين، في الوقت الذي كنت أنا أقود فيه المعارضة ضد الأكثرية الإخوانية داخل مجلس الشعب المنحل".

وكشف بهاء الدين لـ "العرب" لأول مرة عن عرض تلقاه أثناء حكم الإخوان لتولي حقيبة وزارية في حكومة هشام قنديل، وأن أسباب عدم قبوله لهذا العرض وقتها كانت لرفضه العمل تحت مظلة الإخوان بصورة مطلقة. غير أن ما وضع بهاء الدين في مواجهة الأمواج العاتية هو رفضه لقانون التظاهر، ذلك القانون الذي حظي بقبول شعبي جارف، وبرفض نخبوي في المقابل، في اتجاهين متناقضين قد يتسبب اصطدامهما في تفكيك تحالف 30 يونيو الذي أطاح بالإخوان من قلب السلطة. فبهاء الدين يرى أن هذا القانون من الممكن أن يكون البداية للقضاء على حق التظاهر السلمي أحد أهم أدوات الثورة ومكتسباتها، بينما يصر مؤيدو القانون على أنه خطوة ضرورية خلال هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها مصر الآن، في مواجهتها العنيفة مع تنظيم يتبنى العنف كأحد شعاراته المعلنة، ويدفع في اتجاه انتحاره وجر مصر معه في كفن واحد ومقبرة واحدة.


البرادعي الصغير


أصبح هذا هو اللقب المميز لزياد بهاء الدين في الأوساط الشعبية وفي أعماق العقل الجمعي المصري، الذي يلعب الإعلام دورا محوريا في توجيهه، وأدى تأييده لتوجهات الرجل، الحائز على جائزة نوبل للسلام ونائب رئيس الجمهورية السابق، إلى وضعه في الصفوف الخلفية للحكومة طبقا لدرجة تعاطي الجماهير مع وزرائها.

مواقف بهاء الدين في مساندة الثورة ضد النظام لم تشفع له كثيرا لدى قطاعات واسعة من السياسيين والإعلاميين والمتابعين للشأن المصري العام والذين وصفوه بأحد عناصر "الطابور الخامس"

نفس الدور لعبه الإعلام (الذي تمدد ليملأ مساحة الفراغ الهائلة المتبقية خلف القوى السياسية المصرية الهشة في توجيه الرأي العام وبلورته طبقا للتوجهات الشخصية للإعلاميين، والآراء المطروحة من قبل الصحفيين) تجاه الدكتور محمد البرادعي، الذي خرج من السلطة اعتراضا على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة باستخدام القوة. قد يكون الرجل قد أخطأ في توقيت انسحابه أو في اتخاذ قرار الانسحاب من الأساس، لكن هذا الخطأ لم يكن مبررا لكي يهيل هؤلاء التراب عليه وعلى تاريخه وعلى علمه ومبادئه معا.

يمتلك بهاء الدين قدرة كبيرة على الإقناع، وتتسم ملامحه بالنقاء والتلقائية، وعندما يتحدث إليك تجده منفتحا بشكل خال من أية صورة للتحفظ أو الالتفاف.

ورغم كل هذه الصفات المتوفرة فيه، والتي طالما تطلعت الشعوب العربية دائما إلى أن تجدها داخل أروقة الأنظمة الحاكمة في بلادها، بالإضافة إلى الكفاءة المعروفة عنه كاقتصادي وقانوني محترف، فإن الواقع قد يفرض أحيانا معطيات مغايرة عن تلك التي تتحكم في اختيارات صناع القرار في أوقات الاستقرار السياسي والأمني.

فإذا كان التقييم العام للخبرات التي تتمتع بها النخبة السياسية المصرية أنها محدودة وسطحية للغاية، وأن تلك الخبرات تنبني في الأساس على معرفة هذه النخبة بإجراءات العمل السياسي فقط، وجهلها بروحه وجوهره وديدنه الذي هو عقد مباشر مع الجماهير وارتباط وثيق بها، فإن بهاء الدين يتميز عن هذه النخبة بأنه كان واحدا ممّن ارتدوا معطف صنع القرار من قبل، وصال وجال داخل حواري وأزقة البيروقراطية المصرية المعقدة.

لكن وقوع الاختيار على مسؤول بحجم نائب رئيس الوزراء في فترة حرجة من تاريخ مصر الحديث لا يمكن أن يتم بمنأى عن دراسة خلفية هذا المسؤول الشخصية والسيكولوجية وتوجهاته الفكرية المرتبطة بتفاعلات هذه المرحلة، وهو التقييم الذي غاب عن الأفق عند اختيار الدكتور بهاء الدين رئيسا للوزراء قبل أن يرفض المنصب ويفضل موقع النائب، وبالطبع عند الدفع بمحمد البرادعي نائبا لرئيس الجمهورية.

حتما سيأتي اليوم الذي يلح فيه الناس على بهاء الدين لتولي مسؤولية الحكومة في المستقبل، لا يوجد شك في ذلك، بالنظر إلى كفاءة الرجل وخبرته الطويلة في التعامل مع مؤسسات الدولة وأجهزتها، وسيتبدل المزاج المصري العام بين طرفة عين وانتباهتها كعادته، ويميل أكثر إلى الاتزان والموضوعية، ولكن بعد أن ينجح المصريون أولا في الانتقال من فناء المعركة إلى أعلى السور المحيط بها، وتتضح مع هذا الانتقال الرؤية للموقف المصري بشكل تدريجي، بالتزامن مع استقرار "الغبار الآسن" الذي يملأ الأجواء ويزكم الأنوف ويغيّب العقول هناك.

14