زياد خداش: أسماك الفن لا تعيش في بحر عاقل

الجمعة 2015/01/16
زياد خداش: أحاول اختراق الممنوع، عن طريق إغاظته أو السخرية منه

هو ابن فلسطين ابن مائها وهوائها، مجبول على ترابها، شارد تحت غيومها، الرجل الذي يعشق المطر والحب، الرجل الذي لا يستطيع أن يحيا دون الكتابة، لا قاصا ولا شاعرا ولا روائيا، إنه يكتب فحسب، ينظم متحررا من لعنة القوالب، يكتب نصه بشهيقه ودموع عينيه، هو الأستاذ الذي يعلم الحب والجنون، والموت على جسد الحبيبة، الكاتب المشاكس، المشاغب، المبدع الذي يعرف جيدا من أين تبدأ الكلمات وكيف تنتهي إنه زياد خداش.

ولد زياد خداش في فلسطين، هو يعشق رام الله التي يقول عنها إنها ذاكرته وجسده، لغته سلسة وجميلة وجريئة، من كتبه: “إذا لم تكن لك حبيبة”، “شتاء ثقيل وامرأة خفيفة”، “أوقات جميلة لأخطائنا النضرة”، و”خذيني إلى موتي” الكتاب الذي يعتبره مفترقا في حياته إنسانيا وفنيا ووجوديا.

باختصار يجيبك زياد خداش الكاتب الفلسطيني الخبير بالكلام والمعنى، يكثف الحياة كما يكثف المعنى، كيف لا وهو ابن فلسطين، القضية الأكثر إثارة وجدلية في العالم، هكذا يقدم نفسه ببساطة إذ يقول: «أنا يا صديقي الرجل الذي يحب أمه وباريس، وطلابه، والجبنة البيضاء، ومحمود درويش».

بين كلماته نفحة صدق، لا يمكن إلا أن يشعر بها المرء، ولا تتفاجأ إذا قال لك: «حياتي فيها من الكذب الكثير». زياد خداش ليس اسما عابرا في الثقافة الفلسطينية والعربية، بل هو قافلة متنقلة من الإبداع والحب والجنون.


خرق المحظور


فعل الكتابة يغسلنا من غبار المنطق، فالمنطق هو ألدّ أعداء الفنون، ولا وجود لكتابة متصالحة مع المنطق

يقول خداش: «مازال مقعد الصدق شاغرا ليس في الكتابة فحسب بل في الحياة برمتها، يضيف ثمة مبدعون كثر عندنا يكتبون بصدق مروّع، إن صحّ التعبير، لكن المأساة أن حياتهم الشخصية وسلوكهم اليومي خال تماما من الصدق. مثلا حسين برغوثي العلامة الفارقة في الأدب الفلسطيني، أتحدث عنه كأنني أتحدث عن زهرة، تستطيع أن تشير إلى حياته ونصه بإصبع واحد. حسين هو نصه وكتبه. كان بإمكاني أن أراقب النص وهو يسيل من كتف حسين، كان هذا الرجل يتنفس صدقا، ويتعشى صدقا، وينام صدقا، ويحلم صدقا، ويمشي صدقا».

بتواضع يصف زياد خداش نفسه، أنه يحاول اختراق الممنوع، عن طريق إغاظته أو السخرية منه، وفي نفس الوقت يعترف أن ذلك لا يصل إلى درجة اختراقه وكسر أنفه وإجباره على الفرار.

يسترسل ويضيف: «محمد شكري هو الوحيد الذي خرق الممنوع وعاشه، وعلى فكرة، على خارق الممنوع أن يعيش الممنوع، لا فقط أن يخرقه وهو يجلس في المكتب ينظر إلى الخارج، ويقول مثلا: سأخرق محظورا الآن. ليس قرارا خرق المحظور بل عيشا وممارسة وحياة».

يقول خداش عن فعل الكتابة: «إنه ذلك الفعل الذي يغسله من غبار المنطق. أعتقد أن المنطق هو ألدّ أعداء الفنون، لا كتابة متصالحة مع المنطق، المنطق هو الذي سيقضي على العالم، لا تعيش أسماك الفن في بحر عاقل أبدا.

الكتابة مصل لسموم العالم، لن ننجو منها إلا بالكتابة وأنا أرثي كل شخص لا يكتب، وهذا طبعا ليس دعوة للناس كلها حتى تكتب، لكني لا أقدر على تصوّر شخص يعيش حياته متلفعا بالمنطق والواجبات البيتية والتسوّق من “المول”. الكتابة خلق وحالة ألوهية، ومن لا يكتب/ يخلق، سيظل عبدا للمنطق، للامعنى».

خداش يعتبر الكتابة مصل لسموم العالم

زياد خداش شخص مهووس بالمدن القديمة، يصف علاقته بالمكان قائلا: «أزور القدس وأريحا وعكا باستمرار، ليس حنينا فقط إلى بلاد هي لي، بل لهاثا خلف هذا الجنون الصامد الذي اسمه تاريخ، تاريخ مقيم بقوة في مكان لا يتغير أبدا».

ويروي لنا حادثة يقول: «مرة رأيت صورة بالصدفة في مجلة لمدخل كنيسة القيامة، يعود تاريخها إلى 1920، وعلى مدخل الباب لاحظت بوضوح سلما خشبيا عتيقا جدا، طرت إلى القدس لأرى إن كان السلم محله أم لا، فوجئت بوجوده وبنفس الوضعية، هذا صعقني تماما، وقتلني طربا وخوفا غامضا، هذا البقاء العنيد للمكان، يهزّ روحي بعنف».

«لم أعد أكتب القصة بمعناها القديم»، هكذا يعلن زياد قائلا: «لا أحداث أحيانا في قصصي، بل حالات أو عرض لصورة أو تفصيل لإحساس، النص هو أقرب تعريف لما أكتب، أحب كلمة نص، فهي تحررني من كل صائد في مياه القوالب».

ولا يخفي خداش تفاؤله بالجيل الصاعد، يقول: «هناك زاويا كثيرة بالإمكان النظر من خلالها إلى مشهد الكتابة الفلسطينية، من زاويتي التي ترصد الجديد، وتؤمن بالمفاجآت، أرى أسماء تصعد بقوة في المشهد، وأبني عليها مستقبلا واعدا».

عن الأدب الفلسطيني يتحدث الكاتب: «حين فتحت عينيّ على الفضاء الأدبي الفلسطيني، رأيت أمامي أدباء فلسطينيين كثرا، قرأت لهم بتعمق، لكن معظمهم ذابوا وسقطوا بعد تمكني من امتلاك أدوات فهم وتذوق النص، بقي أمامي محمود درويش وغسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وحسين برغوثي، هؤلاء مازلت أقرأ لهم حتى الآن، ومازلت أكتشفهم وأكتشف نفسي بهم حتى اللحظة.

طبعا هناك آخرون غيرهم أثروا فيّ بدرجات متفاوتة. من ناحية أخرى أنا لا أستطيع أن أوافق على مفردة غياب لمحمود وحسين، هما موجودان بقوة، أستطيع أن أرى آلافا من الناس يتحدثون عنهما في مكان ما من عالمنا فكيف يموتان؟».


أنا شخصان


في سؤالنا عن الربيع العربي، وعن الحرية في العالم العربي، تجاهل زياد خداش السؤال وراح يتحدث عن القدس، السؤال الآخر، تلك المدينة التي يعتبرها مكانا لا يموت، يقول: «أزورها باستمرار، أمشي فيها فقط أمشي، أرتطم بالروائح القديمة، وأتحسس الجدران». ويضيف: «في القدس أحببت مريم، ولم تحبّني، وتلك أشهى أنواع الخسارات، تشبه خسارتي في الذوبان في تاريخ القدس إلى حدّ الامّحاء».

زياد خداش شخص مهووس بالمدن القديمة، يصف علاقته بالمكان قائلا: «أزور القدس وأريحا وعكا باستمرار، ليس حنينا فقط إلى بلاد هي لي، بل لهاثا خلف هذا الجنون الصامد

يصف نفسه بالمتناقض، زياد الأستاذ في المدرسة، وزياد آخر خارج أسوارها، يقول: «أنا شخصان، أحدهما في المدرسة والآخر خارجها، يتعايش الشخصان داخلي بسلام كاذب، أطعم الأول حليب النظام، والآخر ماء الفوضى، يتقاتل الشخصان داخلي إلى حدّ الدم والصراخ، والتعب. أحيانا ينامان جنبا إلى جنب أو في أحضان بعضهما البعض، المخيف الذي يحدث هو أني ألخبط الدور، فأعطي الأول الماء والثاني الحليب، وأحصل حينها على الإنذارات والتهديد بالفصل وشتائم الآباء».

أما المرأة والكتابة، عنها ولها، يصرح أنه يعشق الكتابة الجسدانية، ويحب اللعب اللغوي مع الجسد، ويعلن قائلا: «أحب الجسد بطلا أو سياقا في قصصي، أو حلما. أما الحب فهو أن نتضامن مع هشاشتنا أو نستجيب لها، وأن نقول لبعضنا: هيا نمزق بعضا قبل أن يطرق الموت البعيد الباب».

ويستذكر زياد خداش جملة سارتر التي تقول: «أنا لا أحبك لأني أعرفك». ويضيف: «الانقطاع هو الحل، لو تزوج عنترة عبلة، لما كان هناك قصة لحبهما تتداولها قلوبنا. أنا أريد من الحب أوله كما قال محمود العظيم، أريد من المرأة في احتمال حضورها، فقط احتمال حضورها».

باقتضاب يتحدث عن المعرفة، مجاهرا: «المعرفة تقتل، المعرفة تقتل. وهذه دعوة صريحة للصمت والعزلة، والعيش في بيت نؤثثه بالعزلة، والانقطاع الفدائي والفجائي والصمت».

15