زياد دلول الكثير من الشعر يظهر في رسومه

الرسام السوري يحتفي بالجمال من جهة كونه سيرة وليس صفة، ولوحاته تهبنا فرصة لإعادة اكتشاف الطبيعة بل لرؤيتها كما لو أننا لم نرها من قبل.
الأحد 2018/03/04
زياد دلول الرسام اللامرئي الذي احتفى بالطبيعة

كما لو أنه قادم من عصر الباروك. تذكّرت الفرنسي بوسان ما إن رأيت إحدى لوحاته التي تضمّها مجموعة رمزي دلول ببيروت.

شيء عظيم من الترف والرقة والرفعة يحيط بالأشياء والوقائع التي يرسمها. يؤثث الفنان السوري زياد دلول لوحاته برؤاه القادمة من عالم علوي.

تضفي فرشاته على الواقع نوعا من سحر وخيال الأساطير. إنه يرسم الطبيعة ولا يرسمها في الوقت نفسه. ليست علاقته الطبيعة حسية، بل هي نوع من الشغف الداخلي الذي يقفز على ما يُرى ليمسك بقوته الخفية. والمقصود هنا قوة خياله. وهي عينها قوة الرسم.

مواجهة الغموض

نزعته التجريدية دفعته إلى مواجهة الغموض الذي تنطوي عليه سعادة أن نكتشف اللذائذ الصغيرة التي تنطوي عليها العلاقة بالجمال باعتباره مفهوما مطلقا. يحتفي دلول بالجمال من جهة كونه سيرة وليس صفة.

فرشاته تضفي على الواقع نوعا من سحر وخيال الأساطير. إنه يرسم الطبيعة ولا يرسمها في الوقت نفسه. إذ ليست علاقته بالطبيعة حسية، بل هي نوع من الشغف الداخلي الذي يقفز على ما يرى ليمسك بقوته الخفية

تهبنا لوحاته فرصة لإعادة اكتشاف الطبيعة بل لرؤيتها كما لو أننا لم نرها من قبل. بمعنى أن الرسام لا يستعيد بل يخلق. يغمض عينيه على مشهد ليحلمه. وهنا بالضبط تكمن قوة الشعر التي تعين دلول على استخراج لغته الصافية من معجم مستعمل.

هذا فنان يأسر مفرداته من الطبيعة ليهبها نوعا من الرفعة والنبل من خلال الارتقاء بها فوق معانيها المتاحة. إنه يتيح لتلك المفردات الانفتاح على فضاء خيالها، وهو فضاء مغمور بالنعومة ومسحور يتدفّق هذياناته.

رسام يعلّمنا كيف تنفتح الحرفة على خيالها فيبدو كل ما تصنعه كما لو أنه من صنع الملائكة. فرشاته لا تصف بقدر ما توحي. لقد أملى الرسم على الطبيعة شيئا من طبائعها من خلال لوحاته.

“اللامرئي هو العالم الحقيقي للفن” تلك مقولته لتي يمكننا من خلالها تفسير تلك الخفة والشفافية وانعدام الوزن الذي تكتسبه الأشياء الصلبة ما إن يلتقطها لتكون جزءا من عالمه.

إنه رسام المرئيات التي يُحتفى بها، لكن من وراء حُجب.

عاطفة الغريب في كتب

ولد زياد دلول في مدينة السويداء، جنوب سوريا عام 1953. درس الحفر الطباعي في كلية الفنون الجميلة بدمشق وتخرّج منها عام 1976 وهو العام نفسه الذي أقام فيه معرضه الشخصي الأول. سافر بعدها إلى الجزائر. عام 1984 انتقل إلى باريس ليكمل دراساته العليا في المدرسة الوطنية للفنون. ومن يومها وهو يقيم ويعمل هناك.

فرشات دلول لا تصف بقدر ما توحي
فرشات دلول لا تصف بقدر ما توحي

سلوك الحفار أملى عليه عاطفة شدته إلى جوانب حرفية غالبا ما لا يقترب منها رسامو اللوحات ومنها صناعة الدفاتر. ولكن دفاتر دلول لم تكن محاولات مصغّرة بل كانت بمثابة انفتاح على عالم، شدّه منذ بداياته إلى غموضه وهو عالم الشعر.

لقد تعاون دلول والشاعر أدونيس من أجل إنتاج العديد من الكتب الشعرية التي وهبها الرسم الكثير من قدرته على اختراق المرئيات. من تلك الكتب “مسيرة الرغبة في جغرافية المدن” عام 1989 و”كتاب المدن” عام 1999.

عام 1994 حصل على الميدالية الذهبية في ترينالي الحفر الطباعي بالقاهرة. يقيم دلول معارضه الشخصية في مدن عالمية مختلفة. وفي عام 2004 كان واحدا من مئة فنان عالمي عرضوا أعمالهم بمتحف سول، عاصمة كوريا الجنوبية في معرض من أجل السلام.

ما يختفي من العالم

“التجريد ليس رسما هندسيّا، بل هو مفهوم يحوّل المرئي إلى لا مرئي. واللوحة بهذا المعنى هي عالم مواز لعالمنا المعيش” مقولته التي في إمكانها أن تختزل الأسئلة التي حاول أن بفكك عناصرها ليكون على تماس ما يعتبره لغزا. الوجود باعتباره صلة وصل بين ما يُرى وما لا يُرى.

تعاون زياد دلول والشاعر أدونيس يعتبر عملا مشتركا هاماً واستثنائيا أنتج العديد من الكتب الشعرية التي وهبها الرسم الكثير من قدرته على اختراق المرئيات. من تلك الكتب 'مسيرة الرغبة في جغرافية المدن' و'كتاب المدن'

لقد خاض دلول تجربة الانتقال بين حياتين، عبّر عنها من خلال مقارنته بين الضوء الباريسي والضوء الدمشقي وهو ما وهبه القدرة على أن يتماهى مع المكان لا من جهة كونه مأوى بل باعتباره مصدر إلهام.

علاقة هذا الرسام بالمكان تدخل في إطار كيمياء اللغة. فهو لا يستعيد بالرغم من أنه يتذكر. لا يخطفه الحنين إلى أماكن عاش فيها في أوقات سابقة من صلته العميقة بالمكان الذي هو فيه. فهو يقيم مختبره اللغوي بناء على تجربته المعيشة، وهي تجربة لا يغلب عليها شعور بالخذلان بسبب ما يخالطها من رغبة في استعادة فردوس مفقود. فردوس دلول الحقيقي يكمن في ما تنفتح عليه لغته من عوالم تجريدية، تجمع ما هو متذكّر وما هو متخيّل.

 وهو ممن خلال المثيرات الحسية إنما يبحث عما يجعله مُقيما عند حافّات المادة. هناك علاقة مختبرية يعرفها الحفّار أكثر من سواه من الرسامين هي التي تجعل العالم مُمكنا بالنسبة لدلول لكن في حدود ما يختفي منه. تلك هي حصته الشخصية من إرثه الجمالي.

لا يستغني زياد دلول عن الطبيعة الصامتة. إنه يعود إليها بين حين وآخر. وهو ما فعله الرسامون الكبار ممّن قبله. محاولة تنطوي على الاعتراف بأن ما لم يُكتشف من أسرار الطبيعة الجمالية لا يزال كثيرا. يسعى الرسام إلى إغناء حياته الداخلية من خلال النظر بطريقة شخصية إلى الطبيعة.

 ربما تكمن تلك المحاولة على شيء من استفزاز الأدوات. الرسام هنا يستفز أدواته المعاصرة في محاولة منه لقياس المسافة التي تفصله عن الرسام التقليدي. ولأنّ دلول ينظر باحترام كبير إلى الحرفة فإنه لا يرى في محاولته تلك خروجا على ما يمكن أن ينفعه رساما تجريديا.

عاش متأملا

عالم لم تتسلل إليه المرويات السردية
عالم لم تتسلل إليه المرويات السردية

لقد صنع هذا الرسام عالما احتفاليّا قوامه المادة بصورها المتعددة. وهو عالم لم تتسلل إليه المرويات السردية لا لشيء إلا لأنّ الشعر كان هدفه. الشيء الكثير من الشعر يمكن العثور عليه في رسوم دلول. فهي رسوم صافية لا ترنو إلى الوصف ولا ترغب في أن تعيد متلقيها إلى أصولها. إنها تنفرد بما تقوله وبما تحدثه من تأثير عاصف.

يوما ما ستعتبر رسوم زياد دلول من كلاسيكيات التأمل في عصرنا. لقد رسم هذا الرسام من أن أجعل أن يُحيي خصلة التأمّل في كيانه الذي امتزج بما لم يكن متاحا مما يُرى من الطبيعة. وهو ما جعله مُقيما وإلى الأبد في مواقع حساسة تشير إلى إنسانيته. ذلك المفهوم الذي لا يمكن عزله عن ينابيعه الفلسفية التي تقيم في الطبيعة.

زياد دلول هو اليوم رسام تجريدي. هو كان دائما كذلك. غير أنّ إخلاصه لقيم الرسم الجماليّة دفعه إلى أن يقيم مختبره الجمالي قريبا من حافات الطبيعة. إنه يقتات على خلاصاتها.

 فهو يحوّل عناصرها الجاهزة إلى مواد قابلة للتأمل في أيّ لحظة رسم. بالنسبة له ليست هناك طبيعة جاهزة لتُرسم. إنه يهبنا صورة للطبيعة، هي في حقيقتها مزيج مما رآه وممّا انتهى إليه عبر عملية معقّدة من التأمل. دلول رسام تأملي.

في رسومه ما يثير البصر. شهوة تفسير المادة باعتبارها علامة تؤكد الطبيعة من خلالها حضورها ولكن الأمر ليس كذلك دائما. عليك وأنت ترى تلك الرسوم أن تكون مستعدّا لمغامرة التعرف على حياة داخلية. سؤال مزدوج من نوع “ما الذي تفعله الطبيعة بنا وما الذي نفعله بالطبيعة؟” يظل حاضرا في استمرار.

تحتاج رسوم زياد دلول إلى قدر لافت من التأمل لكي يشعر المرء من خلاله بتلك العلاقة الخفيّة التي تجمع الرسم بالطبيعة باعتبارهما حقيقتي وجود.

9