زياد عيتاني فنان مسرحي قصته تترك بيروت حبيسة العمائم

اللبنانيون قلقون من عودة زمن القمع في دولة حزب الله بعد تلفيق تهمة العمالة للممثل المسرحي زياد عيتاني.
الثلاثاء 2018/04/17
ضحية التقارير الكيدية

الأسبوع الماضي. كشف والد المقرصن إيلي غبش المتهم بفبركة ملف الممثل زياد عيتاني في مؤتمر صحافي، أن ابنه بريء، وقال إن الأخير كان على علم بأن عيتاني بريء من تهمة العمالة، لكنه كان مرغما على تلفيق الملف له، بسبب تهديد المقدم سوزان حبيش له بملف قديم. وأكد أن غبش ترك ثغرات في ملف عيتاني ليتم اكتشافها من قبل القوى الأمنية، بسبب “شعوره بالذنب”.

وكشف غبش أن زياد حبيش، زوج سوزان، عرض على زوجة ابنه مبلغا من المال. مضيفا “نقول لزياد حبيش إننا لسنا بحاجة إلى أمواله، فهو يحاول شراء الغالي الذي لا يباع”.

وطيلة الشهور الماضية بقي اللبنانيون مصدومين مندهشين، جراء إعلان خبر اعتقال الممثل والمخرج المسرحي، ،الذي نزل عليهم كالصاعقة، لأنهم يعرفون حق المعرفة هذا الفنان ودرجة وطنيته، وسمعة عائلته التي يعرفها البيروتيون من جده الفنان محمد شامل الذي يعتبر أحد أبرز مؤسسي الدراما اللبنانية، إلى أصغر عضو في العائلة وحكايات صمودهم مع أهل منطقتهم "الطريق الجديدة" في وجه الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

الموساد يبحث عن الفن

المشاعر في بيروت اختلفت، والمخاوف تضخمت، والقلق بات كبيرا بعد أن تم الكشف عن أن الملف بأكمله كان مفبركا، وأن عيتاني كان بريئا، براءة الذئب من دم ابن يعقوب، كما يقول المثل العربي القديم، فذاكرة اللبنانيين لم تنس بعد زمن الوصاية السورية والتهم الملفّقة والاعتقالات والاغتيالات وقمع كل الأصوات التي ترفض هذه الوصاية. واليوم شعر اللبنانيون بأن الأذرع هي نفسها والعقلية ذاتها والأدوات لم تتغير.

عيتاني من مواليد عام 1975، عمل صحافيا وناشطا في عدة مجالات، وقدم عدة أعمال مسرحية منها “بيروت طريق الجديدة” و”بيروت فوق الشجرة”، كما شارك في مهرجانات بيت الدين عام 2015 بعمل استعراضي غنائي موسيقي بعنوان “بار فاروق”. ويعتبر أول مسرحي يعرض عملين في الوقت ذاته بطريقة المونودراما في لبنان لنفس المخرج والمؤلف.

وفي نوفمبر الماضي ألقت مديرية أمن الدولة اللبنانية القبض على عيتاني بتهمة التخابر وتقديم معلومات عن شخصيات وفنانين للموساد، وبدا الملف متماسكا من اسم العميلة الإسرائيلية التي أوقعت به، إلى صورتها، إلى سفره لمقابلتها خارج لبنان.

الإعلامي فارس خشان يقول معلقا على ملف عيتاني "لو دققنا في مسار الحياة السياسية اللبنانية، منذ العام 1991 حتى اليوم، لتوهم البعض أن إسرائيل نجحت في تجنيد ثلثي الشعب اللبناني، ذلك أن تهمة العمالة الثابتة في الأدبيات السياسية، تنقلت تباعا من فئة إلى أخرى، بحسب تنقل الأهواء السياسية"

تحركت وسائل الإعلام لتؤكد أن الفنان اللبناني قد اعترف، فيما بقي البعض من المنابر ممن اكتوى بنار التلفيق والفبركة والظلم يؤكد أن التحقيق لم يؤد إلى نتيجة طوال عشرة أيام، نظرا للتغيير المستمر في إفادة عيتاني.

كانت الشكوك والتساؤلات تنبّه إلى أن جهاز أمن الدولة قد قصّر في عدم انتظار الضابطة الإسرائيلية لمقابلة عيتاني في فندق البستان ببرمانا بلبنان، والذي قيل إن الاجتماع الطارئ هذا كان مقررا أن يعقد في الثاني من ديسمبر الماضي، ورغم التبرير الأمني غير المقنع، إلا الفنان اللبناني بقي في السجن.

في الوقت ذاته، وبشكل مخفي، كانت شعبة المعلومات تعمل على “فلترة” المعطيات والدوافع والوقائع ليتم التوصل إلى خيوط رفيعة تربط بين المقدم سوزان الحاج التي كانت تشغل منصب رئيسة مكتب الجرائم الإلكترونية وحماية الملكية الفكرية في قوى الأمن الداخلي اللبنانية، والمقرصن غبش.

دور الحريري والدولة الأمنية

كان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق، على ثقة بأن عيتاني بريء، ولذلك توجب العمل على نسق مواز لما يجري الإعلان عنه على السطح. كانت الأحداث تتلاحق والوقائع تنكشف عن عملية فبركة كبيرة بترتيب من المقدم الحاج.

وبناء عليه فقد تم إخلاء سبيل عيتاني بعد ثلاثة أشهر و17 يوما من الحبس، وألقي القبض على غبيش والحاج للتحقيق معهما.

إن ما حدث لم يكن مجرد فبركة وظلم رُفِعَ عن بريء، ولا يجب التعامل معه بهذا الشكل. فاستسهال تلفيق مثل هذه التهم أمر خطير، كما يقول اللبنانيون. وبالتالي فقد باتت جميع قضايا العمالة لإسرائيل، وما أكثرها، في الفترة الأخيرة، موضع شك.

استئثار تيار واحد بالمقاومة ينطوي على تشويه صورة شريحة كبيرة في لبنان كله، في ظل استمرار المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة ونزعه من ميليشيات حزب الله الذي يتهم من يشاء ويحمي من يشاء، وحالة ميشال سماحة المقرب من نصرالله مثال ساطع.
استئثار تيار واحد بالمقاومة ينطوي على تشويه صورة شريحة كبيرة في لبنان كله، في ظل استمرار المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة ونزعه من ميليشيات حزب الله الذي يتهم من يشاء ويحمي من يشاء، وحالة ميشال سماحة المقرب من نصرالله مثال ساطع

فالاتهام والفبركة لم يصدرا من مخبر رخيص استمرأ كتابة التقارير الكيدية، بل من جهة أمنية مختصة بمثل هذه القضايا. وربما إذا كشفت قضية جديدة في هذا المجال ستنال من السخرية وعدم الاهتمام وعدم الثقة الكثير من المواطنين الذين باتت حريتهم الشخصية في مهب الريح وفي قبضة رجل أمن يمارس أهواءه الشخصية بتصفية الحسابات الشخصية.

لقد بدا واضحا أن انحدار قضايا العمالة إلى هذا الدرك من السهولة يميط اللثام عن رغبة كامنة لدى بعض الجهات اللبنانية لتمييع مثل هذه التهمة. وكذلك فإن استئثار البعض بالمقاومة في لبنان يدخل في نفس الإطار لتشويه صورة شريحة كبيرة ومشهود بوطنيتها في طريق الجديدة ببيروت، في وقت تستمر فيه المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ونزعه من ميليشيات حزب الله.

الحريري والمشنوق وتيار المستقبل تنبّهوا إلى أن المستهدف لم يكن عيتاني كشخص، بل فئة كبيرة من البيروتيين الوطنيين الذين يصارعون لتبقى مدينتهم بعيدا عن التأطير المذهبي والطائفي الذي بات سجالا يوميا، وسط فوضى صكوك الوطنية والعمالة والخيانة التي توزع في لبنان.

ولم يخف على أحد، البعد الذي قصده عيتاني من قراره التوجه، بعد خروجه مباشرة من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي برفقة محامية إلى بيت الوسط لمقابلة رئيس الحكومة، قبل أن يتوجه إلى منزله في الطريق الجديدة.

الرئيس عون عميل سابق

يعتبر عيتاني أن ما حدث معه أكبر من مجرد تشابه أسماء. وأضاف بعد الإفراج عنه “لا بد من المضيّ قدما حتى النهاية، فما تعرّضتُ له كان يمكن أن يصيبَ أيّ مواطن لبناني. وقد أثبتت التحقيقات حتى اليوم أنه سبق وأصيبَ وتشظّى آخَرون بتهمة العمالة زورا ودفعوا الثمن شبابَهم وسمعتَهم”.

وبكلمات لا تشبه الحياة في لبنان، بل تذكر بممارسات يفترض أنها لم تعد موجودة في بلد شهد حربا أهلية مدمرة دامت سنوات طويلة، يصف عيتاني ما حدث معه بالقول “كالعادة توجّهتُ لأتمرّنَ على مسرحية جديدة مع يحيى جابر، وبينما كنتُ أهمُّ بالمغادرة من الموقف، فاجأني شابّان وسحباني بقوّة إلى سيارة رباعية الدفع، (ثم طمّشوا عيوني)، ولم يُنزع عنّي الرباط إلّا على وقعِ الشتائم والحديث عن العمالة في جهاز أمن الدولة”.

ويضيف “بعدها دخلنا في نفق طويل، إذ أمضيتُ أوّل 5 أيام في جهاز أمن الدولة، لاحقا 54 يوما في المحكمة العسكرية، ثمّ في سجن روميه، والأسبوعان الأخيران لدى فرع المعلومات”.

جميع قضايا العمالة لإسرائيل، وما أكثرها اليوم، تصبح محل شك. فالاتهام والفبركة لم يصدرا من مخبر رخيص استمرأ كتابة التقارير الكيدية، بل من جهة أمنية مختصة بمثل هذه القضايا. وربما إذا كشفت قضية جديدة في هذا المجال ستنال من السخرية وعدم الاهتمام وعدم الثقة الكثير من المواطنين الذين باتت حريتهم الشخصية في مهب الريح

وبعد أن انقلبت الأمور، تم توقيف المقدم الحاج التي نفت كل التهم التي وجهت إليها من كونها لفقت التهمة لعيتاني. وفي مواجهة مع المقرصن قالت له “أنت تفتري عليّ”.

ومن جهته، علق زوجها زياد حبيش، شقيق النائب اللبناني هادي حبيش، على توقيفها، مخاطبا زوجته “ستبقين أرزة البيت الصامدة في وجه الأعاصير، تحية لك ولعنفوانك وكرامتك التي لن يستطيع أحد النيل منها”. وأوقفت الحاج، بناء على إشارة قضائية للاشتباه بأنها “استعانت بقرصان معلوماتية لتلفيق تهمة التواصل مع فتاة إسرائيلية للممثل زياد عيتاني”.

علّق كثيرون على هذه الحالة التي تركت لبنان في لحظة مراجعة لما تحول إليه البلد في السنوات الأخيرة. وكتب الإعلامي فارس خشان يقول “لو دققنا في مسار الحياة السياسية اللبنانية، منذ العام 1991 حتى اليوم، لتوهم البعض أن إسرائيل نجحت في تجنيد ثلثي الشعب اللبناني، ذلك أن تهمة العمالة الثابتة في الأدبيات السياسية، تنقلت تباعا من فئة إلى أخرى، بحسب تنقل الأهواء السياسية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان العماد ميشال عون، (رئيس الجمهورية الحالي) قبل توقيع اتفاق التفاهم مع الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، من كبار عملاء إسرائيل في لبنان قبل أن يصبح، وبكل بساطة بفعل هذا التفاهم، من أبرز وجوه المقاومة التاريخية”.

إعلام حزب الله والإعلام الدائر في فلكه يصف المقدم الحاج بالقول: لم يعتد “العسكر” على هذا الصنف مِن “الضابطات”. فزوجها المحامي زياد حبيش، شقيق النائب هادي حبيش، وابن النائب والوزير السابق فوزي حبيش. دخلت عائلة “المشايخ” بقوّة. وزواجها هذا مِن عائلة نافذة، سيُدخلها إلى عوالم إضافيّة مِن الظهور. وتُصبح هدفا لوسائل الإعلام المحليّة والعربية والعالمية. وليصفها البعض بأنها الأنثى الضابط الأشهر في لبنان. وكذلك بـ“المرأة الأقوى في لبنان”.

عيتاني وسماحة

عيتاني الذي يعتبر أبرز مسرحيي المونودراما في لبنان كمخرج ومؤلف وممثل، كانت مديرية أمن الدولة قد ألقت القبض عليه، قبل شهور، بتهمة التخابر وتقديم معلومات لعميلة إسرائيلية
عيتاني الذي يعتبر أبرز مسرحيي المونودراما في لبنان كمخرج ومؤلف وممثل، كانت مديرية أمن الدولة قد ألقت القبض عليه، قبل شهور، بتهمة التخابر وتقديم معلومات لعميلة إسرائيلية

ولم يغب عن الأذهان ملف ميشيل سماحة الأمني الذي تم التعامل معه بصورة مغايرة تماما لما حصل مع عيتاني، فسماحة الذي أوقعت به الأجهزة الأمنية اللبنانية بالدليل الدامغ، وهو ينقل المتفجرات من سوريا إلى لبنان، معترفا بأنه تلقى المعلومات من كبار ضباط المخابرات السوريين، ومعطيا أوامره تاليا بتنفيذ حوادث وتفجيرات تستهدف شخصيات دينية وسياسية لبنانية. أصبح اليوم حرّا طليقا وكأن شيئا لم يكن.

وقد علق على إطلاق سراحه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، حينها، بالقول “بمنطق عفوي بسيط، كيف لي أن أفهم أن لبنانيا تآمر مع جهة خارجية لارتكاب أعمال قتل وتفجير في بلاده ونقل متفجرات لهذه الغاية، وجنّد أشخاصا لتنفيذها وجرى وقف المخطط في آخر لحظة من قبل فرع المعلومات؟ كيف لي أن أفهم إطلاق سراح هكذا شخص؟ وأي رسالة بعثها رئيس المحكمة والضباط المعاونون إلى اللبنانيين بهكذا قرار؟ وأي أمل يتركونه لهم بمستقبل بلادهم وسيادتها والحفاظ على أمن أبنائها وعلى حرياتهم؟”.

ويبقى المناخ الذي يضع حزب الله لبنان ومواطنيه فيه، مناخ توتر دائم يهدف إلى تعميم القلق والخوف من الإدانة لدى الجميع، وهو نسخة أخرى مصغرة عن النظام الإيراني، النموذج الذي يباهي أمين عام حزب الله حسن نصرالله بأنه يتبعه ويرتبط به عضويا ومرجعيا وأمنيا.

13