زياد كمال حمامي: الروائي يرى العالم بعيون الآخرين

الكتابة دون حرية هي كتابة منقوصة تماما تشوبها القيود والمكبلات، وتجعل منها قاصرة عن النفاذ إلى الآخر بسلاسة. لكن كشفت مسحة الحرية التي منحتها الثورات العربية عن قصور كبير لدى غالبية الكتاب العرب الخارجين من كهف أفلاطون. حول الكتابة والحرية التقت “العرب” الروائي السوري زياد كمال حمامي.
الثلاثاء 2016/07/05
الحرية تزهر وترتقي من تلقاء نفسها وبإرادة مستقلة

لأن الكاتب والروائي السوري زياد كمال حمامي على دراية بأن الرواية لا تتمتع بالحرية إلا إذا تعاملت مع الواقع، فقد كانت روايته الأخيرة “الخاتم الأعظم” محاكاة لمصير وطنه الذي يراه وهو يسقط من بين أيدينا كالماء الرقراق، ويتناثر متشظّيا في محارق الفوضى والظلم والاستبداد والوحشية.

الخاتم الأعظم

في بداية حوارنا معه يقدم لنا حمامي عمله الروائي الصادر مؤخرا “الخاتم الأعظم”، “لقد حاولت بهذا العمل الخروج عن التيّار، ومن يقرأ الرواية يعرف أن أخطبوط الخاتم الأعظم ورموزه هو السرّ وراء ملكوت الاستعباد والامتلاك والموت والحرب والنزاعات الفردية والدولية منذ الآلاف من السنين، وليس الآن فقط، وقد دفعت الثمن الممالك والإمبراطوريات والدول، وليست زنوبيا، وحدها قبلا، وهذا ما جاء في متن الرواية خطفا وفكرا ورمزا، ومن هنا، فإن رواية ‘الخاتم الأعظم’ ليست نصا يصوّر الأحداث الدموية في الفاجعة السورية بشكل فوتوغرافي أو إعلامي أو وثائقي، رغم أنه يؤرخ لها بشكل فني وفكري وإبداعي، إنه نصّ مختلف، حيث يمتزج في جسد النص السرد الواقعي بالمتخيل السحري، والفكري بالأسطوري، ومحاكاة الفواجع الأزلية بسبب الحروب والمأسي الإنسانية وإسقاطها قياسيا عمّا يحدث الآن، وما سيحدث أيضا، إقناعا أدبيا، وإمتاعا سرديا، وبذلك ينهض الحدث الملحمي التراجيدي فيها عبر فنيات سردية ونفسية وتخييلية وحوارية، إذ تبنى تراتبياتها الصدامية على حقائق واقعية مؤلمة، ومحاكاة تاريخية، أيضا، منها ـــ مثلا ـــ وثيقة ووصية السلطانة ‘الأم ليونا’ سنة 1512، والدة السلطان العثماني سليم الأول، وتأثير ذلك على الأحداث السورية الآن”.

المبدع الحقيقي عليه أن يرى العالم من خلال عيون الآخرين وليس فقط أن يرى نصف الكأس المملوءة

يتابع “من خلال تقنية القص داخل القص في السرد الروائي، ربما استطاع هذا النص أن يجذبنا إلى حكايات المقهورين ومرويات الفظائع الوحشية والاعتقال والتصفيات الجسدية والاغتصاب واللجوء غير الشرعي والموت تحت مخيمات الثلج، وكذلك قصص الحب والغربة والحنين في زمن الحرب والنزوح، وإلى تلك التماهيات الصوفية والانخطافات خارج الزمان والمكان، والانفصال بين الروح والجسد لبطل النصّ كما هي التماهيات عند الحلاّج وابن عربي وجلال الدين الرومي، والانزياحات الزمكانية عبر الآلاف من السنين، واستحضار شخصيات تاريخية مثل نيرون، هتلر، موسوليني، جنكيز خان. وأسطورية كعشتار، العنقاء، طائر الفينيق، النسر السوري. وألسنة الطير والحجر والطبيعة غير الصامتة، مما يصبّ في إعلاء فكرة النصّ، وتفسيره، وكل ذلك نجده كمرويات تراجيدية، وانخطافات مشوقة، خاصة ونحن نعرف أنه يقوم على أحداث واقعية، ولا سيما قد عايشها وتفاعل معها بطل النص والكاتب والجمهور معا، أبطالها من لحم ودم ويحملون كل ما يحمل الإنسان الشرقي من موروثات روحية وحضارية وعقد نفسية”.

يرى زياد كمال حمامي أن روايته “الخاتم الأعظم” تختصر فكريا تاريخ المجتمع السوري عبر قرن من الزمان، وتنحت في جوف عالم معقّد يضج بالفوضى، والحــرب، والتعصب الأعمى، والفساد، بحثا عن صورة جميلة تشبه وجه الوطن.

وعن الأجواء التي كتب فيها عمله الأخير والبلاد تعيش في لجّة الحرب أو الثورة أو ما يؤثر البعض أن يسمّيه بـ”الزلزال” في الحالة السورية، يقول ضيفنا “أعترف بأنني كتبت رواية ‘الخاتم الأعظـــم’، بحروف القهر والدم كي لا ننسى، ولأنني لم أعد أحتمل موجات الألم والقهر والدموع، وأنين الخوف الاكتئابي المرضي، والقلق الكتابي الإبداعي على مصير وطن جميل، والتكوين الدولي الجديد، وصراع المصالح والمشاريع الاستراتيجية، إذ لم يعد يحتمل القلب النازف أي لحظة ألم أخرى، وربما كانت في البداية نداءات استغاثة أدبية، إنسانية شاملة، ولكنها تحولت إلى قضية مصيرية للعدالة والمساواة والحرية، وهكذا تجد أن ما تبحث عنه هو موجود في داخلك ويبحث عنك، ومن هذا الفضاء صغت أفكار رواية ‘الخاتم الأعظـــم’ مثل طير حر، إذ نظرت إلى الفاجعة السورية بقلبي وفكري، ولم أبال بكيفية التلقي من الأطراف المتصارعة، ثم إن الفكر الحر كالثلج الذائب يغسل نفسه بنفسه”.

رواية تختصر فكريا تاريخ المجتمع السوري عبر قرن من الزمان

عيون الآخرين

وبسؤاله إلى أي مدى يمكن أن يساهم الالتزام السياسي بفكر أو قضية ما في الناحية الجمالية أو الفنية للعمل الإبداعي؟ يجيب صاحب “نعش واحد وملايين الأموات”، “أستطيع القول إنني ككاتب لم أكن حياديا أو متحيزا لطرف على حساب طرف آخر، بل كنت منذ البداية ملتصقا مع إنسانية الإنسان واحترام عقله وحريته وحقوقه وأفكاره وثوريته التي يؤمن هو بها، وليست ما تسمى الثورية المفروضة عليه جبرا، فالحرية تزهر وترتقي من تلقاء نفسها وبإرادة مستقلة، ولا يمكن لها أن تكتسب بالتلقين والعدوى والتقليد الأعمى، إذ ما من أفكار سياسية مسبقة الصنع تحرضني على الكتابة، ومن هذا المنطلق ها نحن نفك قيودنا قيدا قيدا، وقد بدأنا نكتب في أجواء تشبه الحرية الإبداعية، ولعلنا خلعنا قيود الخوف وحطمنا مقصات الرقيب الصدئة، وإذا كنّا مأسورين بالغربة والنزوح والدمار، وحقائق الحرب وخفاياها، والحنين إلى العودة المؤجلة، وبناء المستقبل الذي ضحينا من أجله دما ودموعا، فإننا ككتاب بدأنا الخطوَ في ثورة الأدب والفن والثقافة، ولهذا، تجد شخصياتي في رواية ‘الخاتم الأعظـــم’، ومجموعاتي القصصية ‘سجن العصافير’، و’كلام ما لا يستطيع الكلام’، تعيش أزمات سياسية مضطربة، وتبحث عن الانعتاق والحرية، وتبوح بالذي كان محظورا وممنوعا وغير صالح للنشر ويؤدي إلى التصفية الجسدية والاعتقال السياسي”.

يلفت حمامي إلى أن الموضوعات السياسية بعد الربيع / الخريف العربي هي نوع من القَدَر بالنسبة إلى الأدباء العرب، وليس مهما أن يحمل الروائي بطاقة حزبية أو أن ينتمي سياسيا إلى تيار ما، ويكون بوقا لنظام فاسد، أو مقلّدا، وليس مبدعا، تماما كما فعل بعض أشباه الأدباء إذ ركبوا موجة التسلّق والوصولية من أجل مناصب ومكاسب زائلة.

وفي هذا الخصوص يعترف ضيفنا بأنه منذ بداياته في الثمانينات لم يتورط حزبيا، ولم يحمل في حياته أي بطاقة حزبية، ورفض مرارا كمستقل مناصب مهمة، وانحاز إلى المزيد من الإبداع والإخلاص إلى حقوق وحرية الإنسان، ولعلّ مجموعته القصصية الجريئة سياسيا “سجن العصافير” 1994، خير دليل مبكّر في تجربته الأدبية على ما يؤمن به ويمارسه كرسالة إبداعية، وليس آخرها رواية “الخاتم الأعظم”، ومن هنا، فالرواية السياسية يجب أن تتماثل مع الإنسان الآخر، وعلى المبدع أن يرى العالم من خلال عيون الآخرين أيضا، وليس فقط أن يرى نصف الكأس المملوءة، فالأم وعلى أي طرف من أطراف النزاع تبكي ابنها بألم وتئنّ وتنوح ولن تنسى، وتعتبر أن ابنها بطلا وشهيدا، ولا يمكن أن يتحول قلبها إلى حجر، ومن نعتبره هنا بطلا / يعتبرونه هناك خائنا، والعكس صحيح، ومن هنا يتألق الإبداع إذا كان مع الحقيقة الإنسانية، فالإبداع هو الأبقى أبدا، وهو من يعطي بوعي معنى للحياة والوجود والحقيقة.

15