زياد محافظة: الرواية تاريخ الشعوب وذاكرتها الحية

الثلاثاء 2015/01/27
زياد محافظة: الشخصية الحقيقية والشخصية الروائية كل منهما نسخة مزورة عن الأخرى

بروكسل- الرواية فضاء مفتوح على كافة تجليات الفكر الإنساني، وبها من المكر ما يتيح الولوج إلى عوالم خفية، وكشف الكثير من الأشياء التي يراد أن تظل طي الكتمان. لكشف المستور والمسكوت عنه ينطلق الروائي زياد محافظة في أعماله الأدبية حيث وجد في الرواية شرفة أتاحت له الجلوس بحرية لتأمِّل هذا العالم المربك كما يسمّيه، وليطرح رؤيته الخاصّة للكثير من القضايا المحيّرة عبر اشتقاق نصوص سرديّة حيّة، محاولا قدر الإمكان الذهاب بالتجارب الذاتية الإنسانية لجعلها تجارب عامة ومؤثرة في الآخر.

الروائي الأردني زياد أحمد محافظة ولد في الأردن عام 1971، وصدرت له رواية “بالأمس كنتُ هناك” و رواية “يوم خذلتني الفراشات”، التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، كما صدرت له رواية “نزلاء العتمة”، كما له العديد من الدراسات الفكرية المنشورة، وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين وعضو مجلس مبدعي وزارة شؤون الرئاسة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وعضو رابطة أبوظبي الدولية للتصوير الفوتوغرافي. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائي زياد أحمد محافظة.


الشخصي والروائي


الروائي الشاب زياد محافظة يقرّ أنّ المكان الجغرافي موجود دوما بالقدر الذي يخدم النص لا أكثر ولا أقل، فرغم ارتباطه بالمدن البعيدة منها والقريبة إلا أنّه لا يحشو النص بأسماء أماكن وشوارع ومقاه ومحال، من أجل إضفاء صبغة واقعية على العمل، أو حصره في بقعة جغرافية بعينها. بل يترك في كثير من المرّات الفضاء المكاني مفتوحا وحتى مبهما، لقناعته أن كثيرا من الأشياء والأماكن تشي بنفسها.

زياد محافظة يسعى إلى إضفاء صبغة واقعية على أعماله

هو اليوم يشتغل كما يعلن لأول مرّة على رواية تدور أحداثها في فلسطين، مستندا على أحداث حقيقية حدثت في زمن ما ليعالج فيها إشكالية النظرة إلى المحتل، بوصفها اختزالا لحالة تعكس مكابدات الفرد وعذاباته، وذلك عبر اشتقاق فهم أكثر عمقا وشفافية، لمستويات الصراع التي تنشب داخل الفرد، حين تدفع به الحياة إلى مواجهة غير متكافئة مع عدوّ طالما توعّده وتربّص به، وإزاء هذه الحالة المربكة، الدافعة بشكل فطري للتخلص من المحتل بصيغ وجوده المختلفة، تنفتح الـــرواية على عـالم شاسع من الأسئلة المقلقة.

في علاقته مع القارئ يقول زياد محافظة: «غالبا ما يتعرّض القارئ العادي للظلم ظنّا من الكاتب والناقد في آن معا أنه سطحي وكرتوني، وإن أيّ نص عميق يمكن أن يخلخل هذا القارئ أو يطيح به، هذه الفكرة ليست دقيقة، هنالك قطاع واسع من القراء النوعيين الذين يستطيعون تفكيك النصوص بمهارة والولوج بيسر إلى الرواية المخبأة بين السطور، وهؤلاء ذواقون وتهمهم لغة العمل بقدر ما تهمهم الحبكة والبناء. فاللغة هي ركن أساسي في أي عمل أدبي، وهي التي تنقل النص من عادي إلى ممتع، اللغة قادرة على تجسيد لحظة الدهشة وانتزاعها من القارئ، لذلك من الطبيعي أن يكون الأدباء والكتّاب أولى الناس بالاعتناء باللغة وتدليلها، وما يتردد أحيانا حول ثانوية اللغة في النص السردي، والاستعاضة عنها بالحبكة ومتانة الشخصيات وتماسك العمل، هو كلام يفتقد الدقة، فإن لم يسع الكتّاب والروائيون إلى تقديم لغة ممتعة وجذابة للقارئ، فهل نتوقع ذلك من اقتصاديين أو سياسيين أو رجال أعمال؟».

ذلك الوهم الفاصل بين عالَمين أحدهما شخصي والآخر روائي غير موجود في الواقع كما يرى زياد محافظة فالشخصية الحقيقية والشخصية الروائية متطابقتان أو لنقل كل منهما نسخة مزوّرة عن الآخر، فقلما تجد شخصية روائية استمدّت هويتها بالكامل من عالم متخيل، فكل شخصية حتى لو بدا أنها قادمة من عالم متخيل، ستجد لها ارتباطا حقيقيا وعمليّا في جذور الواقع، لذلك لا يظن محافظة أن الكاتب في منطقتنا العربية سيجد مشقة في التفتيش عن موضوعات شائكة وشخصيات مربكة لأعماله، فواقعنا الاجتماعي والسياسي والإنساني يعجّ بالكثير من القضايا، وما علينا سوى الإنصات قليلا أو الاحتكاك بالآخرين. ومنحهم فرصة للحديث وتنفيس الاحتقان الذي يحاصرهم، لنجد أنفسنا حينها أمام تفاصيل مثيرة تتشكل من اليومي والعادي لحياة هؤلاء.

محافظة يحاكم الواقع السياسي والأمني من خلال أعماله

في الأدب الذي يقدّمه زياد محافظة دائما هناك حضور للسياسة، مما يجعل القارئ يتساءل إن كان يحاول أن يحاكم الواقع السياسي والأمني من خلال أعماله، أو أنه يسعى إلى خطّ منهج جديد في الرواية السياسية؟ يقول الروائي: «ثمة مفارقة عجيبة نعيشها في عالمنا العربي، وهي أننا أكثر شعوب العالم التصاقا بالسياسة، وأقلها ممارسة لها، وفي الوقت الذي نؤمن فيه بأن الرواية هي تاريخ الشعوب وذاكرتها الحية، فمن الطبيعي إذن أن تواكب الرواية الحديثة هذه الأجواء المضطربة والمشحونة التي تعصف بمجتمعاتنا العربية، وأن تحفر عميقا في الموضوعات الشائكة التي صارت جزءا أساسيا من يومنا وحاضرنا ومستقبلنا».


النقد والأدب


يرفض زياد محافظة المقولة السائدة عند كثير من الجمهور أن الناقد مبدِع فاشل، بل يذهب إلى العكس تماما، فالناقد الحقيقي عنده هو مبدع فوق العادة، لأنه يتناول النص بطريقة مغايرة لتلك التي يتناوله بها القارئ العادي، وباستطاعته في كثير من الأحيان المضي بالنص إلى مسافات أبعد من تلك التي عناها المؤلف نفسه، ليس المطلوب من الناقد أن يصفق، المطلوب منه أن يؤسس لذائقة جمالية وإبداعية حقيقية في المجتمع.

يضيف محافظة: «الناقد الحقيقي هو من يملك بوصلة التوجيه والغربلة، وهو من يؤشر للعمل الجيد وينتشله من بين فورة الإصدارات التي تحاصرنا من كل اتجاه، وما لم يستعد النقاد دورهم الحقيقي في التفتيش بصدق عن النصوص الإبداعية وصقلها وتقديمها للقراء، ستظل العلاقة بين الأطراف المشاركة في العملية الإبداعية مشوّهة ورهينة العلاقات الشخصية، وستظل الانتقائية سيدة المشهد النقدي برمته، هنالك عدد من النقاد اقتصر اهتمامهم على فئة محددة من الكتاب لأسباب إقليمية، إلى درجة أن صاروا معها أقرب إلى الناطقين بأسمائهم، هنالك من يقيسون الأمور بطريقة نفعية، هنالك من يكرسون المكرَّس ويتعاملون مع كثير من النصوص بشيء من الاستعلائية. لذا أتمنى أن يتأمل النقاد النصوص بتجرّد، وألا يقتصر دور معظمهم على انتظار ما يهدى إليهم من أعمال ليكتبوا عنها».

15