زيارات الشاهد محاولة لـ"التموقع الشعبي"

الاثنين 2017/12/04

زيارات رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد الميدانية لأماكن توسم بالشعبية، عادت بنا إلى حقب طويلة من طرق الحكم في تونس. فقد تعوّدنا ومنذ أمد بعيد على تقييم العلاقة بين المركزي والمحلي على أنها علاقات تطغى عليها واجهات من الأوامر غير دقيقة وهادفة في أغلبها من ناحية، وبين تقارير دورية تغلب عليها الأرقام المضخمة والتي تبرز “الرخاء” و”حسن التسيير”، من ناحية ثانية، فهذه التقارير ترسل من السلطات المحلية إلى المجالس المحلية ومنها إلى الوزارات في العاصمة ومنها أيضا إلى الوزارة الأولى في القصبة. ويبقى الكل يُموّه على الكلّ بل يستغبيه أحيانا. والدنيا بخير والشعب يمتنّ للحاكم الذي وفر له “رعد العيش” (تنكيلا بالغين نزعنا نقطتها).

رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد يتعلم الدروس من تجربته بما فيها من إيجابي يحسب له وما فيها من سلبي يحسب عليه، فخلال إقامته بالقصبة لفترة طالت نسبيا مرّ خلالها بهزات في الاتجاهين الإيجابي والسلبي؛ احتجاجات اجتماعية وكوارث طبيعية وتدحرج في المؤشرات الاقتصادية والمالية، كما شهد رئيس الحكومة دعما جماهيريا شعبيا رافق إعلانه عن مكافحة الفساد وتفعيل الحملة، فقد استمدّ من المحيط السياسي والإعلامي تحديدا آليات تعتمد “المفاجأة” و”لفت الأنظار” و”إعادة رسم الصورة السياسية” وكلها أساليب تقترب من “الشو (العرض الفرجوي) الإعلامي” ولكن لها انعكاساتها، فهي على الأقل تعيد وضع صورة الشاهد في الإطار السياسي العام وتدفع إلى ما يمكن أن أسميه بـ”التدافع السياسي والحزبي” و”إثارة الجدل” في عملية تقويمية وتقييمية، من الأكيد أن الشاهد نفسه يستمدّ منها نفسا جديدا لمواصلة طموحه السياسي.

كل المؤشرات في المشهد السياسي الراهن وفي ظل التجاذبات السياسية والتحالفات الجديدة والمستجدة بين النداء والنهضة والاتحاد الوطني الحر من جهة والجبهة السياسية والبرلمانية والتي تأسست أساسا من منشقي النداء وتوابع الليبراليين والباحثين عن موطئ جديد في المشهد السياسي قبل الاستحقاقات الانتخابية البلدية والرئاسية القادمة، إضافة إلى التكتل اليساري التقليدي، تشير إلى البعض من التململ من حكومة الشاهد التي فشلت -حسب الكثيرين- على الأقل في الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية رغم ما بذلته من جهود.

من الدروس التي استوعبها الشاهد أن الفجوة العميقة بين المركزي والمحلي والتي اتسعت بفعل التراكم يجب أن تُجسر ولو بطريقة مرحلية تدريجية، ومن أجل ذلك كثف زياراته المفاجئة إلى البعض من الأماكن الشعبية؛ منها زيارة في منتصف نوفمبر الماضي قام بها رئيس الحكومة إلى سوق الجملة ببئر القصعة وكانت الزيارة تفقدية هدفها الحدّ من الاحتكار والمحافظة على القدرة الشرائية مع مراقبة مسالك التوزيع.

أما الزيارة الثانية فكانت بتاريخ الـ29 من نوفمبر الماضي إلى سوق الجملة بالقيروان وكان محورها أيضا الحدّ من الاحتكار وارتفاع الأسعار. هذا طبعا إضافة إلى أنشطته الحكومية الأخرى كاستقبال رئيس مفوضية المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا مارسيل آلان ديسوزا وذلك للبحث عن فتح أسواق جديدة في أفريقيا. وكذلك الإشراف على مجالس وزارية تتعلق بالتنمية وغيرها.

الشاهد يبحث عن “التحام” تلقائي بالشرائح الاجتماعية التي تعاني فعلا من صعوبات لتوفير الحدّ الأدنى من متطلبات العيش فسّره البعض بـ”الشعبوية”. ولكن الشاهد فهم وتطبّع سياسيا بأن سياسة الكراسي الدوّارة وتعليمات المكاتب والتقارير الدورية الوافدة على قصر الحكومة بالقصبة ليست معيارا حقيقيا لتقييم الوضع تقييما سليما.

تجارب الحكم الناجحة هي التي يلتحم فيها الحاكم بالمحكوم، يوسف الشاهد هل فهم حقا هذه المعادلة، أم أنه يناور كما يفعل الساسة للمحافظة على مواقعهم؟ هل أحس الشاهد بتقلبات المشهد السياسي وراح يبحث عن آليات تحصين آنية ومتوسطة وطويلة المدى؟ إنه يضرب العصفورين بنفس الحجر؛ الاستمرار على رأس الحكومة وإقناع مسانديه وشركائه وحتى معارضيه بأنه الرجل المناسب في المكان المناسب في هذا الظرف العصيب.

يبدو أن الشاهد أيضا يراكم تجربته السياسية أو بالأحرى يريد لنفسه أن يكون من الأرقام المفاتيح في السياسة مستقبلا. شاب طموح يتعلم من الفشل كما يتعلم من النجاح.

قفة التونسي تؤرق كل السياسيين والمواطنين العاديين والمثقفين وغيرهم. القدرة الشرائية تدنت ووصلت إلى الحضيض. الأسعار تسابق الصواريخ الباليستية في سرعتها. الركود الاقتصادي -رغم الأمل الذي يريد الشاهد وحكومته أن يقنعا به المشهد السياسي- يخيف. استثمارات أجنبية تكاد تكون غير موجودة. صراعات وتجاذبات وأرقام لا معنى لها. تداين أجنبي يتضخم.

إنه وضع يتطلب جرأة، ومحاولات الشاهد تندرج في هذا الإطار، فإذا ما عرف فعلا كيف يلتحم بالشرائح الاجتماعية ويتفهم احتياجاتها الحقيقية والأهم من كل ذلك أن يبتكر الحلول في إطار مشروع مدروس دون استعراضات لا معنى لها. فالشاهد ربما يكون مشروعا سياسيا كفئا إذا ما استثمر فصول نجاحه وفشله معا.

كاتب تونسي

4