زيارة أوباما للسعودية وتأكيد الانسحاب الأميركي

الاثنين 2014/03/31

ليس من جديد في السياسة الأميركية دوليا، ليكون هناك جديد في زيارة باراك أوباما للمملكة السعودية؛ فالاتفاق النووي مستمر، والإحجام عن التدخّل في سوريا مستمر، والفشل الكامل إزاء أوكرانيا المغزوة روسيا أكثر من واضح، وإغماض العين عن إيران وميليشياتها في العراق ولبنان على حاله، وبالتالي هناك غضب سعودي سيتصاعد وتوضيح أميركي سيُحدّد بدقة.

في الوقت الذي تعي فيه السعودية حجم الانسحاب الأميركي دوليا لاسيما بعد الانسحاب من العراق وتنسيق ذلك بما يخص أفغانستان، فإنها تستحث الأميركان على ضرورة الوعي بفشل سياساتهم في المنطقة بالتحديد؛ فهم عمموا ضرورة أن يستلم الإسلام السياسي الحكم كجدار ضد الجهادية وفشلوا في ذلك، حيث فشل مرسي وها هو أردوغان يتأرجح، ولولا التدخل السعودي في مصر بالتحديد لتعمقت معاناة السياسة الأميركية.

السعودية رفضت أكثر من منصب دولي كاعتراض على الضعف الأميركي دوليا، وعلى تجاهلها كشريك إقليمي رئيسي، حيث لم تستشر في النووي الإيراني في الوقت الذي شهدت سلطنة عمان محادثات أميركية إيرانية، وبالمثل لم تفعل أميركا شيئا إزاء تدخلات إيران في كل من العراق واليمن ولبنان والبحرين بل وفي السعودية ذاتها؛ القصد أن أميركا تغمض عينيها كليا عن السياسة الإيرانية، وموقفها من النظام في سوريا أكثر من رديء.

حث السعودية لأميركا، يتأتى داخليا من خلال الإجراءات التي أصدرتها المملكة ضد التيارات الجهادية والجماعات الإرهابية داخل السعودية وخارجها، وهذه الخطوة تعتبر جزئية للسياسة الداخلية، ويأتي تعيين الأمير مقرن في منصب ولي ولي العهد، واستبعاد الأمير بندر (قبل ذلك) ضمن هذا السياق؛ إذن السعودية بدأت في تنفيذ سياسات معينة من أجل علاقات مستقبلية على أميركا فهمها.

أميركا أوباما، هي أميركا الدولة ككل، وليس من أميركا أخرى كما يتوهم بعض الليبراليين العرب ويستحثون أوباما على دور شبيه بجورج بوش. أميركا أوباما، هي الدولة الواقعة في أزمات اقتصادية ومالية كبيرة، والحرب التي شنت على أكثر من دولة لم تساعدها في حل الأزمات تلك؛ والأمر ذاته في ما يخص أوروبا، والتعاطي الهامشي مع أوكرانيا أكثر من واضح، وبالتالي فإن أميركا تعترف بالوقائع الجديدة للعالم، أي أن روسيا دولة امبريالية ولها حقوق الهيمنة، وإيران دولة في المحيط العربي ولها حقوق كذلك، وموضوع الإسلام السياسي هو أداة من أجل منع الجهادية وتخفيف التوترات المحلية وتشويه الثورات الشعبية، وفشل الإخوان في مصر وتركيا لن يعدل في السياسة الأميركية إزاء التعاون معهم، وعلى السعودية أن تضع ذلك في الاعتبار.

ربما هذه رؤية أميركا للمنطقة، وربما هو السبب في عدم إصدار برنامج مسبق للزيارة باستثناء توطيد العلاقات، وعدم لقاء القادة الخليجيين لتقديم رسالة للسعودية مفادها أنها هي قائدة الاتحاد الخليجي، عدا عن أنها إحدى الدول الرئيسية في المنطقة كذلك.

إذن ستبقى السعودية في المنطقة وحيدة في الصراع الإقليمي؛ وأميركا وقطر لن تغيرا سياستهما بشكل كبير نحوها، وهنا علينا أن نقر أن الإدارة الأميركية تفتقد السياسة الفاعلة في المنطقة؛ فرغم حدوث الثورات العربية، لا تزال أميركا غير متفاعلة مع الأنظمة الجديدة، بل ربما تدفعها إلى الفشل كذلك، فلا مساعدات لها ولا سياسة صارمة إزاء الجماعات التكفيرية، وبالتالي بدا وكأنّ أميركا تدفع المنطقة نحو المزيد من الفوضى والضعف السياسي، حيث تشتعل الصدامات الإقليمية والداخلية على أساس الدين والعرق، وتتكاثر الجماعات الجهادية هنا وهناك من سوريا إلى سيناء إلى مالي وهكذا. هل من جديد في السياسة الأميركية؟

طبعا لا. وبالتالي ستتفاقم الأزمات في المنطقة، وسيكون مصير المنطقة متراوحا بين الثورات والفوضى، وربما يزداد النظام المصري صرامة ويجنح النظام التونسي نحو سلوك مشابه، وفي سوريا ستتفاقم الأوضاع أكثر فأكثر؛ فحلف النظام لم يتوقف عن دعمه ومحدودية الدعم للمعارضة ستبقى كذلك، وسيتزايد حجم القوى الجهادية في سوريا، وفي معركة الساحل الحالية غاب علم الثورة وتقدمت فيها السلفية الجهادية بشكل واضح.

وبالتالي سوريا متروكة للتدمير الذاتي وللتدخل الإقليمي والعالمي. والمنطقة برمتها، متروكة لنزعات محلية متكاثرة، والقوى الاقتصادية في المنطقة، وأقصد الطبقات الرأسمالية لا تمتلك مشروعا بديلا، ولا تفكر بأكثر من تنظيم أرباحها وتعميم الفساد لتسهيل مهمة نهبها أكثر فأكثر، وتتطلع إلى السلطة والحكم؛ أما قضايا التطور الاقتصادي فغائبة بالكامل؛ وبالتالي ستتزايد الأزمات العامة، ولن تحرز الثورات انتصارات كبيرة في مجال الديمقراطية ولا النهوض الاقتصادي ولا العدالة الاجتماعية.

أميركا خارج حسابات الحرب، وأوروبا ملحقة بها، وأنظمة المنطقة ليست في وارد أن تعي حجم الأزمات الداخلية، وإحداث تغييرات كبرى، فهذا يتطلب طبقة حاكمة مختلفة على غرار طبقات أوروبا حينما نهضت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وطبعا لا تزال الثورات غير قادرة على طرح رؤية وبرامج وسياسات لنظام جديد كليا. وبالتالي سيوضح أوباما للعاهل السعودي، أنه عليكم أن تعترفوا بالوقائع الحالية إقليميا ودوليا وتتخلصوا من أفكار مفادها أن هناك أميركا أخرى، أو أن النظام السوري سيسقط بمساعدة أميركية، أو أن يتم تحجيم إيران.

كاتب سوري

9