زيارة الأولياء الصالحين سياحة تُغري البسطاء

مصريون وأجانب في رحلات دائمة عبر المُدن المصرية تيمنا بأصحاب المعجزات، واحتفالات الأقباط في بعض الكنائس تجذب الآلاف من المسيحيين والمسلمين.
الأحد 2019/07/21
سياحة الروح

كما يتمدد السياح على الشواطئ أو يسبحون في البحر، يزور آخرون الأولياء الصالحين لأيام ليعودوا بعدها بمعنويات وكأنهم كانوا في إجازة صيفية.

القاهرة - تظل زيارة الأضرحة وقبور أولياء الله الصالحين سياحة دائمة في مصر، لا تتأثر بارتفاع تكلفة التنقل أو اشتداد حرارة الطقس أو تصاعد مخاطر الإرهاب. هي سياحة الجميع. أغنياء وفقراء، متعلمون وبسطاء، شيوخ وشباب، منتعشة دوما ومُغرية للكثيرين للقيام برحلات السفر الداخلي عبر محافظات مصر.

قبل أيام أعلنت وزارة الأوقاف المصرية وضع خطة لاستقبال زوّار عرب وأجانب يفدون لزيارة العارف بالله أبي العباس المرسي بمدينة الإسكندرية للاحتفال بمولده. وتضمّنت الخطة أمسيات يومية تقام على مدار شهر يوليو في المسجد والمساجد الملحقة به، مثل مسجد البوصيري، ومسجد ياقوت العرش يتم خلالها تلاوة القرآن وغناء التراتيل والأناشيد الدينية، وبردة البوصيري.

ما جرى مع مولد الإمام أبي العباس المرسي يجرى بشكل دوري كل عام مع موالد باقي أولياء الله الصالحين المعروفين في مختلف أنحاء البلاد، مثل السيد البدوي في مدينة طنطا، شمال القاهرة، والإمام الحسين، والسيدة نفيسة، والسيدة زينب بوسط القاهرة، وأبي الحجاج في الأقصر، وغيرهم من الأولياء المحبوبين من قبل الناس.

تمتد السياحة الدينية لتشمل عديد الكنائس القبطية في القاهرة والمنيا وأسيوط وسيناء، علاوة على الأديرة التاريخية التي تنتشر في أماكن مختلفة. وبعد إدخال تطوير كبير عليها أصبحت مزارا سياحيا لأفواج كبيرة من السياح الأجانب، وبعد التحديث التي أدخل على مسار العائلة المقدسة، زاد الجذب السياحي للكنائس المصرية.

كما أن احتفالات الأقباط في بعض الكنائس تجذب إليها الآلاف من الزائرين، وتضم مسيحيين ومسلمين، وهي ظاهرة تكاد تكون فريدة في مصر، إنها سياحة من نوع خاص.

مواسم للسفر الداخلي

لتكريم أولياء صالحين يحبونهم ويجلونهم
لتكريم أولياء صالحين يحبونهم ويجلونهم

يرى البعض أن موالد أولياء الله الصالحين مواسم سياحة متكررة، خاصة على المستوى الداخلي، ويفد مئات الآلاف وربما الملايين من المصريين صيفا وشتاء من كافة المحافظات للمشاركة فيها، اعتقادا أنها فرصة لتكريم أولياء صالحين يحبونهم ويجلونهم، فضلا عن الدعاء خلالها لتحقيق تمنياتهم وأحلامهم.

المثير في الأمر أنه لا يوجد مولد واحد لكل ولي من الأولياء، ولكن هناك عدة تواريخ يقام فيها احتفالات على مدار العام، وهو ما برره أحمد الجعفري، موظف مقيم بالقاهرة، وأحد مريدي الطرق الصوفية لـ”العرب”، بأن هناك تاريخا للمولد محدد هجريا، وآخر ميلاديا، وهناك احتفال بيوم القدوم على مصر بالنسبة للأولياء المهاجرين من بلاد أخرى، ويعتبره البعض مناسبة جديرة بالاحتفال.

هناك أيضا من يحتفل بموعد آخر للمولد يمثل موعد ميلاد الولاية والتي لا يوجد لها تفسير علمي سوى الحكايات الشعبية.

ويجد أصحاب مكاتب وشركات السياحة في الموالد فرصة سانحة للتشغيل المثالي خلال أوقات قد تعاني فيها السياحة من كساد وركود نسبي.

كشف ناصر أبوالخير، صاحب شركة سياحة بالقاهرة، لـ”العرب” أنه ينظم رحلات منتظمة خلال موالد مشاهير الأولياء لبعض الأسر الريفية لزيارة أضرحة هؤلاء الأولياء، اعتقادا منهم أن الدعاء أكثر استجابة لديهم وخلال أوقات مولدهم.

السياح يقضون مدة تتراوح بين ثلاثة أيام وأسبوع، يمكث البعض في المساجد يتلون القرآن وينشدون، آخرون يجلسون في غرف الأضرحة يذكرون الله ويدعونه
 

وقال إنه يشارك بانتظام في تسيير رحلات لنقل الكثير من الرجال والنساء إلى مولد أبي العباس المرسي الذي يقام كل عام خلال شهر يوليو، وكثيرا ما نقلت سياراته مجموعات من الزوّار قادمة من مُدن الوجه القبلي بجنوب مصر، لزيارة أضرحة في القاهرة والإسكندرية والدلتا.

يتنوّع زوار الأولياء والمشاركون في موالدهم بين نساء ورجال وأطفال من مختلف الفئات العمرية.

وينقسم الزوار إلى قسمين: الأول يمثّل العوام من البسطاء الذين يعتقدون أن أضرحة الأولياء أماكن مستجابة الدعاء، والثاني يمثّل مجموعات من المتصوفين المؤمنين بأن الأولياء أحياء في قبورهم ويزورونهم اتباعا لطريقتهم بعد أن رأوهم في المنام ودلوهم على طريق الهدى. وأوضح ناصر أبوالخير، “أن السياح يقضون مدة تتراوح بين ثلاثة أيام وأسبوع، يشاركون فيها في فعاليات الاحتفال ويمكث البعض في المساجد يتلون القرآن وينشدون، بينما يفضّل آخرون الجلوس في غرف الأضرحة يذكرون الله ويدعونه”.

وتتعاقد المكاتب السياحية التي تنظم الرحلات مع فنادق صغيرة وشقق مفروشة لتسكين زوّار الموالد والأضرحة، بينما يحصل بعض التجار على تراخيص حكومية للسماح ببيع مأكولات أو مشروبات أمام المساجد خلال تلك الفترة، وهناك آخرون يقومون ببيع مسابح وسلاسل وعطور وبخور وحناء وخواتم فضية ومعدنية وإكسسوارات للزينة. بخلاف هؤلاء هناك الكثير من منظمي الألعاب الترفيهية الأخرى مثل الرماية، دفع ورفع الأثقال، دق الوشم، وغيرها من الألعاب التي تستهوي الناس.

انتعاش سياحي

تزاحم في الموالد
الموالد تساهم في انتعاش الاقتصاد

تنتعش الأماكن المحيطة بمساجد الأولياء سياحيّا ومن ثم تجاريّا بشكل ملحوظ ينعكس إيجابيا على أسعار تأجير السكن والمحلات التجارية بتلك المناطق.

وأكد أنور حسين، صاحب محل ملابس مجاور لمسجد السيدة زينب بالقاهرة، لـ”العرب”، أن “حركة البيع والشراء في المنطقة المحيطة بمسجد السيدة زينب لا تنقطع، لذا فإن متوسط إيجار بعض المحلات المتخصصة في بيع الملابس يصل إلى 50 ألف جنيه شهريا، أي ما يعادل ثلاثة آلاف دولار”.

لا تقتصر سياحة الأولياء على فترات الموالد، إذ توجد حركة دائمة واهتمام كبير لدى البسطاء وأصحاب الحاجات بالسفر إلى أماكن الأضرحة في كافة الأوقات بسبب حاجات ماسة يعتقد البعض قضائها بالتوسل بالأولياء، مثل مرض أحد الأقارب أو الأهل، أو طلب الهداية لشخص آثم، أو تفريج مشكلة عويصة، أو سداد دين، أو تسريع الإنجاب للمتزوجين حديثا.

أشار محمد غانم السيد، مُدرس رياضيات بمدينة المنشاة، بمحافظة سوهاج، جنوب القاهرة

 لـ”العرب” إلى أن هناك شعورا لدى زوّار الأولياء بطهر المكان ونقائه يدفعهم للسفر لزيارة ضريح ولي بعينه، وهناك كثيرون يعتبرون الزيارة نوعا من التبجيل اللازم للصالحين الذين أفنوا أعمارهم في هداية الناس وإرشادهم إلى الخير. وأضاف أن أهل الريف بشكل خاص مولعون بزيارة مساجد الأولياء، وعندما يزورون القاهرة يجب أن يزوروا الأهرامات، لكنهم يزورون كذلك مساجد الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، باعتبارها أماكن مبروكة.

ولا يكترث المصريون بشكل عام لمقولات السلفيين المتكررة التي تعتبر زيارة أضرحة الأولياء شركا بالله، ويقتنع معظمهم بفتوى دار الإفتاء المصرية والصادرة قبل أعوام بأنه، لا مانع شرعًا من قصد رياض الصالحين لزيارتهم.

وتساهم أساطير وحكايات متداولة بين العامة بشأن بعض الأولياء في الترويج الدائم لزيارة مساجدهم تعبيرا عن الإجلال والمحبة. وتتوارث الأجيال حكايات تتناول خوارق ومعجزات قد تصطدم مع العقل، ما يولد نوعا من الفضول بين المتعلمين والمثقفين للتعرف على أصحابها عن قرب.

زوار أجانب

ترميم مساجد الأولياء مهمة للسياحة الداخلية والخارجية
ترميم مساجد الأولياء مهمة للسياحة الداخلية والخارجية

تتجاوز سياحة الأولياء المصريين، وهناك زيارات يقوم بها سياح أجانب من بعض الدول الإسلامية عند قدومهم إلى مصر، خاصة من المغرب والسودان ونيجيريا وإندونيسيا وماليزيا.

ويهتم الكثير من الباحثين والمهتمين بالدراسات الأجنبية من الأوروبيين بمساجد أولياء الله، باعتبارها تمثّل جانبا من جوانب التصوف التي تستحق الاهتمام والدراسة.

قال نبيل فريد، مهندس معماري يعيش بمدينة الإسكندرية، إن زوار مجمع مساجد أبي العباس المرسي، يتنوعون بين أتباع الطريقة الشاذلية، والباحثين في مجال التصوف، والمهتمين بفنون العمارة الإسلامية.

تدرك الحكومة أهمية مساجد الأولياء كمزارات مهمة للسياحة الداخلية والخارجية على السواء فتعتني بترميمها ومتابعتها، وبحث شكاوى روّادها ومخاوفهم. فضلا عن تنظيم الاحتفالات الشعبية بموالد أصحابها، لذا لم يكن غريبا أن تكون قضية ترميم بعض المساجد أحد الاهتمامات الملحة لأعضاء البرلمان تنشيطا للسياحة.

حكى أحمد الطاهر، أحد رواد مسجد أبي الحجاج بمدينة الأقصر، لـ”العرب”، أن لجنة من البرلمان زارت المسجد قبل بضعة أشهر استجابة لشكاوى قدّمها بعض أهالي الأقصر، وقرّرت تنفيذ أكبر عملية ترميم للمسجد، المبني بالقرب من معبد فرعوني يعود إلى 1400 عام قبل الميلاد.

وأوضح أن المسجد يستقبل يوميا الآلاف من الزوار من مختلف الفئات، ما يجعله محل اهتمام الجهات الحكومية والشعبية.

16