زيارة البابا تبعث برسائل طمأنة لمسيحيي العراق دون أن تبدد مخاوفهم

مطالبة بخطوات عملية تحصن الوجود المسيحي.
الأحد 2021/03/14
وجود يتلاشى في العراق

على الرغم من مرور أسبوع على زيارة الحبر الأعظم إلى العراق، إلا أن صدى تلك الزيارة ودعوات البابا فرانسيس لا تزال تتردد في نفوس المسيحيين الذين حملت كلمات الحبر الأعظم رسائل طمأنة إليهم لكن دون أن تبدد مخاوفهم ولا تطلعاتهم في ظل الواقع الحالي، ما يتطلب وفقا لهؤلاء “ممارسات عملية” لتحصين وجودهم.

بغداد - لا يزال صدى زيارة البابا فرانسيس كأول حبر أعظم إلى العراق يتردد في نفوس مسيحييه، غير أن ذلك لن يغير الكثير في واقع هؤلاء بعد سنوات من “الظلم” الذي تعرضوا له، إذ يستعد الكثيرون إلى مغادرة العراق.

وتصرّ وجدان نوري على أنه لا ينبغي “نسيان مشاعر الفرح” التي رافقت زيارة البابا فرنسيس إلى بغداد، بالرغم من أن السيّدة المسيحية تستعد للانضمام إلى بناتها في الولايات المتحدة.

وفي كاتدرائية مار يوسف للكلدان، حيث تخدم وجدان منذ عقود، لا تزال صور البابا معلّقة على الجدران، كما على مفترق الطريق المؤدي إليها المعبّد حديثا، حيث أدّى البابا أوّل قداس له في العراق قبل أسبوع فقط.

ولم تبارح الزينة والورود المكان أيضا ولا السجادات المخملية الحمراء، التي تذكّر بحدث سعيد في بلد يعاني منذ نحو 40 عاما من حروب وأزمات اقتصادية ومواجهات طائفية.

وترى وجدان، التي عاصرت في الخمسينات من عمرها كل تلك المراحل، أنه “لا بد من استخلاص العبر من سنوات الآلام والاضطهاد والظلم” تلك.

خلال 20 عاما، تراجعت نسبة المسيحيين في العراق من 6 إلى 1 في المئة، ولا يمكن وقف الأمر إلا بممارسات عملية

وكان لنداءات البابا بالتصدي “لآفة الفساد” وضرورة “ضمان مشاركة جميع الفئات السياسية والاجتماعية والدينية” وأنه “يجب ألا يعتبر أحد مواطنا من الدرجة الثانية”، صدى كبيرا في نفس وجدان كما هو الحال بالنسبة لنحو 400 ألف مسيحي في العراق.

وعبّر البابا بكلماته تلك عن هموم المسيحيين، الذين كانوا يخشون قبل تلك الزيارة أن يعبّروا عنها بأنفسهم عبر الإعلام. لكن اليوم، بات لديهم الكثير ليقولوه.

وخلال 20 عاما، تراجعت نسبة المسيحيين في البلاد من 6 إلى 1 في المئة فقط من السكان، ولا يمكن وقف هذا التناقص إلا بممارسات عملية على الأرض، كما يرى الأب نظير دكو راعي الكاتدرائية.

وفي لقاء البابا في النجف، أكّد المرجع الشيعي آية الله العظمى علي السيستاني على “اهتمامه بأن يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية”، فيما أعلن إثر اللقاء رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي السادس من مارس يوما للتعايش.

ويرى الكثير من المسيحيين في العراق أن زوال مخاوفهم رهين خطوات عملية، حيث يشدد الأب نظير على أنه رغم “دعوة رئيس الوزراء بأن يكون هناك يوم للتعايش والسلام كل سنة هي خطوة كبيرة جدا”، إلا أن “الأمر لا يتعلق فقط بإعلان أيام أو قوانين”.

ويضيف أن التحدي هو تحويل “النظريات من حبر مكتوب على ورق إلى واقع معاش”، لكن “لا نلاحظ جديا” وجود ممارسات عملية لإحداث تغيير.

وتقترب ابنة وجدان الصغرى الآن من الذهاب إلى الجامعة، وتعهدت المرأة التي تمسكت طويلا بالبقاء في بلدها بألّا تكون “حجر عثرة” أمام مستقبلها، على حد قولها.

ولذلك سوف ترافقها إلى الولايات المتحدة حيث تعيش ابنتاها الأكبر، بعيدا عن بلد حيث تطبق المحاصصة والزبائنية في مفاصل عديدة في الحياة، “فهنا فرص القبول بالدراسات العليا محدودة ومخصصة لفئة معينة. المجال ليس مفتوحا أمام الذكي والموهوب، فقط لجماعات معينة”.

Thumbnail

وشاهدت سارة بدورها، وهي واحدة من قلّة قدموا لحضور القداس اليومي في الكاتدرائية، أقرباءها وأصدقاءها يغادرون البلاد على مرّ السنين، لكنهم “لا يفكرون إطلاقا بالعودة”.

وبموازاة ذلك، يخشى الناشط وليم وردة، مؤسس منظمة حمورابي لحقوق الإنسان التي تتابع شؤون الأقليات في العراق، ألا تلقى دعوات البابا إلى “احترام حرية الضمير والحرية الدينية” آذانا صاغية في بلد ينص دستوره على أن “الإسلام دين الدولة الأساسي وهو مصدر أساس للتشريع”.

ويطالب وردة منذ سنوات بتغيير قانون “البطاقة الوطني” الذي يفرض تغييرا تلقائيا لديانة الأطفال إذا أسلم أحد والديهما.

بالنسبة للأب دكو، “يظلم” هذا القانون كثيرين “فهناك أشخاص لا يريدون أن يغيروا دينهم وهذا لا يكفله الدستور. هناك مسيحيون أسلموا رغما عنهم، بسبب أن أحد الآباء قرر أن يغير دينه”.

لكن تغيير القانون ليس هما أساسيا بالنسبة لسعدالله ميخائيل، فلم يتمكن هذا المسيحي حتى الآن من إعادة بناء منزله في الموصل في شمال العراق، بعدما غادره في العام 2014 مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المنطقة.

وكان ميخائيل من بين أول العائدين إثر دحر التنظيم قبل نحو ثلاث سنوات، لكنه اضطر لاستئجار منزل للسكن فيه، لأن بيت أجداده في المدينة القديمة في الموصل ليس سوى كتلة من الحطام الملغوم.

يقف الرجل البالغ من العمر 61 عاما متأملا ركام كنيسة الطاهرة القديمة، حيث دفن أجداده ويروي لفرانس برس أن بيوت أقربائه و”بيوت آخرين من السريان الكاثوليك والأرثوذكس والأرمن والكلدان، أكثر من ثلاثة آلاف منزل… لا تزال كلها محطمة… ولا أعتقد أنه سيتم إعادة إعمارها”.

ورغم أن العراق طوى صفحة الجهاديين منذ سنوات، إلا أن مقومات العودة لم تتحقق بعد. وفيما قدّمت حتى الآن طلبات تعويضات بقيمة نحو 50 ألف دولار تخص أضرار المنازل والمحال والعقارات، لكن لم تنل إلا بضعة آلاف من العائلات مساعدات من الدولة.

وحينما جال البابا في شمال العراق، كان غالبية المسيحيين الذين حضروا لملاقاته ممن استقروا منذ سنوات عدة في إقليم كردستان المجاور، بينما كرر المسؤولون المحليون دعواتهم إلى المسيحيين للعودة إلى بيوتهم في الموصل أمام الحبر الأعظم.

ولكن الدعوات لا تكفي بالنسبة لوليم وردة، حيث يشدد على أنه “لا يمكن أن نقول للناس عودوا إلى بيوتكم دون أن ندعم مقومات العودة من توفير الأمن والإعمار وبناء المدارس والبنى التحتية”.

----

 

3