زيارة البابا تواضروس إلى القدس.. تطبيع أم كسر للحصار

كشف الجدل الذي صاحب زيارة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية إلى القدس، التخبّط الذي مازالت تعيش فيه الأوساط العربية، بنخبتها السياسية والثقافية، وعموم مجتمعاتها، بشأن ما يعتبر تطبيعا مع إسرائيل؛ ففي الوقت الذي تعالت فيه أصوات منددة بهذه الزيارة، طالبت أصوات أخرى بتأييدها وتكثيف الزيارات المماثلة، فذلك ليس تطبيعا بل جزء من دعم القضية، لأن القطيعة مع القدس بحجة الخوف من التطبيع هي ما تستقوي به إسرائيل وما ترغب فيه وما يمنحها الفرصة لتحكم سيطرتها على أولى القبلتين.
الأحد 2015/11/29
البابا في القدس.. الضرورة تجيز كسر الأعراف

حالة من الصخب أصابت المجتمع العربي خلال الأيام الماضية، بشأن الزيارة التي قام بها تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية إلى القدس، والتي انتهت أمس السبت، بعد المشاركة في الصلاة على جثمان الأنبا إبراهام مطران الكنيسة المصرية للكرسي الأورشليمي “القدس” والشرق الأدنى.

المعارضون للزيارة اعتبروها كسرا لكافة الأعراف التي انتهجتها الكنيسة المصرية بعد نكسة 1967، بعدم زيارة الأراضي المقدسة المسيحية بالقدس إلى حين تحريرها، بل وصل الأمر أن وصفها البعض بأنها “شرخ في جدار المقاومة الشعبية للتطبيع مع إسرائيل”، وأطلق عليها انتكاسة.

في هذا السياق، حذّر مراقبون من المبالغة وتضخيم السلبيات، وتكرار استمرار الخطأ الذي قام به العرب مع العراق، حيث تركوه لقمة سائغة لإيران، حتى تمكنت من السيطرة على مفاتيحه، حيث اكتفوا بإدانة الغزو الأميركي وتخلوا عن مصالح شعوبهم ولم يحرّكوا ساكنا من أجل إيقاف السيطرة الإيرانية على العراق.

وأوضح مصطفى علوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لـ”العرب”، أن زيارة البابا إلى القدس إيجابية من الناحية السياسية وتدعم القضية الفلسطينية وتساعد على سد الفراغ الذي تستغله إسرائيل في السيطرة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، مثلما فعلت إيران وسيطرت على العراق بعدما انسحب الدور العربي منه تماما.

ونوّه علوي إلى أن الغياب العربي عن القدس أغرى إسرائيل بمحاولات السيطرة المطلقة على القدس وتهويدها والسيطرة على مقدساتها الدينية، وهو ما تجسد في محاولات المستوطنين المتطرفين والحاخامات، ومعهم قوات الاحتلال، اقتحام المسجد الأقصى أكثر من مرة، والاعتداء على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، بالتالي فإن زيارة البابا للقدس تصب في اتجاه وقف الزحف والعدوان الإسرائيليين على المقدسات.

وقال طارق فهمي، الخبير بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط لـ”العرب”، من الضروري النظر إلى الزيارة من المنظور ديني وليس السياسي، فقد تمت للصلاة على مطران وليس لإجراء مفاوضات أو اتصالات مع قيادات إسرائيلية.

ورغم ذلك لا يكفى القول إنه لا تمكن زيارة القدس إلا بعد تحريرها، خاصة أن مخطط تهويد القدس 2020 ينفذ بمعدلات عالية. وتستغل إسرائيل حالة الانشغال العربي الحالية بأزمات المنطقة العاصفة في سوريا والعراق وليبيا واليمن وتصاعد الإرهاب وتراجع الاهتمام العربي والدولي بالقضية الفلسطينية.

والحل كما تراه نادية أبو غازي، الخبيرة في الشؤون العربية، يكمن في توحيد الموقف المصري والعربي من قضية زيارة القدس، سواء من جانب المسيحيين العرب أو من جانب المسلمين العرب، بحيث يتعزز الدعم الحقيقي للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ومنع انفراد إسرائيل بالمقدسات الإسلامية والمسيحية وتهويد المدينة.

وقالت أبوغازي لـ”العرب” إن السماح بزيارة الأقباط المسيحيين فقط إلى القدس لن يساهم وحده في سد الفراغ، الذي توظفه إسرائيل لصالحها، كما فعلت إيران وانفردت بالعراق، لكن من المهم أن يكون هناك تواجد عربي مكثف، خاصة في المسجد الأقصى، الذي يتعرض لعدوان سافر وتهديدات حقيقية بهدمه.

الدعوات لزيارة فلسطين ليست تطبيعا بل هي تعريب ودفاع عن القدس ودعم للشعب الفلسطيني الذي أصبح غريبا في مدينته

نداءات كثيرة واستجابات محدودة

متابعون رصدوا نداءات متكررة في السنوات الأخيرة من جانب السلطة الفلسطينية لزيارة القدس، فقبل ما يقرب من أربعة أعوام، وفي المؤتمر الدولي للدفاع عن القدس الذي عقد في الدوحة 2012، دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس العالم العربي للتوجه إلى القدس والصلاة فيها، بهدف إخراج المقدسيين من عزلتهم التي فرضها عليهم الاحتلال وتعزيز صمودهم، بالإضافة إلى ترسيخ هوية المدينة المقدسة المهددة بالاستئصال، وتذكير المحتلين بأن القدس قضية كل عربي ومسلم ومسيحي.

وكرر أبو مازن الدعوة نفسها خلال المؤتمر الاقتصادي، الذي عقد في شرم الشيخ في مارس الماضي، وأعادها مرة أخرى عندما التقى تواضروس أثناء زيارته إلى القاهرة في نوفمبر الجاري. ولم تكن هذه الدعوات الأولى من نوعها، فقد سبق ووجَّه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عشرات الدعوات إلى البابا الراحل شنودة.

وفسّر مراقبون لـ”العرب” هذه الدعوات والزيارات بأنها ليست تطبيعا بل هي تعريب ودفاع عن القدس ودعم للشعب الفلسطيني، حيث تحولت مدينتهم إلى مدينة أشباح يملأها اليهود.

كما أن الزيارات جميعها لا تأتي بدعوة من الاحتلال، ليسمي ذلك تطبيعا، والتأشيرة الإسرائيلية التي يمسكها البعض على البابا لدخول القدس ضررها أقل من ترك القدس وحدها معزولة محاصرة مع أهلها، لأن إسرائيل لا تريد للمسلمين أو المسيحيين هذه الزيارات.

وأيد هذا الرأي محمد شوقي عبدالعال، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، حيث قال لـ”العرب”: لا يجوز الخلط بين التطبيع مع إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية، فهي كيان محتل للأراضي العربية والفلسطينية، ولا يجوز التعامل معها، لأنها وفقا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة دولة احتلال وتمثل المقاطعة معها ورقة مهمة للعرب والفلسطينيين للضغط عليها لإنهاء احتلالها.

وتأتي زيارة البابا في سياق الدعم المعنوي للشعب الفلسطيني، حيث أنها تساهم في كشف المخططات والعدوان الإسرائيلي على القدس ومقدساتها الإسلامية، التي تخضع للسيادة الأردنية. كما أنها تساهم في زيادة التواجد العربي داخل القدس، بما يشكل جدارا بشريا مانعا أمام مساعي المستوطنين والحاخامات لهدم المسجد الأقصى.

وصية البابا شنودة في عنقنا حتى لو كانت ضد السادات وليس إسرائيل

علاوة على أن المقدسات المسيحية، لم تسلم بدورها من العدوان الإسرائيلي، كما حدث مع كنيسة المهد في بيت لحم وغيرها من المقدسات، وبالتالي لا يجوز وصف الزيارة على أنها نوع من التطبيع، بل على العكس هي تصب في دعم القضية الفلسطينية، مثلها مثل الدعم المالي والسياسي والمعنوي.

وبالرغم من اتفاق أغلبية السياسيين على أن زيارة شخصيات مصرية وعربية (سياسية ودينية) للأراضي المحتلة دائما يصاحبها جدل ونقاش وأخذ ورد، بسبب ارتباط الجبهة الشعبية المصرية والنقابات بعدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل، إلا أن المؤيدين للبابا أرجعوا الزيارة إلى منطلق ديني بحت، هدفه أداء صلاة الجنازة على مطران القدس. وهو ما أوضحه تواضروس نفسه مبررا زيارته بـ”الواجب الإنساني”، وأن عدم حضوره كان سيعدّ نوعا من التقصير “غير المقبول”.

وكشف متخصصون في الشأن الإسرائيلي لـ”العرب” أن إسرائيل لا ترحب بمثل هذه الزيارات، حيث طالب أحد الحاخامات اليهود حكومته مؤخرا بمنع زيارة العرب، لأن هذا يحول دون تهويد القدس كاملة، ويمكن لحكومتها الاعتماد على فتاوى شيوخ العرب الداعية لمنع الزيارة، والتي تمثل أكبر دعم لمحاولات إسرائيل التهويد الكامل للمدينة.

وتتعمد إسرائيل أيضا تقليص عدد الحجاج إلى الأراضي الفلسطينية، فعدد الأقباط الذين زاروا القدس هذا العام أقل من نصف عدد العام الماضي، بسبب الإجراءات التي تزداد تشددا عاما بعد آخر على الحجاج الوافدين من الخارج، خصوصا المصريين.

خفايا سياسية

ما تكنّه إسرائيل حيال تلك الزيارات يفسر الجزء الخفي الذي قامت به وتسبّب في تسخين الأزمة الحالية بين البابا والمصريين، ففي الوقت الذي وصفت فيه غالبية الصحف العالمية زيارة تواضروس للقدس بأنها “حدث فريد لا يتكرر كثيرا”، إلا أن صحيفة “جيروزاليم بوست” وصفتها بأنها “مثيرة للجدل” تحت عنوان “زيارة القدس.. عاصفة في القاهرة”، في إشارة إلى التأثير المحتمل لهذه الزيارة على العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في مصر.

وساهمت إسرائيل في تأجيج الموقف منذ البداية، بالموقف الغريب من قبل السفير الإسرائيلي في القاهرة حاييم كورين، الذي حرص على السفر لقضاء إجازته الأسبوعية في إسرائيل، على متن الرحلة التي سافر عليها البابا تواضروس. وهو الموقف الذي أرجعته مصادر لـ”العرب” أنه محاولة لإحراج الكنيسة أمام المصريين.

وقال سامح فوزي، الكاتب السياسي والناشط القبطي لـ”العرب”، إن إسرائيل لم تبد موقفا رسميا محددا تجاه زيارة البابا للقدس، ومنح الجدل حول الزيارة على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام إسرائيل فرصة مهمة لتقييم التحولات الذهنية والنفسية للمصريين تجاهها، وربما استغلالها في إحداث الانقسام بين المسلمين والمسيحيين بمصر، بسبب الموقف من زيارة القدس.

وفسر نبيل عبدالفتاح، المستشار بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، موقف إسرائيل، بأنها تريد التطبيع مع المصريين والعرب لإثبات شرعيتها، لكنها لا ترحب بالزيارات الدينية لأنها تستغل المقاطعة الدينية الإسلامية والمسيحية للقدس لتنفيذ مخططاتها.

وأشار عبدالفتاح لـ”العرب” إلى أنه على الرغم من معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل والتطبيع في العلاقات الرسمية بين البلدين، فإن ذلك فشل بقوة شعبيا وثقافيا ودينيا، لأن المصريين يعتبرون إسرائيل دولة احتلال تمارس كل صور العدوان على الشعب الفلسطيني ومقدساته، وهو ما أوجد حاجزا نفسيا بين الجانبين.

بين التأييد والرفض أكّد مهتمون بالشأن القبطي لـ”العرب” أن القرار عزز محاولات البعض الخلط بين ما هو سياسي وما هو ديني، وأن كسر تواضروس لقاعدة وضعها البابا شنودة، يعنى أنه بدأ يضع حدا لسيطرة القرار السياسي على الحياة الروحية والدينية للأفراد.

البابا تواضروس كسر لقاعدة وضعها البابا شنودة، يعنى أنه بدأ يضع حدا لسيطرة القرار السياسي على الحياة الروحية والدينية للأفراد

وذهبوا إلى أن الزيارة تتسق مع مواكبة التطورات الأخيرة في موقف الكنيسة من زيارة الأقباط للقدس، فالملاحظ أن الكنيسة كمؤسسة لم تتخذ خطوات متعسفة تجاه الأقباط الذين سافروا إلى القدس خلال أبريل الماضي في عيد القيامة، ولم تصدر أحكام الحرمان التي كانت تطول كل قبطي يقوم بتلك الخطوة في عهد الراحل البابا شنودة الثالث، فقد سافر آلاف الأقباط واحتفلوا هناك بقيامة المسيح وعادوا في هدوء.

وصرح مصدر قبطي لـ”العرب” أن تقييم قرار البابا شنودة بحظر سفر الأقباط إلى القدس يحتاج إلى معالجة عميقة، وأنه لم يكن قرارا وطنيا بالمعنى الذي تمّ تصنيعه وترويجه، فالقرار كان في البداية وفى ظن متخذه ورقة ضغط على إسرائيل بشأن أزمة دير السلطان، ولم يكن موجها لإبراز موقف من التطبيع. ودلل المصدر على كلامه بأن توقيت صدور القرار كان 26/3/1980 بينما تم التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978.

وجرى توظيف القرار ليبدو كأنه ضد التطبيع، وأن يقرأ في ضوء تصاعد حدة المواجهة بين السادات والبابا شنودة، والذي ظهر على السطح في خطاب للسادات سنة 1980 وتلويحه بتراجعه عن قرار عاصف بحق الراحل البابا شنودة، ثم كلمة البابا التي حملت نبرة التحدي للرئيس السادات، لينتهي الأمر بعزل البابا نفسه واعتقاله.

وهناك مسؤولون مسلمون، مثل وزير الأوقاف المصري السابق حمدي زقزوق، دعموا زيارة المسجد الأقصى، كذلك مفتي مصر السابق علي جمعة، الذي زار المسجد الأقصى منذ عدة أشهر، وقامت ضده حملة ضارية.

صخب مجتمعي

لم يستبعد متخصصون في الشأن القبطي أن يظل البابا على موقفه الثابت والمعلن تجاه رفض الذهاب إلى القدس إلا بعد تحريرها، وكان عليه الالتزام بوثيقة وقفة حق “كايروس فلسطين” 2009، التي طالب فيها بعض رجال الدين المسيحيين في فلسطين دول العالم بالوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية.

وكان هذا النداء قوبل باستجابة واتخذت بعض كنائس العالم قرارات بسحب استثماراتها من إسرائيل ومقاطعة بضائعها، واعتبرها البعض بمثابة مسؤولية أخلاقية ملقاة على عاتق كل إنسان، وبالذات رجال الدين الذين ينتمي إليهم تواضروس.

وإذا كان عليه أن يكسر قرار المقاطعة، مهما كانت الدوافع، يجب أن يصدر بيانا تفصيليا يشرح أسباب اتخاذ قراره بالسفر إلى القدس، لكي لا يصبح الباب مفتوحا لرؤى أخرى قد تضر بعلاقة المواطنين المصريين (مسيحيين ومسلمين)، وغاب عن ذهنه، بسبب عدم وجود دوائر كنسية متخصصة في التعاطي مع الأمور المتصلة بالشأن العام السياسي.

وعلمت “العرب” أن الزيارة تمت بطريقة عشوائية، ولم يستشر فيها بعض المقربين من البابا، كما أنها بدت مفتقرة للحكمة التي اتّسمت بها زيارة علي جمعة، مفتي مصر السابق، حيث سافر عن طريق الأردن، صاحبة الولاية الدينية على المقدسات في الأراضي المحتلة، وكان في ضيافة الملك عبدالله الثاني، وضيافة مفتي القدس. وهو ما خفف من حدة الانتقادات التي تعرض لها جمعة في ذلك الوقت، وكان من الممكن للبابا أن يسلك الطريق نفسه ويذهب عن طريق الأردن بدلا من السفر مباشرة إلى مطار بن غوريون.

4