زيارة البابا فرنسيس للمغرب محطة رئيسية على طريق حوار الحضارات

زيارة البابا تعكس العلاقات الدبلوماسية المتميزة بين المغرب والكرسي الرسولي، وتعبر عن الرغبة المشتركة في مد جسور الحوار بين الثقافات والأديان.
الجمعة 2019/03/08
دبلوماسية نشطة بين المغرب والفاتيكان

يدفع الصراع المحتدم بين الثقافات إلى ضرورة الانتقال من بيانات التنديد المناسباتية واللقاءات البروتوكولية بين الدول والزعماء، أو بالعلاقات الشكلية بين الفاتيكان ومنظمة المؤتمر الإسلامي، إلى الاجتماع على طاولة واحدة وفتح ملفات القضايا والتحديات المشتركة واستماع كل طرف للآخر. وتجلت جدية هذا الطرح خلال زيارة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، مؤخرا لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي شرعت الأبواب أمام فرص إنجاح هذا التواصل بين الأديان، والذي سترسخه بشكل أعمق زيارة البابا فرنسيس للمغرب نهاية شهر مارس بما يؤسس لعلاقات مثمرة بين الغرب والشرق انطلاقا من هاتين الدولتين.

الرباط - يحل البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، يومي 30 و31 مارس، ضيفا على المغرب في زيارة يتوج بها ما حققه خلال زيارته التاريخية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة من تأكيد على أهمية التواصل والحوار بين الأديان وفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات المسيحية الإسلامية ونفض ما تراكم عليها من توتر وتباعد.

 ورغم أن نسبة الكاثوليك في المملكة المغربية، والمغرب العربي عموما، ليست كبيرة، مقارنة بالشرق الأوسط، إلا أن ذلك لا ينفي أهمية المغرب كمحطة رئيسية في طريق التواصل بين الإسلام والمسيحية، الذي قاد البابا فرنسيس إلى مصر، سنة 2017، ثم إلى الإمارات في شهر فبراير الماضي، في أول زيارة لرئيس الكنيسة الكاثوليكية إلى الخليج العربي.

ولئن كان هناك فاصل زمني بين زيارة البابا إلى القاهرة وزيارته إلى أبوظبي، تأتي زيارته إلى الرباط والدار البيضاء، بعد أقل من شهر على زيارته التاريخية إلى الإمارات، في خطوة تؤكد جدية مسعى الحبر الأعظم للتقارب مع العالم الإسلامي من جهة، وجدية ما لقيه من ترحيب في المقابل من جهة أخرى.

ويقول المطران كريستوبال لوبيز، رئيس أساقفة الرباط إن زيارة البابا فرنسيس ستكون مناسبة عظيمة للكنيسة، توسع وتشجع الحوار الديني الإسلامي-المسيحي، الذي شهد تراجعا في السنوات الأخيرة. ويشير المطران لوبيز، الذي ولد في إسبانيا، ويخدم في المغرب منذ سنة 2003، إلى أن زيارة البابا فرانسيس إلى المغرب تأتي بعد وقت طويل من زيارة رئيس الكنيسة الكاثوليكية لهذا البلد الهام على طريق الحوار بين الحضارات. وزار البابا يوحنا بولس الثاني المغرب سنة 1985. وكانت هذه الزيارة سابقة على مستوى علاقات الكنيسة مع دولة إسلامية. وفي سنة 2000 قام العاهل المغربي الملك محمد السادس بزيارة رسمية إلى الفاتيكان، حيث التقى البابا يوحنا بولس الثاني.

خادم الأمل

أوضح أسقف الكنيسة في الرباط خلال مؤتمر صحافي خصص لتقديم برنامج زيارة البابا فرنسيس التي تحمل شعار “البابا فرنسيس: خادم الأمل”، أن هذه الزيارة، ذات رمزية قوية، إذ أنها تخلد الذكرى المئوية الثامنة للقاء القديس فرنسيس الأسيزي والسلطان مالك الكامل، مجسدة بذلك الرغبة الموصولة في الحوار وتأسيس علاقات منسجمة بين المذهب الكاثوليكي والإسلام.

وتعكس الزيارة العلاقات الدبلوماسية المتميزة بين المغرب والكرسي الرسولي، إلى جانب كونها معبرة عن الرغبة المشتركة للطرفين في مد جسور الحوار بين الثقافات والأديان، وهو حوار يستمد قوته وديمومته من خلال التباحث في نقاط كثيرة مثار جدل وأحيانا توتر بين الجانبين، والحديث عن قضايا وتحديات مشتركة كقضية الهجرة والتشدد والصراع المبني على مهاجمة كل طرف للآخر.

اللقاء بين الملك محمد السادس والبابا فرنسيس يعد بإثراء النقاش المؤدي إلى كسر الحواجز بين الطرفين والمساهمة في تقليص حجم التباعد في سبيل التعايش الإسلامي المسيحي وإيقاف أسباب الطائفية والتطرف

وافتتح المغرب في العام 1997، سفارته لدى الفاتيكان لتوطيد العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، والمونسنيور فيتو رالو هو السفير البابوي في الرباط. وافتتحت السفارة البابوية بالرباط سنة 1988 وهي واحدة من بين 115 ممثلية دبلوماسية وقنصلية للكرسي الرسولي في العالم.

وذكر أسقف الكنيسة الكاتدرائية بطنجة، المطران سانتياغو اغريلو مارتينز أنه علاوة على تعزيز الحوار بين الأديان، سيتطرق البابا خلال زيارته، التي ستستغرق يومين في الرباط، إلى مجموعة قضايا ذات صلة بالتضامن مع المهاجرين، في بلد “اختار منذ وقت مبكر سياسة الاستقبال باحترام وشجاعة”.

ونظرا لاهتمام المغرب بمسألة الهجرة وتبنيه مقاربة نوعية ومتقدمة في التعاطي الإيجابي مع هذا الملف ينتظر أن تركز مباحثات الملك محمد السادس والبابا فرنسيس على هذه المسألة المؤرقة، خصوصا أن رأس الكنيسة الكاثوليكية له نظرة متفائلة وإيجابية حول دخول المهاجرين إلى أوروبا.

وفي هذا الصدد شدد المطران سانتياغو أكريلو ماريتنز، على أن هذه الزيارة تشكل فرصة لإعادة تأكيد دعم البابا فرنسيس للاتفاق العالمي حول الهجرة، الذي تمت المصادقة عليه في ديسمبر الماضي خلال المؤتمر الذي احتضنته مدينة مراكش برعاية الأمم المتحدة، ومناسبة لحث المجتمع الدولي مجددا على التفاعل بمسؤولية وتضامن مع المهاجرين .

ومن بين أهم محطات الزيارة، يقول الأب دانيال نوريسات، ستكون زيارة البابا فرنسيس إلى معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، ومقر مؤسسة كاريتاس لأبرشية الرباط، حيث سيلتقي، على الخصوص، بعدد من المهاجرين.

وسيقوم البابا بزيارة لمركز الخدمات الاجتماعية في تمارة، الذي تديره راهبات المحبة التابع للقديس منصور دي بول، ليجتمع بعد ذلك في كاتدرائية القديس بطرس بالكهنة والمكرسين والمكرسات وممثلي المسيحيين من الطوائف الدينية الأخرى.

المغرب عرف عبر تاريخه الطويل بالتعامل الجيد والنظرة المتسامحة مع كافة الطوائف الدينية
المغرب عرف عبر تاريخه الطويل بالتعامل الجيد والنظرة المتسامحة مع كافة الطوائف الدينية 

وسيترأس البابا في القاعة المغطاة في المجمع الرياضي الأمير مولاي عبدالله، القداس الديني بحضور الآلاف من المسيحيين ومعظمهم من المهاجرين المقيمين بمختلف ربوع المغرب، وإلقاء خطاب حول الحوار بين الأديان. وحسب مجلة الفاتيكان يضم المغرب 50 ألف كاثوليكي، معظمهم من الأوروبيين المغتربين.

ويعتبر عبدالله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، أن زيارة الباب إلى المغرب فرصة لتوسيع مساحة الحوار ولغة التفاوض السلمي، باستعمال الـقوة الرمزية للمؤسستين الـدينيتيـن في ما يعرف بالـدبلوماسية الدينية.

ويقول بوصوف، في تصريح لـ”العرب”، إن الزيارة ستعالج العديد من الأسئلة الحارقة كالهجرة والإرهاب والعنصرية والتضييق على المهاجرين وتشجيع خطابات السلام والتضامن وفـرص السلام والأخوة الإنسانية.

ويضيف بوصوف أن المغرب عرف عبر تاريخه الطويل بالتعامل الجيد والنظرة المتسامحة مع كافة الطوائف الدينية مسيحية أم يهودية وحماية المضطهدين وتوقير شعائرهم وأماكن عبادتهم، وهذا ما أكدته رؤيـة الملك محمد السادس المتجددة للشأن الديني بجعله مسألـة العناية بالكنائس، سواء الكاثوليكية أو البروتستانتية أو الأرثوذوكسية، والمعابد اليهودية، وكذلك المقابر المخصصة سواء للطائفة المسيحية أو الطائفة اليهودية المتواجدة في كل ربوع المغرب، أولوية مهمة وعنوانا للتسامح الديني والتطبيق الفعلي للعيش المشترك.

سياقات الزيارة

تتخطى أهمية زيارة البابا فرنسيس إلى المغرب الجوانب البروتوكولية إلى ما هو أعمق على جميع المستويات الدينية والثقافية والحضارية. وفي هذا السياق يؤكد بوصوف أن الزيارة ليست عادية باعتبار أن الضيف هو رئيس الكنيسة الكاثوليكية وما تعنيه هــذه المؤسسة من رمزية تاريخية واجتماعية وفلسفية وفكرية، إضافة إلى ما تلعبه من دور كبير في الوساطة لحل الصراعات والنزاعات المسلحة الدولية، وكـذلك دورهـا الخيري والتضامني في أوقات الهجرات الجماعية والحروب والكوارث الطبيعية.

ولهذا أكد عبدالعزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، أن زيارة البابا فرنسيس للمغرب تكتسي خصوصية بالغة الأهمية لأنها ستشهد لقاء بين العاهل المغربي، بصفته أمير المؤمنين لدولة لها تاريخ حضاري إسلامي عريق، والبابا فرنسيس، بصفته رئيسا للكنيسة الكاثولوكية، وما تعنيه من رمزية على مستوى العالم المسيحي، مما يعتبر إسهاما فعالا في تعزيز الجهود الخيرة لنشر السلم والأمن في العالم.

ويعتبـر الحبر الأعظم، أو بابـا الفاتيكان، من أقـوى الشخصيات المؤثرة في العالــم، سواء على صعيد الدول أو على صعيد الشعوب، كما أن مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية هي من المؤسسات الأكثر انضباطا وتنظيما، حيث تتمتع بأعراف ضاربة في التاريخ ولها أذرع إعلامية قـوية في كل دول العالـم ومؤسسات حقوقية وهيئات خيرية إقليمية وقارية ودوليـة تابعة لها، وهذا ما يجعل من زيارات رئيس كنيسة أو دولة الفاتيكان إلى مختلف دول العالـم، ســواء المسيحية أو غير المسيحية، تكتسي أهمية قصوى، حسب عبدالله بوصوف.

ترتبط زيارة بابا الفاتيكان إلى المغرب بالظروف الصعبة التي تمر بها البلاد العربية والإسلامية، حسب الصادق العثماني، الداعية المغربي ومدير الشؤون الدينية في اتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل، في تصريح لـ”العرب”، مع بروز طوائف دينية متشددة وانتشار الإرهاب واللاتسامح بين أبناء الديانات السماوية يأتي موضوع التعايش بين الأطياف البشرية المختلفة وخاصة بين المسيحيين والمسلمين كضرورة اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية.

ويذهب في ذات السياق عبدالله بوصوف مشيرا إلى أن الزيارة تأتي في إطار النقاش الدائر في السنوات الأخيـرة حول ملفات تتعلق بكيفية ترسيخ ثقافة السلام والعيش المشترك ونشر ثقافة التضام وتنامي الفكر اليميني المتطرف، وضربات الإرهاب الموجهة لكل سياسات التقارب والتضامن، وكذلك تحـول المجتمعات من هوية واحدة إلى هوية متنوعة لغويا ودينيا وثقافيا بفعل الهجرات.

لقاء يعد بإثراء الحوار الإسلامي المسيحي

الرباط - ما فتئ دعاة الحوار الإسلامي المسيحي يعبرون عن تفانيهم في الاتجاه به نحو مساحات متقدمة من التفاهم البناء بين المسلمين والمسيحيين، حول عدد من القضايا الهامة الراهنة، وتأسيس أرضية صلبة لحوار علمي وتواصل ثقافي أكبر يعود بالفائدة على الجميع في ظل تحولات هيكلية تمر منها الساحة الجيواستراتيجية بين الشرق والغرب. والمغرب له تاريخ عريق في الحوار الإسلامي المسيحي بحكم موقعه الجغرافي وقربه من الغرب المسيحي ومكانته الدينية في العالم الإسلامي.

وحسب الصادق العثماني، ومدير الشؤون الدينية في اتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل، يحتم هذا الموقع على الملك محمد السادس والبابا فرنسيس الدفع بعجلة الحوار والتعايش والوئام إلى الأمام. العلاقة بين الكنيسة ومؤسسات المجتمع الإسلامي تصب في محاصرة كل الأسباب التي تؤدي إلى الصراع وتنمي “الفوبيا” من الآخر وتشجيع كل أسباب الحوار والاعتراف بحق الآخر في التعبير عن رأيه رغم الاختلاف في الرؤى والمنطلقات.

ولهذا فاللقاء بين الملك محمد السادس والبابا فرنسيس يعد بإثراء هذا النقاش المؤدي إلى كسر الحواجز بين الطرفين والمساهمة في تقليص حجم التباعد في سبيل التعايش الإسلامي المسيحي وإيقاف منعشات العصبية والطائفية المقيتة. من هنا، يقول مدير الشؤون الدينية في اتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل، في تصريح لـ”العرب”، إن الحوار لا يأتي كشأن لاهوتي أو سجال فكري أو ترف معرفي ونظري بل هو ضرورة وحاجة وواجب شرعي في عالم اليوم، يحتم على العقلاء من المسلمين والمسيحيين التفكير جديا في بلورة مشروع عالمي إنساني وتاريخي مشترك يعيش تحت كنفه الناس بغض النظر عن معتقداتهم وألوانهم وجنسياتهم.

 

12