زيارة الرئيس المصري المفاجئة إلى إيطاليا أبعد من المشاركة في مؤتمر ليبيا

ذهاب السيسي الى باليرمو لم يكن مفاجئا بعدما قطعت روما والقاهرة شوطا كبيرا من التفاهم بشأن الملف الليبي والهجرة غير الشرعية.
الثلاثاء 2018/11/13
تجاوب مصري مع المساعي الإيطالية

سعت إيطاليا إلى توسيع نطاق المشاركة في مؤتمر باليرمو لتسوية الأزمة الليبية، يومي الاثنين والثلاثاء، والتأكيد على أنها قادرة على الإمساك بدفة الحل الذي أخفقت فيه فرنسا، وتستطيع تقريب وجهات النظر بين القوى الليبية المتصارعة، وحاولت أن يكون من ضمن الحاضرين رؤساء دول وزعامات قوى دولية كبيرة لإضفاء قدر من مساندة المجتمع الدولي لخطواتها، غير أن تحركاتها أخفقت في الحصول على تمثيل لافت من الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا، وحافظت على مستوى تمثيل إقليمي جيد من قبل قيادات بعض دول الجوار، وفي مقدمتهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

لم يكن ذهاب الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى باليرمو، الاثنين، مفاجئا للكثير من المتابعين لملف العلاقات بين القاهرة وروما، فقد قطعت العاصمتان مؤخرا شوطا كبيرا للتفاهم في قضيتين غاية في الأهمية، هما ليبيا، وربط ملف الهجرة غير الشرعية بالإرهاب.

تخلت القاهرة عن الطريقة السلبية التي تعاملت بها مع مؤتمر باريس في مايو الماضي، والتمثيل السياسي المنخفض، وتجاوبت مع التحركات الإيطالية الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية، بعد أن تأكدت من جدية روما في تحقيق اختراق ملموس، واقتنعت بأن سياسة التجاهل التي تعاملت بها مع مؤتمر فرنسا لم تكن مجدية.

لدى الكثير من المسؤولين في مصر اقتناع الآن بأهمية الانخراط في العمليات الجارية لتسوية الأزمات الإقليمية، والتأثير على التوجهات العامة من الداخل، لأن الغياب يسمح لبعض القوى بتغيير مسارات بعض الأزمات لصالحها، ففي ظل الغموض الذي يكتنف مصير الصراعات أضحت المشاركة المباشرة قادرة على تغيير دفة الكثير من الأمور.

وظهرت مؤشرات في باليرمو، تقول إن تركيا وقطر وجماعة الإخوان المسلمين، وأعضاء في تنظيم القاعدة، سيحاولون اختطاف المؤتمر، والإيحاء بأنه يتبنى رؤاهم فقط بشأن تسوية الأزمة الليبية، وقاموا بحشد سياسي وإعلامي لهذا الغرض، ما يضعف حجج القوى المدنية، ويصب في صالح الميليشيات المسلحة المدعومة من أنقرة والدوحة، والتي تريد الحفاظ على مكاسبها التي تحققت خلال السنوات الماضية.

مثلت هذه التوجهات أرقا للحكومة المصرية، وعزمت على التفاعل لأقصى درجة مع روما، لمنع المناوئين لها في المنطقة من جني ثمار سياسية في باليرمو، ومساندة الخطوات الإيطالية رغبة في عدم الانحراف بالمؤتمر عن مساره المعلن لحل الأزمة الليبية، والحيلولة دون اختطافه لحساب جهات معينة.

وحرصت روما على التنسيق مع القاهرة خلال الأيام الماضية، وجرت اتصالات هاتفية عديدة بين الرئيس السيسي، وجوزيبي كونتي رئيس وزراء إيطاليا، الذي كان يعتزم زيارة القاهرة، لكن أزمة الطالب روجيني، الذي لقي مصرعه في مصر على أيدي جهة مجهولة، كبحت رغبة جوزيبي، خوفا من توظيف الزيارة من قبل معارضيه، وهو ما يفسر زيارته لكل من تونس والجزائر مؤخرا دون أن تطأ قدماه القاهرة، وقد اكتفى بالاتصالات الهاتفية المتكررة.

تجاوز البلدان الكثير من المصاعب السياسية التي خلفتها أزمة روجيني، وعاد السفير الإيطالي إلى القاهرة، وتصاعدت وتيرة التعاون في بعض القضايا ذات الاهتمام المشترك، وكانت ليبيا واحدة من الملفات التي شهدت تقاربا ملموسا في الآونة الأخيرة.

بدت التوجهات المصرية حيال الأزمة بعيدة عن التصورات الإيطالية، لأن روما تريد ضمان مصالحها بأي وسيلة، ولو بالتعاون مع جهات خارجة عن القانون، مثل الكتائب المسلحة وعناصر من القاعدة، ودعم التيار الإسلامي عموما في الوصول إلى السلطة، وهو ما تسبب في شرخ العلاقة بين الجانبين، وظهرت ملامح تصادم في السياسات على خطوط مختلفة وممتدة على مدار الأزمة.

جاء التقارب بين الطرفين على خلفية توالي الإخفاقات الإيطالية في إدارة الأزمة الليبية، وصعود أسهم فرنسا، التي اقتربت من القاهرة وحلفائها على قاعدة مكافحة الإرهاب في ليبيا، وأخذت بعض تصرفات روما تتغير، وتعيد قراءة التوازنات التي حكمت رؤيتها في السنوات الأولى من عمر الأزمة، ومحاولة ملامسة الواقع بكل تعقيداته على الأرض، والنأي بعيدا عن التصرفات التي تذكّر المواطنين بمآسيها كدولة احتلال سابقا.

واستعانت روما بالولايات المتحدة في دعم تحركاتها، غير أن الأخيرة لم تبد تفاعلا كبيرا، وحافظت على توازن بين إيطاليا وفرنسا في ليبيا، لكنه لا يخلو من انحياز إلى الأولى في بعض الأحيان، ما حمّل مواقف واشنطن تفسيرات متعارضة.

حرص جوزيبي كونتي على نجاح مؤتمر باليرمو، واعتبره نافذة يطل منها على المنطقة، وربما العالم، كزعيم يستطيع أن يطفئ الحرائق، ويدافع عن مصالح بلاده بحكمة، ما دفعه إلى تجنب مواصلة التراشق مع فرنسا والاندفاع في خصومتها، وزيادة التنسيق مع الجهات الدولية والإقليمية الفاعلة.

وباتت القاهرة واحدة من المحطات الرئيسية التي استمع إلى تقديراتها بعناية، بل وتقريب المسافات المتباعدة معها، والاستجابة للكثير من التحفظات على بعض محاور المؤتمر، وأبرزها الموقف من المجتمع المدني، وكان مخططا أن يكون حضور أفراده ضمن الجلسات الرسمية للمؤتمر، وجرى تعديلها إلى لقاءات على هامشه، ثم تقليصها إلى أقل مستوى، كي لا تكون بوابة لضجيج التيار الإسلامي.

وجد كونتي في حضور السيسي إلى باليرمو وسيلة يرد بها على من شككوا في انخفاض سقف التمثيل، بما لا يتناسب مع الطموحات التي رافقت الدعوة للمؤتمر في البداية، وما تلاها من لغط بشأن حضور وعدم حضور المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي.

وهي رسالة يفهم منها أن الرئيس المصري قد يكون ممثلا لتيار ليبي وعربي له حسابات ورؤى متقاربة في التعامل مع الأزمة الليبية، تيار يناهض تدخلات تركيا وقطر، وكل الدوائر التي تدعم المتشددين.

تريد القاهرة من وراء رفع مستوى التمثيل توطيد العلاقات مع روما، وفتح أفق أكبر لتطوير التعاون معها في قضايا عدة، في مقدمتها الأزمة الليبية، التي ينتظرها شوط أكثر أهمية، يتعلق بنزع سلاح الميليشيات، ووضع ترتيبات أمنية في العاصمة طرابلس على أسس تعتمد على قوات نظامية، وتقزيم تمثيل التيار الإسلامي في السلطة لاحقا، على ضوء الانتخابات التي أعلن غسان سلامة المبعوث الأممي إلى ليبيا الإعداد لها مع أوائل العام المقبل.

قطعت القاهرة مسافة جيدة في الحصول على دعم روما لاستمرار اجتماعات توحيد المؤسسة العسكرية في عهدتها، وإجهاض مساعي فايز السراج لنقلها إلى تركيا أو أي جهة أخرى، لذلك إذا تكاتفت رؤية مصر وإيطاليا في الأزمة الليبية من الممكن أن تحافظا على مصالحهما المشتركة، وتفتحا طاقة أمل للتسوية السياسية، لأن مؤتمر باليرمو غير متوقع له تحقيق اختراق يفوق مؤتمر باريس.

أفضى ابتعاد روما نسبيا عن السراج، رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوفاق، إلى تعزيز الثقة مع القاهرة، فلم تعد إيطاليا تدافع عنه، وهي واحدة من العلامات التي تعكس حجم التغير في مواقفها وجديتها، كما أن حرصها على حضور حفتر يؤكد فهمها لمعادلة القوة الحقيقية، ما تترتب عليه تحولات في المشهد الليبي، في غير صالح فايز السراج ورفاقه.

لدى الطرفين (القاهرة وروما) تصورات متقاربة بشأن آلية وقف عمليات الهجرة غير الشرعية، وكانت مصر أحد مراكزها الرئيسية وجرى السيطرة عليها مؤخرا، ويعد الانفلات الحاصل في الأراضي الليبية من العوامل التي أدت إلى تزايدها باتجاه أوروبا، وإيطاليا على وجه الخصوص، التي تتخذها أحيانا مدخلا لتبرير انغماسها في ليبيا، ومداراة سعيها للحصول على جزء من كعكة النفط والغاز.

لم تكن روما، مثل غالبية الدول الأوروبية، على اقتناع بالربط المصري بين الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب، إلى أن قطعت القاهرة شوطا مهما في السيطرة على سفن المهاجرين، بعدها بدأت روما تدرس التجربة وتتفهم دواعي الربط بينهما، ثم تقترب من تعميم مسألة الربط، وهو ما تحاول مصر توظيفه في الحصول على مؤازرة دول غربية عديدة لتجفيف منابع الإرهاب في ليبيا، بالتزامن مع وضع آليات ناجعة لتسوية الأزمة.

7