زيارة السيسي تختصر عمر مهرجان دولي

الاثنين 2017/04/24

لا شيء مجانيا في الأنشطة الثقافية والفنية، كلها أوان مستطرقة يؤدي بعضها إلى البعض الآخر، يتأثر به ويؤثر فيه. في المعرض الدولي باليابان (إكسبو 1970) بهر الجناح المصري اليابانيين، ومنذ ذلك الوقت صارت السياحة اليابانية في مصر هي الأهم، من دون مجهود لبيروقراطيي وزارة السياحة، كانت الفنون أصدق إنباء من الدعاية.

حتى لو بدا مهرجان ما معنيا بالكوميديا والمساخر فإنه له دلالة على سيكولوجية الشعب ومدى حبه للفكاهة وعشق الحياة، وتحقق حد أدنى من الأمان. ولكن «مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة» ليس حدثا هزليا، هو مهرجان كبير تجاوز سن الرشد، وبلغ دورته التاسعة عشرة التي سيختلف المؤرخون الموثقون في تحديد موعد ختامها، ففي البيانات الرسمية السابقة وكتب المهرجان ودليله المطبوع أنه بدأ يوم 19 أبريل 2017 وينتهى يوم 25 أبريل.

وفعليا اختتم المهرجان يوم الأحد 23 أبريل، بقرار سياسي للمرة الأولى في تاريخه وتاريخ المهرجانات في مصر وأي بلد آخر له علاقة بتنظيم المهرجانات والأنشطة الثقافية ذات الطابع «الدولي». لم يحدث «في أوروبا والدول المتقدمة» أن فاجأ مهرجان كان ضيوفه بتقليص أيامه بعد الافتتاح، لأن الرئيس الفرنسي قرر زيارة المدينة الصغيرة.

قل هذا الشيء بالنسبة إلى مهرجاني فينسيا أو برلين وغيرهما. ولكن مهرجان الإسماعيلية فعلها على كره من إدارته التي أبلغت فجأة بإخلاء المدينة من المهرجان وضيوفه، قبل يومين من زيارة عبدالفتاح السيسي للإسماعيلية (25 أبريل)، على أن يفصل بين إجلاء الضيوف وحلول الطائرة الرئاسية يوم باهت، بلا مهرجان ولا زيارة. ليس هذا فألا سيئا فقط، وإنما إشارة تؤكد أن مصر المصنفة ضمن المناطق الخطرة هي بالفعل خطرة، لا تحتمل فيها مدينة إقليمية وجود ضيوف مصريين وعرب وأجانب واستقبال زيارة رئاسية معا.

بعد جمال عبدالناصر لم نسمع رئيسا مصريا ذكر عنوان كتاب قرأه، أو اسم كاتب يتابع مقالاته وكتبه، أو فيلما أعجبه. كان يفعل هذا كله، وقرأ مرة مقالا أعجبه لمصطفى خليل، فسأل عن الكاتب فقيل إنه أستاذ في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، فقال: هذا شخص واع، يعين محافظا للقاهرة. في كل أزمة يحضر «عفريت» عبدالناصر بموقف، ففي زمن الوحدة مع سوريا دعا السوريون أحمد عبدالمعطي حجازي للمشاركة في مهرجان شعري، واعترض العقاد رئيس لجنة الشعر على حجازي والشعر الحر عموما، فأبلغوا عبدالناصر باعتراض العقاد، فقال: «وهل نحن قدّ العقاد؟»

ثم وجد مخرجا يحفظ للعقاد هيبته، ولا يحول دون سفر الشاعر الشاب الذي يعمل صحافيا في روز اليوسف، واقترح عبدالناصر أن يسافر حجازي كصحافي، وهناك يشارك كما يشاء ويشاءون. ماذا سيقول صناع أفلام من قارات العالم الخمس برمجت أفلامهم للعرض في آخر يومين جرى لهما مونتاج في أسبوع المهرجان؟ ما هكذا يكون الرد على من خاطروا وكذبوا ما يذكر عن مصر، وخصوصا أعضاء لجنة التحكيم من إسبانيا وكوريا الجنوية والهند وإيطاليا وكرواتيا؟

أشفق على صديقي الناقد عصام زكريا رئيس المهرجان الذي سيضيع نصف تعبه سدى، وهو الذي تحمل هذه المسؤولية، إيمانا بدور السينما في «التمسك بالحياة والحرية والحب، في مواجهة التطرف والكراهية والموت. في مهرجان الإسماعيلية خبرنا وتأكدنا أن الفن موقف فكري وفلسفي والتزام بقضية، وفعل إنساني واجتماعي وسياسي»، كما قال في كلمته، أو كما تساءل محمود المليجي في مشهد مؤثر في فيلم «إسكندرية ليه؟»: «وعايزني أكسبها؟»، ولم ينتظر إجابة، ولا نحن ننتظر.

روائي مصري

14
مقالات ذات صلة