زيارة الغنوشي لتركيا تثير موجة تساؤلات وهواجس مضطربة

أثارت زيارة راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية لتركيا، موجة من التساؤلات المُضطربة حول توقيتها وأسبابها وأهدافها، والكثير من الهواجس ارتباطا بالتطورات المُتسارعة في المنطقة التي عكست تراجعا ملحوظا لدور تركيا، وحليفتها الجماعات الإسلامية التي بدأت نار الخلافات تستعر داخلها بما يُهدد تماسك التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
الخميس 2015/08/20
الغنوشي يصر على لعب أدوار خفية في الكواليس

تونس - أنهى راشد الغنوشي أمس زيارة لتركيا لم يُعلن عنها مُسبقا، استغرقت ثلاثة أيام، جاءت بعد أيام من الزيارة المفاجئة والمثيرة للجدل التي قام بها حافظ السبسي نجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى أنقرة واجتماعه مع الرئيس رجب طيب أردوغان.

وكان يمكن أن تكون زيارة الغنوشي الحالية إلى تركيا عادية وطبيعية وتندرج في سياق الزيارات التي دأب عليها باعتبار أهمية تركيا للجماعات المحسوبة على الإخوان المسلمين، غير أن توقيتها الذي تزامن مع بدء انكفاء تركيا نحو الداخل على وقع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تعصف بها، جعل منها زيارة تحمل بين طياتها دلالات سياسية هامة.

ومع ذلك، تباينت آراء المراقبين بشأن هذه الزيارة، وتضاربت القراءات السياسية لأبعادها، حيث اعتبرها البعض مثيرة للهواجس على ضوء المستجدات في المنطقة، وتراجع دور التنظيم الدولي للإخوان بسبب الخلافات التي تأججت داخل فروعه في سوريا والأردن، إلى مصر مرورا بتونس وليبيا، ورأى آخرون أنها عادية، دون استبعاد أن تكون لها أبعاد إقليمية مُرتبطة بإعادة ترتيب أوراق التحرك السياسي خلال المرحلة المُقبلة.

وحسب البرلماني التونسي زهير حمدي الأمين العام للتيار الشعبي، فإن هذه الزيارة مثلها مثل الزيارات الأخرى للغنوشي “تثير الكثير من الهواجس لأنه لا يمكن الجزم بأسبابها الحقيقية نظرا لحالة التكتم التي أحاطت بها”.

وقال لـ”العرب”: لا يمكن النظر إلى هذه الزيارة بمعزل عن التطورات الراهنة وعلاقتها بتراجع دور الجماعات الإسلامية وتأثيرها ارتباطا بتوجه تركيا نحو الانزواء والانكفاء بسبب الخسائر والهزائم السياسية التي مُني بها مشروعها الإخواني في المنطقة.

زهير حمدي: حالة التكتم التي أحاطت بالزيارة تثير الكثير من الهواجس

واعتبر أنه من هذه الزاوية “يمكن أن نقول إن زيارة الغنوشي لها علاقة بإعادة ترتيب التحالفات بين تركيا من جهة، والجماعات الإسلامية من جهة أخرى، وخاصة منها التنظيم الدولي للإخوان الذي يعاني من خلافات ذات طبيعة استراتيجية تهدد بتقويض تماسكه، وبالتالي البحث عن صيغ للملمة صفوفه، ولرسم المُخططات لتجاوز حالة الحصار والانحسار التي باتت تُحيط به”.

ويجد هذا الرأي الكثير من المؤيدات لدعمه، لا سيما وأنه يُنظر إلى الغنوشي على أنه واحد من رموز التنظيم الدولي للإخوان، كما أن هذا التنظيم تعصف بفروعه خلافات حادة سواء أكان في الأردن حيث قطعت جماعة الإخوان هناك شوطا كبيرا باتجاه الانقسام، أو في مصر التي دخلت جماعة الإخوان فيها نفق التشرذم، أو في تونس التي بدأت فيها الخلافات داخل حركة النهضة الإسلامية تتأجج مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمرها العاشر الذي طال انتظاره.

وكان لافتا أن زيارة الغنوشي لتركيا ترافقت مع بروز دخان تلك الخلافات إلى السطح، وهو دخان يصفه البعض بأنه ليس سوى دخان نار تستعر داخل حركة النهضة الإسلامية، وهي آخذة في التصاعد بالنظر إلى عودة الصراع بين صقور وحمائم هذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

وكانت الخلافات بين الغنوشي من جهة وجناح الصقور من جهة أخرى، قد برزت إلى العلن من جديد على خلفية مشروع قانون المصالحة الذي يستعد البرلمان التونسي لمناقشته تمهيدا للمصادقة عليه قبل نهاية الشهر الجاري.

وتعكس التناقضات في الآراء، والتضارب في المواقف التي أعرب عنها قادة حركة النهضة الإسلامية خلال الأيام القليلة الماضية، حجم التباينات الكبيرة التي وصلت إلى حدود التناقضات بين سياسات الغنوشي الذي يؤيد قانون المصالحة، وعدد من رموز الصقور منهم عبداللطيف المكي، ووليد البناني اللذان أعربا عن مواقف معاكسة للغنوشي، ما دفع أسامة الصغير القيادي في حركة النهضة والمحسوب على جناح الغنوشي إلى الرد عليهما بالقول إن حركته “لا يلزمها إلا مواقف مؤسساتها وليس الأشخاص”.

وتدفع المؤشرات المحيطة بهذه الخلافات إلى القول إن الأمور بين الجناحين ذاهبة إلى التصعيد، ومع ذلك استبعد المُحلل السياسي هشام الحاجي أن تكون لتلك الخلافات المتصاعدة علاقة مباشرة بزيارة الغنوشي لتركيا. وقال لـ”العرب”: إن هذه الزيارة عادية، والربط بينها وبين الخلافات داخل النهضة “أمر مُستبعد”، ولكنه اعتبر أن السر يكمن في توقيتها الذي وصفه بـ”الحساس”، بحكم أنها جاءت بعد أيام من زيارة نجل الرئيس التونسي لأنقرة في خطوة فاجأت الأوساط السياسية.

وفيما يبقى الغموض يلف زيارة الغنوشي لتركيا، تتراكم الأسئلة، وتتزايد الهواجس، ذلك أن الأوضاع تجري نحو المجهول الذي قد يكون الأسوأ بعد افتضاح الغايات والأهداف الحقيقية لتركيا وأدواتها وأتباعها في المنطقة.

2