زيارة المالكي إلى واشنطن: استجداء لولاية ثالثة أم نجاح حكومي

الثلاثاء 2013/11/12
المالكي.. فشله السياسي يعمق أزمة العراق

مازال نوري المالكي يثير الكثير من الجدل وتحظى تصرفاته بالاهتمام البالغ، نظرا للمرحلة الصعبة والأزمة السياسية التي وصل إليها العراق في ظله.

وقد أحدثت زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية خلافات واسعة بين العراقيين سنة وشيعة بل إن الخلافات مست أيضا البيت الشيعي نفسه. فبعدما أن أمضى أربعة أيام في أميركا التقى خلالها الرئيس باراك أوباما وأعضاء في الكونغرس وألقى كلمة في معهد السلام الأميركي دعا فيها إلى "حرب عالمية ثالثة على الإرهاب"، عاد المالكي ولكن هذه المرة لم يسعفه خصومه باسترداد أنفاسه ووجهت له سهام النقد، نقد للزيارة وأسبابها وحيثياتها وتداعياتها.

فقد ذهب بعض المتتبعين للمشهد العراقي إلى أن المالكي وجد أمامه أبوابا موصدة نظرا لمواقفه المنخرطة ضمن المحور الإيراني ودعمه اللامحدود لنظام بشار الأسد وأزماته مع شركائه السنة والأكراد، وذلك ما أثر في طبيعة التجاوب الأميركي مع قدومه للبيت الأبيض، والتي اتسمت بنوع من التجاهل والبرود.

ونعرض هنا لقرائنا الكرام موقفين متباينين من الزيارة، الأول لمقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي يرى أن الزيارة فشلت وأنها كانت نوعا من الاستجداء من أجل ولاية ثالثة، والثاني لعلي الموسوي المستشار الإعلامي للمالكي الذي يذهب أن الزيارة كانت ناجحة وحققت المطلوب منها.

الزيارة لم تكن موفقة


استجداء لولاية ثالثة وإقصاء للبرلمان

يرى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أن زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى الولايات المتحدة الأميركية، لم تكن موفقة وأنه ذهب يستجدي ولاية ثالثة ممن أوصل العراق إلى قعر الهاوية دون أن يستغيث بشركائه في العراق.

واتهم الصدر المالكي بأنه ذهب بدون أخذ الأذن أو إخبار البرلمان ومن دون مشورة الأصدقاء أو الشركاء.

واعتبر وجوده بين يدي رئيس أكبر دول الاستكبار يعكس صورة سوداء عن المذهب وعن العراق. كما اتهمه بعدم التوازن في خطابه أمام أكبر دول الاحتلال وكان الأجدر به أن يستغيث بشركائه في العراق بدلا من أن يستجدي من دول أوصلت البلاد إلى قعر الهاوية.

ويذهب الصدر إلى أن خطاب المالكي أمام أكبر دول الاحتلال كان غير متوازن .

وتمنى الصدر في تعليق له على سؤال من مجموعة من الكتاب العراقيين حول رأيه في زيارة المالكي والبلد مستهدف بالعمليات الإرهابية وتهديدات القاعدة، أن يرى رئيس الوزراء واقفا بين أبناء شعبه في الأنبار أو الموصل أو في ديالى أو في المناطق المعدمة في بغداد أو المناطق التي يعصف بها الإرهاب أو في محافظات الجنوب لأجل الدعاية الانتخابية بدل أن يقف بين يدي رئيس أكبر دول الاستكبار العالمي فبذلك يعكس صورة سوداء عن المذهب الشيعي والعراق ودعاه إلى الاعتراف بالفشل في إدارة الحكومة.

ويضيف زعيم التيار الصدري تمنيت أن يجمع كل الأطراف العراقية لكي ينتشل العراق من تلك الخلافات والصدامات والصراعات، فنحن أولى بالعراق من جيش الظلام، وكم تمنيت أن يقف بين يدي دول صديقة مثل روسيا والصين لنقف معا لنخرج العراق من أسوأ أيامه.

ويقول الصدر في تعليقه الموجه إلى المالكي "لن تكون صفقاتك مع أميركا ذات نفع اقتصادي وأنت تحارب من كل من يخدم الشعب من محافظين ووزراء وغيره، ولن تنفعك أميركا لا باستخباراتها ولا بغيرها لأنهم لا يريدون إلا مصالحهم ليس إلا".

ويضيف الصدر بقوله: "وإن كنت تريد ولاية ثالثة فلا يعني تبريرك لزيارتك التي كلفت الملايين من الدولارات، فالتفت لشعبك واعترف بضعفك وبفشلك فهذا ليس عيبا بل الاعتراف بالخطأ فضيلة".

ويذهب الصدر أن العلاقات مع دول الجوار والأصدقاء أصبحت متوترة وأصبحت علاقة عداء وخصومة بفضل المالكي وسياسته القائمة على التفرد بالرأي.

و رجا الصدر المالكي بعدم جعل المسؤولية بيد أمريكا، قائلا: "إذا ابتعدت عنها ـ يقصد أميركا- فنحن على أتم الاستعداد لنقف صفا واحدا لإنقاذ العراق ليس من الإرهاب فحسب بل من الفساد أيضا".

ويذهب الصدر إلى أن من يحكم في العراق الآن هو يد الإرهاب ، كما أن العراق أصبح أسير التشدد والعنف، محذرا من أن أوضاع البلاد باتت في خطر وأن القادم أسوأ على حد وصفه. واتهم الصدر حكومة المالكي بالفشل، معربا عن توقعه بأن يجري تأجيل الانتخابات العامة في البلاد المقررة العام المقبل إلى أجل غير مسمى أو أن تلغى تماماً.

وذكر أن زعيم التيار الصدري طالب أتباعه بعدم الخروج بأي تظاهرات ضد بيان مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي الأخير والذي رد على الصدر بشدة داعيا إياهم إلى "الصبر والصمت والترفع عن الرد".

وقال في إجابته عن سؤال من أتباعه: "تكفيني تلك الرغبة بالتظاهر وتكفيني مشاعركم ومحبتكم لنا آل الصدر، وأرجو أن تترفعوا عن مثل هذه البيانات وأن يكون دعمكم لنا بالصبر والأخلاق الحميدة الرفيعة وتكونوا لنا دعاة صامتين.

تمت مناقشة جميع الملفات الشائكة

رئيس الوزراء لا يحتاج إذنا من أحد

على عكس مقتدى الصدر يرى علي الموسوي المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن زيارة واشنطن كانت ناجحة وأنها ناقشت العديد من القضايا المهمة التي تتعلق بكثير من الملفات ودافع الموسوي عن دواعي الزيارة ومبرراتها والكلفة التي تطلبتها. وقال إن الكلفة الكلية لزيارة الوفد العراقي برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى واشنطن كانت 50 ألف دولار فقط.

منتقدا بذلك تصريحات النائب أحمد الجلبي بخصوص تكاليف الزيارة ودعوة المالكي إلى مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب، الجلبي كان قد كتب على صفحته في موقع التواصل الفيسبوك أن تكلفة سفرة المالكي إلى الولايات المتحدة بلغت 100 مليون دولار.

ويذهب الموسوي إلى أن حديث الجلبي يدل على الإفلاس وعدم دراية ونأسف لأن يلجأ شخص كان يعتبر نفسه سياسيا مهما والآن هو نائب في البرلمان العراقي إلى هذه الأكاذيب والمبالغة وخصوصا عندما يتحدث عن مبلغ 100 مليون دولار.

وأشار الموسوي إلى أن مجمل تكاليف زيارة الوفد العراقي الذي ترأسه رئيس الوزراء نوري المالكي كانت بحدود 50 ألف دولار. وحول انتقاد الجلبي أيضا لدعوة رئيس الوزراء لعقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب يرى الموسوي "لا أعلم مدى معرفة أحمد الجلبي في مناقشة موضوع مكافحة الإرهاب، لكن إن كان يفهم في ذلك فإن لا أحد يستطيع في العالم، وليس في العراق فقط، أن يواجه ويكافح الإرهاب ويقضي عليه دون تعاون دولي لأن الإرهاب الذي يضرب في العراق أو يضرب في دولة أخرى له جذور ممتدة وأذرع في الدول الأخرى". وتابع قائلا: "الإرهاب الذي يضرب في مناطق مختلفة من العالم له جهات تموله بالأسلحة والأموال وجهات أخرى تمده بالعناصر البشرية وتسهل لها التنقل بين هذه الدول وأيضا جهات أخرى تدعمه وتؤيده وتبرر له بالفتاوى ولديه أيضا إعلام يقف إلى جانبه ويبرر له عملياته الإرهابية.

ويضيف: "الإرهاب ليس موجودا في مكان واحد حتى يتم القضاء عليه في آن واحد، الإرهاب موجود في كل مكان ولا يمكن أن تقضي عليه دولة واحدة، الولايات المتحدة نفسها دعت إلى حرب عالمية ضده وليس العراق فقط.

ولفت الموسوي إلى أن الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي حول الإرهاب هو تشخيص ووعي بأنه يحتاج إلى جهد عالمي للقضاء عليه، مضيفا: "ما هو الموقف الذي يجب أن يتخذ إذا كانت الأموال تأتي لتمد الإرهاب؟ وماذا نعمل إذا لم تتعاون معنا هذه الدول لقطع منابع هذه الظاهرة؟ وذكر الموسوي أن هذه الجوانب وغيرها هي التي تحقق هدف مكافحة الإرهاب وليس الجهد العسكري فقط وإنما هناك حاجة أيضا إلى منظومة متكاملة على المستوى الثقافي والمال. ويتفق الموسوي مع ما جاء في البيان الذي وقعه المكتب الإعلامي الذي يترأسه بأن زيارة المالكي إلى الولايات المتحدة الأميركية كانت معلنة منذ فترة ليست قصيرة وتمت بناء على دعوة رسمية ولاتحتاج إلى موافقة مجلس النواب الذي لم يعترض على الزيارة.

كما سبقت زيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة زيارات إلى الصين واليابان وكوريا وروسيا والهند بهدف تعزيز علاقات العراق مع جميع دول العالم في المجالات كافة، وبما يتناسب مع الإرث الحضاري للعراق ودوره المحوري في المنطقة والعالم ، كما أن مثل هذه الزيارات تدخل في إطار مسؤولية رئيس الحكومة الذي لايوجد مانع دستوري لها ، كما أنها لاتحتاج إلى إذن من أحد. ويرى أن العراق لم يتحدث سرا عن حاجته لشراء السلاح والمعدات العسكرية مع جميع دول العالم، ومن بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا.


ملامح الأزمة السياسية في العراق

منذ مجيء نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء والعراق من أزمة إلى أخرى، نتيجة الإرباك في الأداء السياسي الذي ميز المشهد العراقي طيلة هذه الفترة.

فقد عجزت حكومة المالكي عن إيجاد الحلول للكثير من القضايا التي تشغل بال العراقيين، مثل الأمن وتوفير مواطن العمل وإرساء العدالة الاجتماعية بين كل العراقيين بمختلف طوائفهم حتى يكون العراق لكل العراقيين بلا تمييز ولا ولاءات داخلية أو خارجية. لكن المالكي فشل في ذلك وكانت توجهاته طائفية وخياراته تغلب مصلحة حزب الدعوة على مصلحة العراق وأهله، وبدل أن يعترف بأخطائه التي أدت إلى أزمة سياسية حادة يعرفها العراق الآن واصل رئيس الوزراء الحالي الهروب إلى الأمام مصرا على أن مشاكل العراقيين آتية من مسسببات أخرى ولا دخل له ولا لحزبه فيها.

وكان واضحا للعيان أن سياسة المالكي الداخلية والخارجية كانت سببا في كثير من المشاكل والمآسي التي اكتوى العراقيون بنارها. على المستوى الداخلي لم ينجح المالكي في توفير الأمن للعراقيين وأصبحت التفجيرات الخبز اليومي لهم وسقوط القتلى والجرحى أصبح مألوفا لديهم دون أن تتمكن الحكومة من وضع يدها على من يقف وراءها مكتفية باتهام الإرهاب وتنظيم القاعدة.

غير أن العديد من المتتبعين للحراك السياسي العراقي يرون أن حكومة المالكي وبتدخل مليشيات الموت الإيرانية والعراقية عملت على ألا يستقر العراق وعلى ألا يستتب فيه الأمن حتى يبقى بلدا متخلفا تحاك فيه الدسائس الإيرانية للمنطقة العربية برمتها.

وقد نححت إيران في جعل الواقع العراقي واقعا يعيش في أتون الأزمات المتواصلة دون أن يتمكن من التقاط أنفاسه وإرساء دعائم دولة مدنية تسعى إلى النهوض والتطور.

وأصبحت المليشيات المعممة تمرح في العراق شرقا وغربا شمالا وجنوبا تحت أنظار حكومة المالكي وبمساعدته. فقد وفر لها أرضية للتحرك وقدم لها التسهيلات العديدة لتدخل العراق من الباب الواسع بعد أن غابت الدولة الوطنية وأصبح العراق مرتعا لكل من هب ودب.

أما على المستوى الخارجي فقد عجز المالكي عن بناء علاقات مع الجوار العربي تبنى على المصداقية والتعاون، بل بالعكس من خلال ارتمائه في الحضن الإيراني وموقفه المناصر لبشار الأسد في قمعه للشعب السوري جعل علاقاته الخارجية يشوبها العداء وعدم الثقة.

فلا يمكن لأية دولة تقف من النظام السوري على مسافة بعيدة ولا تنضوي تحت المقاربة الإيرانية أن تبني علاقات متينة مع حكومة المالكي وتجعل الثقة بينهما متبادلة، وذلك لعدم قدرة المالكي على أن يكون قراره مستقلا ويخرجه من الجلباب الإيراني.

الأزمة السياسية بسسب المالكي وسياسته إذن هي أزمة حادة ومتشعبة ومستعصية على الحل، فالعراق الآن يعيش جملة من التوترات التي تهدد مستقبله الأمني وتجعله يقف على هول حرب طائفية ستقصم ظهره.

ويذهب مراقبون إلى أن الحل يتمثل في توجه وطني يجعل مصلحة العراق في المقام الأول من خلال الإعداد لانتخابات نزيهة ومن خلال تشريك كل أبناء العراق في المستقبل السياسي لبلدهم دون إقصاء أو تهميش.

فالمرحلة الآن تتطلب عراقيين وطنيين يعملون من أجل البلد ومن أجل إخراجه من الأزمة التي وضعه المالكي فيها، وذلك لن يكون بوجوده هو ومن يفكر مثله على رأس الحكم في العراق. المالكي وحزبه كما يذهب إلى ذلك العديدون هم أصل المشكل في ما صار إليه العراق الآن، فإما أن يعترف بالفشل وينسحب في صمت ويترك الساحة لغيره من العراقيين الوطنيين الذين لا تهمهم سوى مصلحة العراق، وإما أن تستمر الأزمة السياسية وتستمر التفجيرات ويضيع العراق بين شطحات المالكي وطموحات دولة الملالي.

12