زيارة بوتين تؤسس لشراكة جديدة بين قوى صاعدة في عالم متغير

روسيا تسعى إلى أن تكون علاقاتها مع السعودية تحديدا مدخلا لضمان استقرار مناطق آسيا الوسطى.
الثلاثاء 2019/10/15
زيارة متعددة الأبعاد

  استقبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان الاثنين، في قصر اليمامة بالرياض، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يزور المملكة للمرة الأولى منذ 12 عاما. تتجاوز زيارة بوتين للسعودية، ومنها يطير إلى الإمارات، البعد الثنائي في العلاقات التقليدية بينهما لتؤسس لشراكة جديدة بين قوى صاعدة في محيط وعالم متغيران.

شهدت العلاقات الروسية-السعودية تطورات ملحوظة منذ أن قام الأمير محمد بن سلمان في يونيو 2015 بزيارة أولى رسمية لروسيا، سعى خلالها إلى إعطاء الدبلوماسية السعودية قوة إضافية تتناسب والمتغيرات التي تؤثر في العلاقات الدولية.

تلت تلك الزيارة، زيارة الملك سلمان في عام 2017 التي توجت بإنشاء صندوق استثماري بـ10 مليار دولار. واعتبرت خطوة جادة نحو التحول في علاقات البلدين في مجالات استراتيجية تشمل الطاقة والمعادن والتكنولوجيا، والفضاء والتعاون المصرفي وقطاع الزراعة والصناعة.

فتح ذلك المجال أمام شراكة سعودية روسية عزّزت الاستقرار والثقة في أسواق النفط العالمية. وتوجت مقتضياتها باحترام غير مسبوق بين كبار المنتجين لحصص الإنتاج المقررة، مما أضفى ثقة ومصداقية في الشريكين على المستوى الدولي لأن تحالف أوبك+ لعب دورا مهما لصالح الدول المنتجة، وفي استقرار السوق الدولية.

ويتضاعف هذا الرصيد الجيّد في العلاقات، مع الجولة الجديدة للرئيس الروسي إلى السعودية والإمارات. وتحمل لقاءات بوتين مع المسؤولين في السعودية والإمارات رهانات كبيرة لما للشريكين من دور بارز في تفعيل الحضور العربي.

وسيكون للملف السوري دور حاضر في الزيارة، خاصة في ظل الاعتداءات التركية على السيادة السورية، والتي نددت بها الرياض وأبوظبي. ولا شك أن أوضاع المنطقة المستجدة تقتضي تفاهمات ومعادلات جديدة مع روسيا، لأن الأحداث تتحرك ضمن سياق قوى إقليمية معادية، جعلت من الفوضى بوصلة تضبط على وقعها معالم مستقبل مليء بالصراعات وعامر بالمفاجآت، ومرشح لكل أنواع التشظي والفرقة والتفكك.

وفي هذا السياق، يأتي تعزيز التفاهمات العربية الروسية كخطوة لابد منها، ما دام الاتحاد الأوروبي لم يقدم شيئا إلى حد الآن لأزمات المنطقة الحادة، والحليف الأميركي لم يقدم شيئا يذكر في أكثر اللحظات خطورة، غير إجادة المراوغات اللغوية.

محددات الشراكة ومرتكزاتها

روسيا تسعى لكسب ودّ السعودية
روسيا تسعى لكسب ودّ السعودية

أهداف روسيا والسعودية يمكن وصفها حاليا بالأهداف المرنة والتكتيكية. فالرؤية السعودية الجديدة (رؤية 2030) معنية بالانفتاح على مشروع بناء قدرات شاملة، وإعادة النظر في تثمين رأس المال الوطني المتاح والاستثمار فيه، والانفتاح على ثقافات وإقامة علاقات وتحالفات جديدة.

ومن ثمّ، تسعى إلى تحقيق استراتيجية للتواصل مع القوى الدولية المؤثرة ومختلف القوى الصاعدة في العالم، ومنها روسيا الاتحادية والصين والهند باعتبارها قوة تأمين إضافية واحتياطية للسلم العالمي بجانب تحالفاتها التقليدية المعروفة.

وإعلاء مستوى المصالح والشراكات والاستثمارات مع هذه الدول شبه القارية، يعزز مكانة السعودية الإقليمية والدولية، فهي كدولة رائدة في العالمين العربي والإسلامي منوطة بتحريك جهود الحل السياسي، ولعب دور رئيسي فيه، وذلك من أجل دعم تسويات في موضوعات سوريا واليمن والعراق وليبيا وفلسطين، مما يستلزم الإحاطة بسلسة تحالفات داعمة لسياستها ومتفهمة لها.

وتعد تجارة الطاقة من مرتكزات التعاون السعودي الروسي. ومن المرجح أن يرتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا ودول الخليج إلى أكثر من 7 مليار دولار في ظرف وجيز.

وبدأت هذه العلاقات الاقتصادية تتخذ تطويرا على المستوى السياسي بإذابة الجليد التاريخي. وتجاوز كل القيود الضاغطة عليها بحكم ارتفاع منسوب البراغماتية وتراجع العوامل الأيديولوجية عند قيادات البلدين.

ويمهد هذا التطور لبلوغ مستويات متقدمة من التعاون المستدام على مختلف المستويات. وإلى جانب الأبعاد الاقتصادية والسياسية، يأتي أيضا تعزيز على مستوى الروابط التاريخية والدينية كأحد أبرز الأسباب. فللمسلمين الروس (نحو 20 مليون مسلم في روسيا، ينتشرون في القوقاز الروسي) ارتباطاتهم التقليدية بالمنطقة العربية. وترغب روسيا بأن تكون علاقاتها مع السعودية تحديدا مدخلا لضمان استقرار مناطق آسيا الوسطى، ولهذا السبب أصبحت روسيا عضوا مراقبا في منظمة التعاون الإسلامي، وبدعم مباشر من المملكة العربية السعودية. وهذا يبشّر بالتدريج بمرحلة أكثر تفهما وأعمق تعاونا وأوسع نطاقا. فهي تدرك بأن مركز الثقل الديني موجود في مكة، وهي في حاجة ماسة إلى تعزيز علاقاتها الثقافية مع الرياض.

عالم متعدد الأقطاب

بوتين ينظر الى مستقبل المنطقة
بوتين ينظر الى مستقبل المنطقة

تسعى روسيا إلى ترسيخ سياسة أوراسية تعنى بعالم متعدد الأقطاب، لكي تضمن عودتها كلاعب دولي في نظام يعاد تشكيله. لذلك تريد فتح صفحة جديدة مع الدول العربية، وأن تلعب السعودية والإمارات العربية دورا أكثر فعالية.

وترى روسيا الفرصة سانحة في ظل الفراغ الاستراتيجي الناجم عن تراجع الدور الأميركي وتذبذب سياساته في الشرق الأوسط، ومن ثم فهي محتاجة إلأى الشريك السعودي والإماراتي وتطوير العلاقة معهما لإحداث علاقة نوعية في علاقاتها مع بقية الدول العربية. وفي المقابل على العرب فهم دوافع وجود روسيا ومحدداتها في مياه المتوسط وسوريا، فضلا عن مساعدتها في إعادة هندسة دورها في الشرق الأوسط لكي يكون متوازنا ويراعي المصالح العربية الاستراتيجية.

ثمّة تلاق بين سياسة موسكو وسياسة الدول العربية، فالسياسة البوتينية الحالية تذكر بأن قوام العلاقات بين الدول يجب أن يمر عبر احترام سياسة الدولة، وتكريس السلام الداخلي والأمن الوطني، وهي بذلك لا تحبذ تعريض المجتمعات للتفسخ الداخلي تحقيقا للمطالب بالديمقراطية التي ينادي بها الغرب دون مراعاة لخصوصية هذا المجتمع أو ذاك، بإطلاق العنان للحريات الفردية على حساب الحقوق الجماعية.

وبالطبع، حرص الجانب الروسي في الآونة الأخيرة بتقديم رؤية أكثر توازنا واعتدالا، تعي خطورة عدم النظر إلى المصالح العربية في سوريا، وخطر انزلاق هذا البلد إلى مسار جيو سياسي يضر بالأمن القومي العربي باصطفافه مع إيران واستفراد هذه الأخيرة به، لذلك ظهرت محاولات عديدة لإشراك دول مجلس التعاون الخليجي ‏في إيجاد حل سياسي للصراع السوري.

 وحتى لا تبقى العلاقات الروسية-السعودية-الإماراتية حبيسة المصالح الاقتصادية، حرصت روسيا على عدم وضع بيضها كله في سلة إيران وتركيا، وإنما أصبحت تردد بأنها منفتحة على كل الدول والمصالح الأخرى،

يشير رصد كمّ ونوعية التقدم الذي شهدته العلاقات السعودية الروسية بأن المستقبل الممكن لعلاقات الدولتين سيعرف تطورا ملموسا، ومنه أن هناك إمكانية لأن تقدم روسيا دعما للسعودية في مجالات مختلفة، ومنها في مجال استغلال الطاقة النووية وبناء مفاعلات، وتمكين العرب من امتلاك تكنولوجيا نووية ما تزال القوى الكبرى تصر على حرمانهم منها.

6