زيارة سلمان التي لا يستحقها أوباما

الأحد 2015/08/30

تم الإعلان مؤخرا عن زيارة مرتقبة يقوم بها العاهل السعودي إلى الولايات المتحدة للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما. وتأتي الزيارة في ظل أحداث عاصفة جدا، منها توقيع الاتفاق النووي بين إيران والمجتمع الدولي في ظل حماسة غريبة للولايات المتحدة إزاء الجمهورية الإسلامية، ومن تلك الأحداث أيضا اعتذار الملك سلمان عن قمة كامب ديفيد الفاشلة التي جمع فيها أوباما قادة الخليج للحديث عن الاتفاق، ولا ننسى مفاعيل العملية السعودية في اليمن (عاصفة الحزم) وتعقّد الوضع السوري واهتزازات العراق ولبنان التي يبدو أنه لا نهاية لها.

إنني أشعر بتشاؤم طاغ إزاء هذه الزيارة، ولا أدري لماذا تذكرت السيد إياد مدني (زمن نجومية الصحافة قبل توليه وزارة الحج ثم وزارة الثقافة والإعلام) حين ردّ على أحد الوزراء الذي ألقى محاضرة فضفاضة “لا داعي لمزيد من الكلام، سألنا الأسئلة التي تعرفها وقلت الأجوبة التي نعرفها”.

ربما تكون هذه القمة الأولى على المستوى السعودي- الأميركي التي تغيب عنها فلسطين والصراع العربي- الإسرائيلي، وهذا أمر لا يتحمله الملك سلمان، فأحداث المنطقة جعلت فلسطين في ذيل الاهتمامات الإقليمية والدولية، فالعرب مشغولون بفوضاهم وصراعاتهم، والمسلمون منهمكون في مصارعة التطرف والإرهاب، وإسرائيل أصبحت الدولة الوحيدة، تقريبا، المتنعمة بالاستقرار والهدوء في العالم العربي والشرق الأوسط.

في مقابلته مع توماس فريدمان، التي عنونتها الصحافة الدولية بـ”عقيدة أوباما”، شرح الرئيس الأميركي رؤيته لمنطقة الشرق الأوسط القائمة على ركنين رئيسيين، إيران التي تشبه الولايات المتحدة في كونها بلدا معقدا يتحلى بالبراغماتية ويستجيب بعض الشيء لجمهوره الحيّ الراغب في الانفتاح والاعتدال، وإسرائيل التي تربطها بأميركا، وفق نص أوباما، روابط التشابه بالدم والقربى والديمقراطية القوية المشاكسة، وإذ تضمن الولايات المتحدة التفوق العسكري لإسرائيل، فلا مبرر للدولة العبرية كي ترفض الخيار الواقعي الذي انتهجه أوباما بالانخراط مع إيران. الرئيس الأميركي يرى أن المجتمعات الثلاثة في أميركا وإيران وإسرائيل بينهم سوء تفاهم فقط، والسلام يمكن أن يجمعهم بعد زوال الخطر النووي.

وأشار أوباما في مقابلته، إلى عنصر ثالث يمثل الهامش في رؤيته، لا هم بالأحياء الذين يستحقون الانخراط ولا بالبراغماتيين الذين يستحقون التفاعل، إنهم العرب السنة، أو ما نسميه نحن، العالم العربي، فهؤلاء ضائعون بين خيارين بائسين تعيسين، نظام حاكم حليف أو داعش، والأنظمة الحاكمة لا خوف عليها من الخارج في ظل الحماية الأميركية، إنّما كل الخطر، من وجهة نظر أوباما، كامن في تحديات الداخل، كالبطالة والفساد والاستبداد وداعش وأخواتها من بنات الإرهاب والتطرف، وكلها أزمات صنعها الداخل نفسه ولا شأن للخارج بها.

الحقيقة، أن عقيدة أوباما أو رؤيته ليست وليدة اللحظة، فالنظرة الأميركية لحلفائها التقليديين في العالم العربي بدأت في مراجعة نفسها منذ الفترة الثانية للرئيس بيل كلينتون، وعبّرت عن نفسها صراحة فور تولي الرئيس جورج دبليو بوش مقاليد فترته الأولى، وما النظريات التي انبثقت عن حقبة بوش الابن إلا دليل ساطع على تلك المراجعة، وتحديدا مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يستحق أن يكون برنامج عمل ملزم لجامعة الدول العربية ثم نظرية الفوضى الخلاقة التي أملت الولايات المتحدة أن تنتج بديلا للأوضاع القائمة بعد هزها وخلط أوراقها، يضاف إلى ذلك مشروع كولن باول لنشر الديمقراطية، أي أننا أمام تصور يعبر بوضوح عن عدم رضا الولايات المتحدة عن حلفائها في المنطقة أو يشير إلى امتعاضها من أوضاع المنطقة ككل.

جاء الرئيس أوباما بلبنة جديدة تضاف إلى هذا التصور وتكمل بنيانه، فهو يرى باختصار أن العدو التاريخي للولايات المتحدة والغرب هو الإسلام السني، وبالتالي هو يظن أن الإسلام الشيعي أقرب إلى الغرب أو أسهل ترويضا، لكنه أراد منح فرصة أخيرة للسنة “لا يهم إن كانوا عربا أو لا”، فكان الرهان على الإخوان، المرجعية الأم للإسلام السياسي في دنيا العرب والمسلمين، ومن حسن الحظ أو من سوئه، تضافر الحلفاء التقليديون (الخليج، الأردن، الجيش المصري) على إسقاط هذا الرهان ونجحوا، وساعدهم في ذلك الأداء الإخواني الفاشل والأرعن الذي أثار نقمة المصريين والعرب عليهم وعلى مشروعهم، وفي يوم سقوط الرئيس المصري محمد مرسي، أعلنت الولايات المتحدة بأناقة الانتقال إلى الخطة البديلة، التفاوض مع إيران، المرجعية الأم للإسلام الثوري.

ما تريده الولايات المتحدة ليس هناك ما أوضح منه، ضبط الإرهاب وتسويق اتفاق سلام ناجز ودائم يرضي الدولة العبرية قبل جيرانها العرب، وأخيرا تأمين منابع النفط، وكانت المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة قادمة دائما من الإسلام السياسي أو الثوري، وحيث أن الأنظمة العربية تمثل الإسلام المحافظ فلن تنجح في حلّ المشكلة من جذورها وإلا لفعلت منذ زمن، يضاف إلى ذلك الأوضاع الداخلية المتردية التي تدفع شعوب العرب إلى خانة الأعداء، التطرف أو الثورة، وذلك باعتراف الحلفاء أنفسهم حين ردّدوا مرارا “ادعمونا ولا تضغطوا علينا وإلا فإن الشارع في يد المتطرفين”، فاتجهت الولايات المتحدة إلى الشارع نفسه عبر الإخوان ثم إيران، أي التطرف والإرهاب.

إن السذاجة نفسها، هي محاولة إقناع أوباما بخطورة الإرهاب الشيعي كالإرهاب السلفي، فالإرهاب يستحق التجريم أيّا كانت طائفته أو دينه، وجذور التطرف والإرهاب حقيقة راسخة في تراث المسلمين وتاريخهم سنة وشيعة، وكانت العوامل الخارجية والدولية محفزة أو حاضنة لا أكثر، والطريف المبكي في الأمر، أن الإرهاب السلفي (داعش والقاعدة) كالإرهاب الشيعي (حزب الله والحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني) بالضبط، يستهدف السنة أكثر من الغرب والشيعة معا، مع لفت النظر إلى خصوصية الإرهاب الشيعي في عدم استهداف طائفته بتاتا.

نظرية الرئيس أوباما، ليست شرا محضا، بل هي في مساحات كبيرة منها تعبّر عن الواقع، فالأوضاع الداخلية المتردية هي الخطر الأكبر على الأنظمة العربية، لكنها أيضا النافذة التي تتسلل منها مخاطر الخارج، وتحديدا إيران التي فاقت شهوتها التوسعية مطامع إسرائيل التي مالت إلى الانكفاء والعزلة منذ طرح شارون فكرة الجدار الفاصل وطبقها، وما لم يذكره أوباما في مقابلته أو تصريحاته، وجود عامل مهمّ يقف خلف إعجاب الولايات المتحدة بإيران كما وقف من قبل خلف إعجابها بإسرائيل، فإيران التي تقوم بالمجازر الطائفية أو الإرهاب الطائفي في طول العالم العربي وعرضه أصالة أو وكالة، يشبه ما فعلته إسرائيل في فلسطين من مجازر وإرهاب في وجه الفلسطينيين لحظة تأسيس الكيان الصهيوني، وما أسست به إسرائيل دولتها وتسعى به إيران لإرساء إمبراطوريتها أو مناطق نفوذها يطابق ما فعله “الأميركيون” مع الهنود الحمر لحظة تأسيس الولايات المتحدة (راجع كتاب الإمبراطورية الأميركية لمحمد حسنين هيكل)، إيران وإسرائيل كما تتشابهان في النظرة الاستعلائية للعرب وأحلام النفوذ والوجود في مناطق لا تشبهها (العالم العربي)، تتشابهان أيضا في سلوك القرصنة، ولو نظرنا إلى أهم الشخصيات الاقتصادية الشعبية والمحبوبة في الوجدان الأميركي، سنلاحظ القرصان روكوفيلر الذي بنى ثراءه من قرصنة القراصنة الآخرين، وهي سياسة تشبه السياسة الأميركية أحيانا.

إن اللقاء السعودي-الأميركي لا يحتمل المفاجآت، فالملف اليمني سيكون العاهل السعودي فيه هو المتحدث لا المستمع، والاتفاق النووي أصبح واقعا ينحصر النقاش في تداعياته وآثاره ولا فرق إن تحدث الملك سلمان أو استمع، فالرئيس الأميركي اعتمد خياراته الاستراتيجية فعلا ولا مجال لتبديلها أو تعديلها، لتبقى نقاط الخلاف الأكبر، محاربة داعش التي لا تبذل لها الولايات المتحدة أي جهد جدي وإلا لمسّ نفوذ الحليف الجديد (إيران) في العراق وسوريا ولبنان، وهو المسبب الرئيس لاستيلاد داعش وقوتها وبقائها، وفي هذا السياق أيضا فإن معاناة الشعب السوري لا تعني للرئيس الأميركي أي شيء.

أعتقد أن المتغيرات في المنطقة تستلزم تكرار تجربة المربع العربي (السعودية، الإمارات، الأردن والجيش المصري) لإفساد التداعيات السياسية والاستراتيجية للاتفاق الأميركي-الإيراني، ولنا العبرة في نجاح إسقاط الرهان الأميركي-الإخواني، ثم تأثير عملية عاصفة الحزم، ولو نجحت المملكة، وهي قادرة ومؤهلة، في إقناع بقية أركان المربع العربي للعمل بإخلاص على تدمير داعش وإخراج إيران وحلفائها من المنطقة عبر وحدة الوقت والهدف والعمل، وهذا لن يتم من دون التعامل الجدي مع التحديات الداخلية بالإصلاح الشامل والجذري والتخلي عن المحافظة، فإن النتائج المنتظرة أولى وأجدى من إضاعة الوقت مع رئيس يعرف، وفق نص إياد مدني، الأسئلة التي سنسألها والأجوبة التي سنجيبها ونعرف الإجابات التي سيجيبها والأسئلة التي سيسألها، فتكون زيارتنا له شرفا لا يستحقه إطلاقا.

صحافي سعودي

6