زيارة شكري لواشنطن تكرس مرحلة جديدة من التفاهمات السياسية

وزير الخارجية المصري يناقش تعديل بعض بنود خطة السلام، والقاهرة تجس نبض الإدارة الأميركية حيال نواياها في ليبيا.
الثلاثاء 2018/08/07
زيارة في توقيت حساس

القاهرة – وصل سامح شكري وزير الخارجية المصري، الاثنين، إلى الولايات المتحدة لإجراء مباحثات مع نظيره الأميركي مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، في زيارة يتوقع مراقبون أن تؤرخ لمرحلة جديدة من التفاهمات السياسية بين البلدين.

تأتي زيارة شكري استجابة لدعوة ووجها له بومبيو قبل نهاية الشهر الماضي، بهدف تعزيز التنسيق في عدد من القضايا الإقليمية، بعد أن لاحت في الأفق ملامح تحسن، افتقدت إليها القاهرة مع واشنطن الأشهر الماضية.

وأفرجت الولايات المتحدة عن مساعدات عسكرية لمصر بقيمة 195 مليون دولار، تعود إلى العام المالي 2016، كانت حجبتها بسبب مخاوف تتعلق بسجل القاهرة في مجال حقوق الإنسان، ورأت أن مصر اتخذت خطوات دفعتها إلى الإفراج عنها دون أن تفصح عن طبيعتها.

وذكرت الخارجية المصرية أن الزيارة تشمل عقد لقاءات مع كبار المسؤولين ورؤساء شركات تستثمر في مصر، وشخصيات عاملة في مراكز البحث معنية بالعلاقات مع القاهرة ومنطقة الشرق الأوسط.

ويدفع التداخل المصري مع العديد من القضايا الإقليمية واشنطن إلى فك الجمود الذي خيم على العلاقات مؤخرا، وهو ما ظهر خلال تنظيم لجنة الشرق الأوسط بالكونغرس الأميركي لجلستي استماع الشهر المنقضي، ارتبطتا بشكل مباشر بتقييم العلاقات مع القاهرة ومدى أهمية التعاون معها في تسوية القضية الفلسطينية والأزمة الليبية ومكافحة الإرهاب.

وبدا واضحا أن هناك تغيرا في النظرة الأميركية التي أضحت ترى ضرورة في التوظيف السياسي للقاهرة لحل بعض الأزمات الساخنة في المنطقة، والتي لدى مصر رؤية فيها تقوم على ضرورة التسوية السياسية.

وتدرك الولايات المتحدة أن عدم انخراط مصر في صراعات مسلحة إقليمية، يمنحها ميزة مع بدء تداول أفكار جادة للحلول السياسية، والرهان على المفاوضات لإنهاء بعض الأزمات.

القاهرة تسعى كي يكون إعلان الدولة الفلسطينية مرتبطا بالسيطرة الكاملة للسلطة على المنطقتين “باء” و“ألف”

وقالت مصادر دبلوماسية لـ”العرب” إن القضية الفلسطينية على رأس مباحثات الجانبين، وأن هناك توافقا صاعدا بشأن الوصول إلى حل في أقرب وقت ممكن، يساهم في تخفيف حدة التوتر على المستوى الداخلي الفلسطيني أو على مستوى العلاقة مع إسرائيل.

وأضافت أن المشاورات التي استؤنفت مؤخرا بين البلدين، أفضت إلى اقتناع الولايات المتحدة بإدخال تعديلات على رؤيتها حول صفقة القرن، وإعادة النظر في بعض بنود الصفقة بما يراعي بعض الخصوصية الفلسطينية والعربية.

وأكدت أن جولة المصالحة التي تقودها القاهرة بين حركتي فتح وحماس، ورعاية جولة التهدئة بين الأخيرة وإسرائيل وتخفيف المعاناة عن المواطنين وفك الحصار عن غزة، حظيت بمباركة أميركية وأممية.

وكشفت لـ”العرب” أن شكري سيناقش بعض البنود المرتبطة بـ”صفقة القرن”، وتتعلق بالخطوط العريضة التي تعتمد عليها التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، ومنها مراعاة رغبة القاهرة في أن تكون هناك حلول خلاقة لا تتقيد برؤية إسرائيل تماما، ومراعاة الحد الأدنى لحقوق الشعب الفلسطيني يمثل عملية غاية في الأهمية، لأنها تضمن تثبيت السلام.

وأشارت إلى أن القاهرة تسعى كي يكون إعلان الدولة الفلسطينية مرتبطا بالسيطرة الكاملة للسلطة على المنطقتين “باء” و“ألف”، وهما منطقتان تشكلان أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية ولا تتواجد فيهما قوات أمن فلسطينية، غير أنها (المصادر) استبعدت أن تكون هناك مفاوضات بشأن عاصمة الدولة الفلسطينية قبل إنهاء الخلافات الداخلية بين القوى الفلسطينية.

وقال عبدالمنعم سعيد، الخبير في الشؤون الدولية والأكاديمي الزائر بعدد من الجامعات الأميركية، إن واشنطن ترى أهمية في تمكين السلطة الفلسطينية من قطاع غزة، تمهيدا لتنفيذ خطة إعلان الدولة وفقا لما تضمنته التسريبات التي حوتها “صفقة القرن”، وهو ما تسعى إليه القاهرة من خلال الضغط على حركتي فتح وحماس للعودة إلى المصالحة الفلسطينية.

عبدالمنعم سعيد: واشنطن تدرك أن لا حل للصراع دون تحقيق مصالحة فلسطينية
عبدالمنعم سعيد: واشنطن تدرك أن لا حل للصراع دون تحقيق مصالحة فلسطينية

وأوضح عبدالمنعم سعيد لـ“العرب” أن الولايات المتحدة تدرك أن عدم الوصول إلى المصالحة يعني استحالة تطبيق رؤيتها لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لترسيخ دوره كقائد لحل الصراع العربي الإسرائيلي، وفقا لسياسة تتسم بالجرأة في معالجة ملفات إقليمية كالعلاقة مع كوريا الشمالية وروسيا.

ويذهب البعض من المراقبين إلى التأكيد أن الولايات المتحدة تبحث عن موطئ قدم في الملفات التي لا يتداخل فيها الجانب الروسي بشكل كبير، من هنا تولي اهتماما كبيرا بالقضية الفلسطينية، وتخشى أن تؤدي الأخطاء المتراكمة إلى منح روسيا فرصة للدخول وتحقيق تقدم جديد، يضاف إلى تقدمها اللافت في عدد من ملفات المنطقة.

وبدت القاهرة منسجمة مع واشنطن نسبيا في ضرورة إنهاء الخلافات الفرنسية الإيطالية في ليبيا، والتفرغ لمواجهة الجماعات المتطرفة.

وعلمت “العرب” من مصادر دبلوماسية أن التفاهم يتزايد بعد سلسلة من الحوارات جرت مؤخرا، وهناك قناعة مصرية بأن واشنطن سوف تمارس المزيد من نفوذها الأمني والسياسي، وربما تزيح كلا من باريس وروما، وتتقدم هي المشهد الفترة المقبلة.

وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن زيارة سامح شكري ترمي إلى توجيه دفة الاهتمام الأميركي ناحية السيطرة على الميليشيات والتنظيمات المسلحة، كمدخل أساسي للتسوية السياسية، لأن هذه الجماعات تمثل الركيزة التي تمنح بعض القوى السياسية، مثل الإخوان، سندا للاستقواء ومناهضة الحلول السياسية، حتى لو جرى القبول بها علنا.

وقال السفير حسن هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري سابقا، إن التعاون العسكري بين البلدين سوف يعود إلى طبيعته الفترة المقبلة، بعد الإفراج عن 195 مليون دولار مساعدات عسكرية، وسيكون حصول القاهرة على طائرات “درونز” لمراقبة الحدود الشرقية والغربية بكفاءة عالية، أحد علامات توثيق العلاقات.

ولم يستبعد السفير هريدي في تصريحات لـ“العرب” أن تستثمر واشنطن الدور المصري في سوريا، وقد تدخل الولايات المتحدة كداعم للهدنة التي قامت مصر بالوساطة فيها مع قوى سورية مختلفة، وبرعاية روسية، ضمن رغبتها في تقليم أظافر إيران في سوريا، وفي سياق تفاهمات أشمل يجري طبخها بين واشنطن وموسكو لحل الأزمة السورية، بما يضمن أمن إسرائيل.

2