زيارة قائد السبسي لقطر تثير جدلا سياسيا في تونس

لا تمر زيارة أي مسؤول تونسي إلى قطر دون أن تثير جدلا حادا بين الأوساط السياسية فما بالك إذا تعلق الأمر برئيس الجمهورية الذي يبدأ اليوم زيارة رسمية إلى الدوحة، حيث أعرب متابعون عن خشيتهم من أن تأخذ هذه الزيارة أبعادا أخرى نظرا لتوقيتها.
الثلاثاء 2016/05/17
زيارة يشوبها الحذر

تونس - تنظر الأوساط السياسية التونسية إلى زيارة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى قطر بشيء من الحذر المسكون بهواجس الخوف، وسط جدل متصاعد عمقته قراءات متباينة إزاء ما يمكن أن تضيفه هذه الزيارة للعلاقات بين البلدين في هذا التوقيت الذي تزدحم فيه التساؤلات في إطار سياسة المحاور التي مازالت تسيطر على المنطقة.

وأعطى هذا التوقيت الذي تزامن مع بروز بوادر استحقاقات إقليمية ودولية مرتبطة أساسا بالملف الليبي الذي يُعد واحدا من الملفات التي تؤرق تونس أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، أبعادا أخرى لهذه الزيارة التي يُخشى أن تُساهم نتائجها في خلط أوراق الدبلوماسية التونسية، عبر اصطفاف قد يتسبب في كسر التوازنات السياسية التي تقوم على المصالح المشتركة.

ويبدأ الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، الثلاثاء، زيارة رسمية إلى قطر تلبية لدعوة كان قد تلقاها من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، هي الأولى لهذه الدولة الخليجية التي شغلت الساحة السياسية التونسية خلال فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية.

وكان يمكن أن تكون هذه الزيارة مثل بقية الزيارات التي قام بها الباجي قائد السبسي منذ توليه رئاسة تونس في 31 ديسمبر 2014، والتي شملت أكثر من 14 عاصمة عربية وأجنبية، منها ثلاث عواصم خليجية هي الرياض والمنامة والكويت، غير أن تصريحات وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي التي مهد بها لهذه الزيارة، أثارت غبارا حولها ساهم في تعميق الخشية والتوجس من نتائجها السياسية قبل الاقتصادية والمالية.

زهير حمدي: زيارة السبسي للدوحة تكرس خيارات حركة النهضة

ووصف الجهيناوي في تصريحاته التي نُشرت الأحد في تونس، هذه الزيارة بأنها “تاريخية ومحطة مهمة للارتقاء بالعلاقات المتميزة بين البلدين الشقيقين”، ولكنه أكد أيضا على وجود “تطابق في الرؤى، وتنسيق بين تونس وقطر في المجال السياسي بخصوص العديد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك وفي مقدمتها الوضع في ليبيا وسوريا واليمن”.

ولم يكن هذا التأكيد على “تطابق” وجهات نظر تونس مع قطر، بعيدا عن الجدل الذي تشهده تونس بحكم التساؤلات الكثيرة بشأن العلاقة التي يجب أن تُؤسس لها تونس مع قطر وغيرها في ظل سياسة “المحاور” في المنطقة ارتباطا بالملف الليبي على وجه الخصوص.

وفي خضم هذا الجدل، لم يتردد زهير حمدي الأمين العام لحزب التيار الشعبي، والعضو بالبرلمان التونسي، في القول إن ما ذهب إليه وزير الخارجية التونسي حول “تطابق وجهات النظر مع قطر”، هو “تزييف للحقيقة والواقع، لأن العكس هو الصحيح، وبالتالي فإن ‘التطابق’ المذكور يبقى مزعوما وبعيدا عن الواقع”.

وقال لـ”العرب” إن زيارة الرئيس الباجي قائد السبسي إلى قطر، هي “زيارة تصب في خانة الدبلوماسية التي لا تتماشى مع مصالح الدولة والشعب، وبالتالي فإن الباجي قائد السبسي قد اختار العنوان الخاطئ لهذه الزيارة”.

ورغم أن السلطات الرسمية التونسية لا تُخفي تفاؤلها بنتائج هذه الزيارة، فإن زهير حمدي يرى عكس ذلك، ولم يتردد في تصريحه لـ”العرب” في اتهام الرئيس الباجي قائد السبسي بـ”الخضوع للضغوط والابتزاز السياسي الذي تمارسه حركة النهضة الإسلامية على المشهد العام في البلاد”.

واعتبر في هذا السياق، أن زيارة السبسي للدوحة “تُكرس خيارات حركة النهضة الإسلامية على الدبلوماسية التونسية، وهي بذلك استجابة لإرادة هذه الحركة التي لا تخفي علاقاتها بقطر، وبالتالي فإنها لا تخدم المصالح الوطنية، ما يتعين على الدبلوماسية التونسية تعديل بوصلة اتجاهاتها نحو الدول الصديقة”.

هشام الحاجي: أتمنى أن تؤسس هذه الزيارة لعلاقات شراكة فعلية بعيدة عن التبعية

ويُشاطر هذا الرأي الكثير من الفاعلين السياسيين في البلاد، الذين ارتفعت حدة انتقاداتهم لأداء الدبلوماسية التونسية، فيما توقع مراقبون استمرار هذا الجدل على وقع القراءات المتباينة لدوافع هذه الزيارة، ونتائجها المُرتقبة.

وبحسب المحلل السياسي التونسي هشام الحاجي، فإن هذا الجدل طبيعي خاصة وأن “موقف الرأي العام التونسي تجاه قطر يعرف انقساما حادا بين مؤيد لقطر ورافض لها بسبب دورها في تونس أو في ليبيا، بحكم دعمها المباشر والواضح لتيارات الإسلام السياسي، وخاصة منها حركة النهضة الإسلامية”.

ولكنه وصف في تصريح لـ”العرب” هذه الزيارة بأنها “مهمة بالنسبة إلى تونس، وذلك في سياق البحث عن الاستثمارات، أو لجهة التشاور حول الملف الليبي وتداعياته باعتبار أن قطر تُعتبر رقما فاعلا في المشهد الليبي”.

ولئن أعرب الحاجي عن أمله في أن “تؤسس هذه الزيارة لعلاقات شراكة فعلية بعيدة عن التبعية، وأن تأتي بالجديد لصالح تونس، لأن كل الزيارات السابقة التي قام بها الرئيس الباجي قائد السبسي، لم نلمس آثارها بعد على أرض الواقع”، على حد قوله، يبقى الجدل قائما بانتظار النتائج السياسية والاقتصادية لهذه الزيارة التي قد تُبدده، أو تزيد في حدته.
4