زيارة قبر ملك الحبشة في رمضان كالحج لدى الأثيوبيين

يقصد عشرات آلاف المسلمين سنويا مسجد النجاشي، الذي بني على أول أرض عرفت الإسلام بأفريقيا، لنيل البركة والعلاج من الأمراض، خاصة في شهر رمضان، اعتقادا منهم بأن "من زار قبر النجاشي، ملك الحبشة، وقبور الصحابة المدفونين بها كأنما زار قبر النبي محمد (خاتم المرسلين) في المدينة المنورة".
الثلاثاء 2015/07/07
عملية ترميم مسجد النجاشي من المقرر الانتهاء منها سنة 2016

يتربع مسجد النجاشي في قرية النجاشي، الواقعة على بعد 30 كلم من مدينة مقلي، عاصمة إقليم تجراي، شمالي أثيوبيا، وتعد تلك القرية أول موضع في القارة السمراء يدخله الإسلام، حينما طلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم من صحابته الهجرة إلى أرض الحبشة، في السنة الخامسة من البعثة (615 ميلادية)، وذلك بعد ما حوربت رسالته بضراوة في مكة المكرمة.

وحكم النجاشي، أصحمة بن أبهر، أرض الحبشة في الفترة بين عامي 610 و630 ميلادية، وقال عنه النبي محمد “ملك عادل لا يظلم عنده أحد”، وكانت تسمية “الحبشة” تطلق، آنذاك، على المنطقة الواقعة شمال شرقي أفريقيا، وتشمل كلا من إريتريا، والصومال، والسودان، وجيبوتي، وأثيوبيا حاليا، وأصبح الاسم اليوم قاصرا على أثيوبيا.

وتفيد المصادر التاريخية بأن النجاشي (لقب كان يطلق على حاكم الحبشة آنذاك)، أسلم بعد أن تأثر بالمسلمين المهاجرين، ودفن جثمانه في القرية المسماة باسمه في العام الـ9 للهجرة (630 ميلادية).

وتشهد القرية أهم الزيارات مرتين في العام، إحداهما في شهر رمضان، حيث يقصدها كثير من المحسنين لتوزيع صدقات أموالهم وأطعمتهم على الفقراء والمساكين، الذين يتوافدون إلى مسجد النجاشي، والأخرى في شهر محرم، حيث يقصد المريدون (أتباع طرق صوفية) المسجد لإقامة ما يطلق عليه “حولية النجاشي” تبركا وتقربا.

وفي القرية بئر حفرها المهاجرون المسلمون، يطلق عليها الأهالي اسم “ماء زمزم”، وأصبحت هي الأخرى وجهة للبركة والشفاء من الأمراض.

وتلوح مئذنة مسجد النجاشي من بعيد، وكأنما ترحب بزوار القرية، وقريبا منها تبرز القبة الخضراء لضريح الملك الذي خلد التاريخ سيرته، ومواقفه الإنسانية، ومن فوق التلة التي ينتصب عليها المسجد، يرى الزائر كنيسة “ماريام”، نسبة إلى اسم زوجة النجاشي (ماتت على الديانة المسيحية)، في مشهد للتسامح الديني الذي عرف به الشعب الأثيوبي.

وتمتد على يمين المسجد العتيق، الذي لا تتجاوز مساحته 200 متر مربع، صالة لتعليم القرآن الكريم، وتدريس علومه، وفي الجهة الأخرى، مبان تضم غرفا ومخازن لمشروعات خيرية.

وتستقبل زوار المسجد بوابة تحمل لافتة تتحدث عن الأثر التاريخي لهذه القرية، وما تحتضنه من رفات صحابة النبي محمد، وتقودهم اللافتة إلى ساحة متسعة، محاطة بسور صخري، تضم قبر الملك النجاشي، كما تضم الجهة اليسرى من الصرح التاريخي مقابر 15 من صحابة الرسول، 10 من الرجال و5 من النساء.

قرية النجاشي تضم مسجدا وكنيسة يعكسان واقع التسامح الديني الذي عرف به الشعب الأثيوبي

وتعلو قبر النجاشي ستارة خضراء، كتبت عليها الآية القرآنية: “أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”، وخلفه توجد المقبرة الكبرى لأكثر من 1400 من الأئمة والمشايخ وحفظة القرآن، فضلا عن مقابر الصحابة، التي تعتبر أول مقابر للمسلمين في أثيوبيا وأفريقيا.

وروى الشيخ محمد زينو، المشرف على المسجد والمباني المحيطة به، قصة بئر تعود إلى زمن المهاجرين المسلمين الأوائل، قائلا “لما جفت الأرض، وانعدم الماء عن قرية النجاشي وما حولها، نزل المهاجرون إلى الوادي القريب من القرية بوصية من الرسول محمد، وهو المكان الذي حطت به رحالهم عند قدومهم إلى الحبشة، حيث بدأوا بالتكبير والتهليل، وسألوا الله السقيا، ثم حفروا الأرض”.

وتابع “ما إن ضربوا الأرض، تفجرت عين ماء ما زالت تجري إلى يومنا هذا، ولم تعرف النضوب، بل أصبحت مزارا على غرار العين المباركة الجارية بمكة المكرمة (ماء زمزم)”.

وتنتشر الطرق الصوفية بكثرة في أثيوبيا وتكاد تكون الدولة الأفريقية الأبرز في هذا الإطار، حيث تقام بها حوليات (تجمعات دينية) على مدار السنة، ويأتي الناس من كافة أرجاء البلاد ومن خارجها، للمشاركة في تلك المناسبات، ومن أكبر تلك الحوليات “حولية النجاشي”، التي تقام في العاشر من شهر محرم من كل عام، وقد ابتكرها الشيخ عمر أبرار، أحد علماء الدين بأثيوبيا.

ويصل عدد زوار القرية في مناسبة عاشوراء، التي تصادف 10 محرم من كل عام، إلى قرابة 200 ألف زائر سنويا.

ويوجد بمدينة مقلي وضواحيها 25 مسجدا، إلى جانب المصليات والزوايا (مساجد صغيرة) المنتشرة في أحياء المدينة وقراها، ويمثل المسلمون في إقليم تجراي 15 بالمئة من إجمالي سكان الإقليم.

يذكر أن 3 دول بخلاف أثيوبيا تدعي أنها صاحبة شرف استقبال أول ظهور للإسلام في أفريقيا، وهي الصومال، والسودان، وإريتريا، والأخيرة تؤكد الشواهد التاريخية أن سواحلها استقبلت وفد الصحابة إلى الحبشة، الذين بلغ عددهم آنذاك 83 صحابيا و19 صحابية.

20