زيارة ماكرون إلى تونس بلا مفاجآت

خلفت الزيارة التي أداها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تونس حالة من الاستياء بسبب عدم استجابتها لتطلعات تونس الاقتصادية ما جعل كثيرا من المراقبين يصفونها بالزيارة التقليدية التي لم تخرج عن سياق الزيارات السابقة التي أداها رؤساء فرنسا إلى تونس.
الجمعة 2018/02/02
زيارة أسعدت ماكرون أكثر من التونسيين

تونس - أنهى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارته إلى تونس الخميس، مخلفا استياء في صفوف التونسيين الذين راهنوا على هذه الزيارة لإنعاش الاقتصاد المتهالك والتخفيف من عجز موازنة الدولة وتوفير التنمية للجهات من خلال مشاريع فرنسية منتجة للثروات ولمواطن الشغل.

وأجمع مراقبون على أن الزيارة لم تخرج عن سياق الزيارات التقليدية السابقة لرؤساء فرنسا.

وأفادت الأوساط المقربة من قصر قرطاج بأن زيارة ماكرون يطغى عليها البعد الدبلوماسي والسياسي أكثر من البعد الاقتصادي والتنموي التي تحتاجه تونس للخروج من أزمتها.

ورافق الرئيس الفرنسي وفدا وزاريا يتكون من وزراء الخارجية والتربية والاقتصاد والتعليم العالي. كما رافقه وفد من رجال الأعمال والمستثمرين يمثلون 20 مؤسسة استثمارية في مسعى إلى تشخيص أزمة البلاد الهيكلية والبحث عن مدى إمكانية إطلاق مشاريع استثمارية.

وتعتبر علاقات فرنسا بتونس علاقات عريقة سياسيا وثقافيا واقتصاديا إذ تعد باريس الشريك الاقتصادي الأول حيث تستحوذ على نحو 70 بالمئة من المبادلات التجارية.

ودعا الرئيس الفرنسي الخميس، الشركات الفرنسية إلى العودة للاستثمار في تونس بهدف مضاعفة الاستثمارات الفرنسية في هذا البلد بحلول 2022 ومساعدته على النهوض باقتصاده.

وقال ماكرون أمام مجلس النواب التونسي إن الهدف هو “مضاعفة الاستثمارات الفرنسية في تونس خلال خمس سنوات، خلال فترة ولايتي”.

وأضاف “لقد أكدت العديد من الشركات رغبتها في الاستثمار” من دون تفاصيل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن وفد رجال الأعمال والمستثمرين الذي يرافق ماكرون ليس في حاجة إلى زيارة تونس حتى يشخص أوضاعها فالمستثمرون على دراية دقيقة وواضحة بها ربما أكثر من نظرائهم التونسيين وحتى السلطات الرسمية.

من الصعب أن يجازف الفرنسيون خلال هذه الفترة بإطلاق مشاريع استثمارية كبرى ومنتجة، والمراهنة عليهم إفراط في التفاؤل

وشدد عبدالوهاب تقية الخبير الاقتصادي على أنه “كل ما في الأمر أن المستثمرين سيتأكدون من أن مناخ الاستثمار في تونس غير ملائم حاليا نتيجة هشاشة الأوضاع″.

وقال تقية “من الصعب أن يجازف الفرنسيون خلال هذه الفترة بإطلاق مشاريع استثمارية كبرى ومنتجة، وبالتالي فإن المراهنة عليهم تبدو مفرطة في التفاؤل إلى حد الأوهام”.

وقالت مصادر من الرئاسة التونسية إن تصريحات ماكرون مهمة وتعكس عراقة ومتانة العلاقات بين البلدين الشريكين، لكن مضمونها يبقى دون تطلعات تونس خاصة الاقتصادية، وأن “اللحظة التاريخية” تفرض الارتقاء بعلاقة البلدين من طابعها التقليدي إلى شراكة استراتيجية”.

والأربعاء أعلن ماكرون عن إحداث صندوق مخصص لدعم المستثمرين الشبان بقيمة 50 مليون يورو وعن قرض لإصلاح مؤسسات القطاع العام وتحويل نحو 30 مليون يورو من الديون إلى استثمارات.

وتواصل فرنسا التزامها بمنح تونس 1.2 مليار يورو طيلة خمس سنوات، تضاف إليها وعود الاتحاد الأوروبي بمنحها هبات تقدر بـ300 مليون يورو سنويا.

وفي ظل حاجة تونس إلى نحو 400 مليون يورو لتغطية عجزها المالي، تبدو الإجراءات المالية التي أعلنها ماكرون مساعدات محدودة إذ لا تتجاوز نسبة 30 بالمئة من حاجات البلاد ولا تعكس الهالة الدبلوماسية والسياسية للزيارة.

واعترف الرئيس الفرنسي في ختام كلمته الموجهة لنواب البرلمان التونسي بمسؤولية الدول العظمى وفي مقدّمتها فرنسا والولايات المتّحدة الأميركية وبريطانيا، وتعكّر الوضع الأمني في تونس نتيجة التدخّل الأجنبي الذي وصفه بغير المدروس في ليبيا للإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي في العام 2011.

وشدّد ماكرون على وجوب أن تتحمّل هذه الدول العظمى مسؤوليتها التاريخية في إصلاح ما يمكن إصلاحه بمساعدة التجربة الديمقراطية التونسية التي قال إنها الوحيدة في المغرب العربي والشرق الأوسط السائرة على طريق النجاح.

وفي علاقة بمشاكل دول شمال أفريقيا المطلة على البحر الأبيض المتوسّط، عرّج الرئيس الفرنسي على ملف الهجرة غير الشرعية ، قائلا “بسبب أنانيّتنا.. تحوّل البحر المتوسّط إلى مقبرة للعديد من الشبان والعائلات”.

ويرى مراقبون في تونس وليبيا أن لزيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس مطامع إقليمية أولها دعم مساعي باريس لحلحلة الأزمة الليبية.

وقال خالد الغويل الناشط السياسي والخبير الليبي لـ”العرب” إن “هذه ليست المرّة الأولى التي يعترف فيها الرئيس الفرنسي منذ تسلّمه مقاليد الحكم في بلاده بالدور الكبير الذي لعبته فرنسا في تخريب ليبيا وإغراقها في مستنقع الفوضى وخاصّة تنامي الجماعات المتطرّفة بها منذ العام 2011”.

وقال الغويل “نثمّن اعتراف الرئيس الفرنسي بدور بلده في تخريب ليبيا، لكن نحن نطالب بتعويضات عن كل الخسائر الناتجة عن ذلك ”.

ويرى الناشط الحقوقي التونسي مصطفى عبدالكبير أن اعتراف الرئيس الفرنسي لا يكفي تونس أو ليبيا بل يجب أن تتبعه خطوات عملية خصوصا أن تونس خسرت منذ سنة 2011 ضعف ميزانيتها بسبب تضرّرها من الفوضى التي عمّت الجارة ليبيا والتي كانت تمثّل أهم متنفس اقتصادي للتونسيين.

4