زيت "النضوح" اخضرار يلون خريف الجنوب التونسي

الاثنين 2014/11/10
تمر عملية استخراج زيت النضوح بعدة مراحل دأبت النساء على اتباعها

صفاقس(تونس)- بدأ موسم جني الزيتون في الجنوب التونسي منذ الأيام الأولى من شهر نوفمبر الحالي لكن طريقة عملية عصر حبات الزيتون في منطقة الشعال الواقعة بمحافظة صفاقس مختلفة ومميزة.

مع تباشير الصباح الأولى، تنطلق الخالة خديجة بن سعد رفقة عدد من أفراد عائلتها، نحو غابة الزيتون بمنطقة الشعال من محافظة صفاقس جنوبي تونس يحدوهم الأمل والنشاط والرغبة في الإبحار بين أغصان أشجار الزيتون الخضراء المنمقة بحبات سوداء وخضراء ممتلئة تسر الناظر.

ثم تتسارع أياديهم السمراء النحيلة نحو جني أكبر عدد ممكن من حبات شجرة الزيتون المباركة قبل أن يعودوا أدراجهم نحو المنزل بعد بضع ساعات من العمل حاملين ما يزيد عن 30 كيلوغراما من حب الزيتون، حيث تتم عملية عصر حبات الزيتون بطريقة يدوية واستخراج ما يطلق عليه في تونس اسم “زيت النضوح” أو زيت “العصرة الأولى”، الذي يعتبر من أفضل وأجود أنواع زيت الزيتون مذاقا وقيمة غذائية، كما يتميز باخضرار لونه وقوة رائحته.وتعتاد الخالة خديجة جني الزيتون خلال فترة جني هذه الثمرة بتونس، والتي تبدأ في شهر نوفمبر وتنتهي في فبراير.

وإنتاج لتر واحد من زيت النضوح بواسطة الطريقة التقليدية، يتطلب خمسة كيلوغرامات من حب الزيتون على أقل تقدير، كما جاء على لسان الخالة خديجة. ويدفع نفاد مخزون أغلب العائلات من زيت الزيتون إلى اللجوء إلى الطريقة التقليدية حتى توفر حاجتها من هذا السائل الذهبي ذي القيمة الرفيعة والفائدة الكبيرة.
زيت "النضوح" يتميز باخضرار لونه وقوة رائحته

وبعد جمع حبات الزيتون والعودة بها إلى المنزل، “توضع بكميات محددة على قطعة صغيرة من الرخام تبلغ مساحتها مترا مربعا، ثم يؤتى بصخرة كبيرة الحجم لها شكل دائري يطلق عليها اسم ‘الكرد’ تتكون من مادة الجبس والحصى، ويتم بواسطتها عملية طحن الزيتون بصفة يدوية، حيث نمرر الصخرة على جل حبات الزيتون المتواجدة على رقعة الرخام، وتسمى العملية لدى التونسيين ‘التقرقيب’” أي الطحن، حسب الخالة خديجة. وأضافت: “بعد ساعة من ‘التقرقيب’ نحصل على عجين اختلطت فيه حبات الزيتون بنواتها”.

ويعود استعمال الصخرة المسماة “الكرد” إلى العهد الروماني، حسب ترجيح الباحث في التاريخ، يوسف الشرفي. وقال الشرفي إن “الحجر الذي يستعمل في طحن الزيتون يجلب جله من منطقة القطار بمحافظة قفصة، جنوب غربي تونس”.

بعد مرحلة “التقرقيب”، “يقع تجميع العجين في إناء صغير وعجنه مجددا باليد المجردة فقط حتى يصبح أكثر تماسكا ولزاجة ويفرز ما به من زيت”، على حد قول الخالة خديجة التي أضافت: “مدة هذه العملية تستغرق بين نصف ساعة وساعتين، حسب كمية الزيتون الموجودة، قبل أن نتحول إلى المرحلة الثالثة والأخيرة التي تسمى ‘الطفح’، حيث يتم خلالها نقل العجين مرة أخرى إلى إناء أكبر حجما ثم يقع سكب الماء عليه بمقدار 20لترا على أقصى تقدير ونشرع في فرك العجين يدويا حتى يتحلل وسط الماء ويخرج ما فيه من زيت يطفو شيئا فشيئا فوق الماء وتترسب بقية الشوائب في القاع”. ولفتت خديجة إلى أن عملية فرك العجين لدى الفلاحيين التونسيين تسمى “التفوتير”.

ومع صعود الزيت وتجمعه فوق الماء، يتم أخذه بحفنة اليد وبحركات مدروسة تقوم بها الخالة خديجة، ثم يسكب الزيت في مصفاة لينساب عبرها نحو إناء يوضع أسفل المصفاة تاركا وراءه بعض الشوائب العالقة بالثقوب الصغيرة.

وتتكرر هذه العملية عدة مرات حتى يستنفد عجين حبات الزيتون ما به من زيت، ويسكب جله داخل إناء صافيا خاليا من جل الشوائب العالقة به زاخرا بالفوائد الصحية ويميل لونه إلى الخضرة البراقة وتنبعث منه رائحة قوية. وقالت الخالة خديجة: “العائلة التونسية، وخاصة الريفية، لا يمكن أن تستغني عن ذخيرتها من الزيت طوال السنة، فزيت الزيتون غذاء ودواء”.

وبخلاف الطريقة التقليدية في إنتاج الزيت، توجد طريقة أخرى ضاربة في القدم، وهي عصر حبات الزيتون دهسا بالأقدام، وأيضا طريقة الرحى التقليدية، وهي عبارة عن قطعتين مستديرتين من الحجر توضع بينهما حبات الزيتون وتداران باستمرار حتى تعصر حبات الزيتون، حسب يوسف الشرفي.

وبخصوص فوائد “زيت النضوح”، قال مهندس التغذية هشام مزيد: “لزيت الزيتون فوائد متعددة، فهو يسهل الهضم ومفيد للقلب والأمعاء والمعدة والحنجرة”. وأضاف مزيد: “زيت الزيتون بصفة عامة و’النضوح’ بصفة خاصة، إضافة إلى منافعه، له فوائد إيجابية للجلد والبشرة”.

يقع تجميع العجين في إناء صغير وعجنه مجددا باليد

وتحتل الفلاحة، وخاصة زيت الزيتون، مكانة كبيرة في اقتصاد محافظة صفاقس، حيث تمسح الأراضي الزراعية 85 بالمئة من أراضي المحافظة، كما تنتج صفاقس 40 بالمئة من الإنتاج التونسي من زيت الزيتون، وتحتل منطقة بئر علي بن خليفة التابعة لمحافظة صفاقس المرتبة الأولى عالميا في إنتاج الزيتون البيولوجي.

وتعد تونس رابع منتج للزيت في العالم. كما يعود تاريخ غراسة أشجار الزيتون إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهي اليوم تحتل أكثر من ثلث المساحة المخصصة للنشاط الفلاحي. والزيتون أنواع وأصناف، من بينها “الشملالي” و”المسكي”، و”البسباسي” و”المرصلين”، و”الوسلاتي”، و”الزلماطي”.

ومن المتوقع أن يتضاعف الإنتاج الوطني التونسي لزيت الزيتون خلال الموسم الحالي 2014 /2015 ثلاث مرات مقارنة بالموسم الفارط ليصل حسب تقديرات وزارة الفلاحة إلى ما بين 265 و285 ألف طن، ولكن يبقى أهم مشكل هو النقص الحاد لليد العاملة المختصة على الرغم من ارتفاع أرقام البطالة بالبلاد التونسية.

ويعود نقص اليد العاملة المختصة بالأساس إلى الهجرة المكثفة للعمال نحو القطر الليبي، بالإضافة إلى عزوف الشباب عن ممارسة العمل الفلاحي وعدم تخصصه فيه. يذكر أن ما يقارب 500 ألف أسرة تعتمد على صناعة زيت الزيتون، بالإضافة إلى أكثر من 1600 معصرة تنتصب بكامل أنحاء الجمهورية التونسية.

وفي جانب آخر، اتخذت الوزارة جملة من الإجراءات لحماية المنتوج من الزيت، على غرار تشديد الرقابة الأمنية على المناطق المعرضة للسرقة والنهب والتهريب، خاصة منها الأراضي الدولية والمقاسم الفنية.

20