زيرماتيزم

"الزيرماتيزم" لا تقسّم البشر إلى سلالات، بل إلى ثقافات في التخلف أو التطور، في القبح أو الجمال، قد تظهر في أفريقيا أو في آسيا أو في أوروبا وأميركا بغض النظر عن لون البشرة.
الجمعة 2019/07/19
"الزيرماتيزم" التفسير الوحيد للواقع العربي السعيد

  أهدت الحياة، ذات يوم، حظا رائعا لرسام بولندي شاب، فانتشرت أعماله وزادت من شهرته هجرته إلى أميركا التي رحب به نقادها، لكنه قرر أن يعود إلى بلاده ويصبح نجم النجوم فيها، حتى أنه أسس حزبا سياسيا قائما على أفكاره الفنية. ومن فرط ثقته بنفسه كان يعتقد أنه أعظم فنان وفيلسوف ظهر على وجه الأرض، وكان يسخر من بيكاسو ويلقبه بـ”بيغ آس هول”.

حتى جاء اليوم الذي رنّ فيه الهاتف في مرسمه في وارسو، وكان المتحدث على الجانب الآخر واحدا من كبار المسؤولين في ألمانيا. قال له محدّثه إن “الفوهرر أدولف هتلر معجب بأعمالك ويريدك أن تصنع له تمثالا”. فرحّب الشاب، وأرسل تصاميمه إلى برلين. وإذا بالفنان الشاب قد صنع تمثالا لهتلر على شكل راقصة باليه. وحين غزا الجيش الألماني بولندا كان أول هدف للقصف هو مرسم هذا الفنان، الذي تعرّض للدكّ العنيف حتى دمرت جميع أعماله التي أنجزها في حياته الفنية.

 هرب إلى أميركا من جديد، ليجد أنها قد نسيته تماما. فعمل حارسا ليليا ينظف الأرض في المصانع، وحين استنفد جميع الفرص بقي عاطلا عن العمل مهملا بلا نفع، أجنبيا في أميركا، متعجرفا مرفوضا في بولندا حتى بعد نهاية الحرب.

وخلال 40 سنة من النسيان قام صاحبنا بجمع مئات الآلاف من القصاصات والصور ورسم أكثر من 40 ألف تخطيط توضيحي. وفجأة أعلن أنه اكتشف نظرية في تفسير التاريخ لم يسبقه إليها أحد، لتردّ على جميع النظريات التي تحدثت عن الأعراق والتطور. إنها “الزيرماتيزم” المشتقة من الجيولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم اللغة وعلم الحيوان والأنثروبولوتيك، نظرية مثيرة لكل من يريد أن يرى كيف تحوّلنا، قبل أن نصل إلى صورتنا الحالية، من صور عديدة ظهرت في جزيرة “القيامة” النائية وسط المحيط الهادي. وقد توصل مبتكرها بالفعل إلى نظام واحد للرموز تشترك به البشرية مهما تباعدت المسافات ما بين الشعوب. إنها لغة “البروتونغ”.

 “الزيرماتيزم” لا تقسّم البشر إلى سلالات، بل إلى ثقافات في التخلف أو التطور، في القبح أو الجمال، قد تظهر في أفريقيا أو في آسيا أو في أوروبا وأميركا بغض النظر عن لون البشرة، تشابهات جينية في اللغة والوشوم والموسيقى أينما كان.

إذا بحثت عن هذا الرجل بالعربية فلن تجد عنه شيئا، لكن نظريته تلك تنتشر اليوم في التصاميم المجنونة وشخصيات أفلام الخيال العلمي والألعاب الإلكترونية التي يتداولها الفتيان العرب في كل بيت، دون أن يدركوا أنها من ابتكار ذلك المنسي الرهيب ستانسلاف شوكالسكي الأب الروحي لـ“الزيرماتيزم” التفسير الوحيد للواقع العربي السعيد.

24