زيف الإنجازات إحساس غير مبرر يلازم المتفوقين

اختصاصيون يرون أن المشاعر السلبية قد تتسلط على عدد كبير من الأشخاص وهي ليست نادرة.
الخميس 2018/11/15
العلاج النفسي حل لتسلط المشاعر السلبية

لمجرد تفوقنا في العمل من دون مشقة كبيرة، فهذا يستدعي قلقنا وخوفنا من أننا قد نكون حصلنا على نجاح لا نستحقه. يشاركنا في هذا الشعور المزعج ملايين من البشر، فالعاملون في مختلف الاختصاصات وحتى الآباء قد يساورهم الشك في إمكاناتهم حالما يحصلون على نتائج مشجعة ونجاحاً لافتاً في حياتهم، خاصة إذا كان هذا النجاح حصل بطريقة غير معقدة ولم يستدع جهداً لافتاً.

يعتقد بعض كبار الكتّاب، والموسيقيين، وحتى متخصصين ناجحين في مجال الاقتصاد والأعمال، بأن كل ما حصلوا عليه من إنجازات وكل أعمالهم الناجحة لا تمثل شيئاً يذكر وبأنهم يبيعون الوهم للناس، وسيأتي اليوم الذي يكتشفون فيه مدى تلفيقهم لهذه الأعمال وهو إحساس داخلي لا تفسير له يمكنه أن يسيطر على فئة معينة من الناس، فيعيشون جراءه أجواء خوف وقلق مزعجين خشية أن يكتشف الآخرون بأن نجاحهم مجرد زيف ووهم سيتم اكتشافه عاجلاً أم آجلاً.

وترى د. ديان بارث؛ وهي طبيبة أميركية واختصاصية في التحليل النفسي تقود مجموعة دراسات خاصة في نيويورك، بأن هذا القلق مرده اضطراب نفسي أو عقلي لكن لم يتم تحديد ماهيته أو لم يتم التمكن من تشخيصه في الدليل التشخيصي والإحصائي المعتمد للاضطرابات العقلية.

وينتاب بعض الناس القلق من كونهم غير جيدين كما يظنهم الآخرون أو مخادعين ومزيفين، بصورة ملّحة ومزعجة تم التعريف بها ووصفها كحالة نفسية من قبل العديد من المتخصصين في مجال علم النفس.

 وتم التطرق إليها للمرة الأولى في مقال لأحد علماء النفس في العام 1975، وذلك استناداً لنتائج دراسة لأوضاع 150 سيدة حققن درجة عالية من النجاح المهني.

وشملت نجاحاتهن شهادات دراسية رفيعة المستوى، وأوسمة مدرسية، وإنجازات عالية في الاختبارات المعيارية إضافة إلى ثناء واعتراف بتفوقهم من قبل زملائهم في المهنة والسلطات المعنية.

وأثبتت نتائج الدراسة وجود مستويات كبيرة من القلق وعدم الثقة بالنفس، مردها شعور هؤلاء السيدات بأنهن غير جديرات بالنجاح وبأنهن مزيفات في إدعاءاتهن التفوق والإنجاز الفريد.

وكان يعتقد بادئ الأمر بأن شعور السيدات، مرده مشكلة اجتماعية وثقافية تتعلق بنظرة المجتمع إلى المرأة الناجحة عموماً، لكن الدراسات اللاحقة أظهرت أن النساء لسن وحدهن ضحية هذا الشعور بل يشاركهن عدد من الرجال الذين يواجهون المشاعر ذاتها.

وتشير الوقائع إلى أن ألبرت أينشتاين؛ عالم الفيزياء الفذ، عانى من تسلط هذه المشاعر، لأنه كان يعتقد بأن عمله لم يكن يستحق كل مظاهر الجلبة والتعظيم والاهتمام الذي أحاط به. لهذا، يبدو أن هذا الشعور أمر شائع ومتواتر في حالات متشابهة.

البعض ينتابهم القلق من أنهم غير جديرين بالنجاح
 البعض ينتابهم القلق من أنهم غير جديرين بالنجاح 

ووفقاً لعلماء الاجتماع، فإن أحد أسباب هذا الشك الذاتي ترجع لكون أنه لا يوجد لدى المرء أي مقياس ثابت يسمح له بالقول بثقة “لقد أنجزت ما يكفي لأشعر فعلاً بأنني شخص ناجح حقاً”، فهناك دائما الكثير الكثير مما يمكننا القيام به بصرف النظر عن الحدود التي ترسمها لنا أهدافنا. كما تبرز صعوبة أخرى في تفهم هذه الحالة؛ حيث يعتقد بعض الأشخاص في مجال وظيفي معين أو حتى الطلاب الذين يدرسون في اختصاص واحد، بأن مشاعر الرفض الذاتي أو الشك الذي يراودهم حيال أنفسهم والإنجازات التي يحققونها والنجاح الذي يبدو باهتاً ومزيفاً، إنما هو سمة خاصة بهم وإنهم الوحيدون الذين يخضعون لهذه المعاناة في الوقت الذي يبدو فيه أقرانهم في كامل توازنهم النفسي، وفي تأقلم تام مع حياتهم وعملهم.

وهذا بالطبع أمر غير واقعي، حيث أن بعض الاختصاصيين يرون أن هذا النوع من المشاعر السلبية قد تتسلط على عدد كبير من الأشخاص وهي ليست نادرة بطبيعة الحال.

من جانبها، تؤكد ديان بارث على أن العمل الشاق أمر واجب وضروري لصقل الموهبة، لكن من المهم أن نتذكر بأن بعض المواهب يمكن أن تذلل الصعوبات، وما قد يجده بعض الأشخاص أمراً مستحيلاً وعسيراً ليس بالضرورة أن يكون كذلك لدى من حباهم الله بمواهب عظيمة. لهذا، يشعر بعض الموهوبين بأن النجاح الذي يحصلون عليه من دون جهد يذكر هو نجاح مزيف وبأن صاحبه مدع وغير جاد، في حين أن الحقيقة ليست كذلك.

إلى ذلك، ربما يؤدي الخوف من ردود أفعال الآخرين على نجاحنا إلى شعورنا بأننا نخدعهم؛ تماماً مثل سيدة مسنة تجيب على ثناء إحداهن على فستانها بالقول “آه.. أنت تحبين لون فستاني هذا؟ لا أعتقد بأنني أبدو فيه جيدة على الإطلاق”! وهذا في الحقيقة هو ما يفعله بعض الأشخاص لتجنب ردود الفعل على نجاحهم، من خلال إنكار هذا النجاح عن طريق التقليل من شأنه أو الانجرار تحت وطأة الشعور بالذنب أو بأنه مزيف، والأغرب من كل هذا، أننا لا ندرك في أغلب الحالات السبب وراء ذلك أو أننا نسلك ونشعر بذلك بصورة لا إرادية.

فما هي الطريقة المثلى للتعامل مع شعور مزعج كهذا؟

ينصح علماء النفس من يعاني من تسلط هذا الشعور عليه في أوج لحظات نجاحه، أن يتحدث عنه للآخرين، هكذا ببساطة! أن نخرج مشاعرنا للعلن فتكف عن أن تكون نادرة وخاصة، وبالتالي، فإنها الطريقة الوحيدة لنتعرف إلى الأمر كونه أصبح ظاهرة، يشاركنا فيها العديد من الأشخاص في محيطنا المهني والاجتماعي وليس أمراً يتعلق بنا بالضرورة.

وتقول بارث “ستجد بعض الأشخاص الذين تكن لهم الاحترام والتبجيل وتعتقد بأنهم يتمتعون بالكفاءة والنجاح والثقة الكبيرة بالنفس، واقعين بالفعل تحت وطأة هذا الشعور الخانق، حينها ستدرك بأنك لست وحيداً وبأنك لا يمكن أن تكون مثالياً ولن يطلب منك أحد أن تكون كذلك، أنت ببساطة إنسان عادي مثل الجميع”.

21