زيكا "قرفان مننا"

الأحد 2016/02/14

قديما قالوا لنا إن المصريين فراعنة، البعض فسرها على أنهم أصحاب أمجاد أو ربما قدماء قدم الحضارة ذاتها، لكن المعنى أخذ منحى آخر بعد ذلك، وهو أننا لا يؤثر فينا شيء مثل الأهرامات وأبو الهول ومعبد الكرنك.

كلها صامدة أمام عوامل التعرية والرياح والأتربة منذ آلاف السنين، معدتنا تهضم الزلط، لو أكل الأجانب ما نتناوله في مصر سيضطرون لإجراء غسيل معدة.

مناسبة هذا الكلام هو ما ردّدته وزارة الصحة المصرية مؤخرا عن عدم إمكانية وجود البعوضة المسببة لفيروس زيكا الخطير في بلادنا، والسبب عجيب، ليس لأن السلطات نجحت في اختراع تطعيم ضده أو لقاح قادر على القضاء عليه نهائيا، ولا لأنها فرضت حظرا دقيقا على القادمين للبلاد من الخارج، حيث يتم عزل الحالات المشتبه بها من دخول أراضينا، فالسبب إلهي، الفيروس لا يعيش إلاّ في مياه نظيفة، والمعنى أن الحكومة المصرية اعترفت للدنيا كلها أن المواطنين يشربون أقذر مياه في العالم.

ورغم أن المتحدث باسم وزارة الصحة نفى أن يكون الفيروس موجودا في مصر، إلاّ أن الوزير نفسه أحمد عمادالدين أكد أنه موجود بمحافظتي المنيا وأسيوط، كما أن البعوضة المسببة له داخل البلاد حاليا.

وفورا انتشرت حالة بشعة من الهلع بين المصريين عقب تصريح الوزير، فاضطر الرجل إلى التراجع بشكل فاقم الأمور بدلا من أن يهدئ النفوس، فقد أعلن سيادته أن وجود البعوضة لا يعني بالضرورة انتشار الفيروس، لأنها تنقل المرض فقط عندما تلدغ شخصا مصابا به، وطالما لا يوجد مصابون فإن الأمر غير مقلق.

ولأن المصريين يهوون التنكيت حتى في المصائب، فقد انتشرت تعليقات على الفيسبوك والتويتر تقول إن زيكا الذي يرتعد منه العالم وتخاف منه السيدات الحوامل خصوصا في الأشهر الأولى من الحمل، يخاف على نفسه من دخول مصر لأن المياه العذبة فيها فاسدة، وهو لا يحيا إلاّ في ماء نظيف وصالح للشرب!

معنى ذلك أن الماء الذي نستخدمه لقهر العطش والطهي يأنف أن يقترب منه الفيروس، إذن نحن نشرب ماء يختلط بمياه المجاري والبرك والمستنقعات..

زيكا بصراحة “قرفان” من المياه التي نشربها ويخشى على نفسه، وإذا تجرأ ووصل هنا، فسيصاب هو الآخر بالمرض، فآثر السلامة وعدم القدوم، ويبدو أن بعوضة أو أكثر وصلت مصر على سبيل الاستكشاف فوقعت في المحظور، وبالتالي أرسلت وهي في النزع الأخير برقيات إلى جيوش الناموس الذي قهر العالم كله، محذرة إياهم من الاقتراب من مصر ففيها الموت والهلاك..

الحمد لله، أخيرا عرفنا فائدة كبرى للتلوث والقذارة التي نرتع فيها، حفظ الله لمصر مياهها التي تقهر كل الميكروبات والفيروسات.

24