زينب الهاشمي تستمر في تأليف لا محدودية الزمن والمساحة

فنانة إماراتية تشكّل من الكريستال مجسمات مخادعة بأبعاد صوفية.
الجمعة 2021/09/03
عمل كريستالي ملهم يجمع بين الرقة والصلابة

تُعتبر الفنانة الإماراتية زينب الهاشمي من أهم الفنانين والمصممين المعاصرين العرب. مُتابع أعمالها وتصاميمها يجدها اليوم تستمر في تقديم مجسمات فنية عامرة بأفكار شديدة المعاصرة لا زالت تهجس بها، وهي بشكل خاص: لا محدودية المكان والزمان.

حقّقت الفنانة الإماراتية زينب الهاشمي شهرة واسعة عربيا وعالميا من خلال أعمالها الفنية والهندسية بفضل موهبتها وإصرارها على إكساب نصها الفني، بكل أحواله النحتية وغير النحتية، أجواء مُعاصرة تميل إلى الابتعاد عن الجمالية البحتة.

وجاءت تلك المعاصرة جليّة إن من حيث استخدامها لمواد مختلفة كالفولاذ والزجاج والكريستال والنحاس والبلاستيك، أو من حيث الأفكار التي تطرحها في أعمالها، أو من حيث الأسلوب الذي تبنّت فيه الانفتاح على كل الاحتمالات البصرية.

إضافة إلى ذلك، فإن الدعم المعنوي وتيسير تمويل مشاريعها الضخمة ساهما في تحقيق عناصر عالمها الفنيّ دون أن تحتاج إلى اللجوء للكثير من التنازلات على حساب جمالية العمل وفكرته.

ومن المعروف عن الفنانة الإماراتية تصميمها وتنفيذها لأعمال فنية ضخمة تطلبت لأجل تحقيقها تعاون العديد من ورشات العمل، قامت بالتنسيق بين بعضها البعض.

والمعاصرة لا تتجلى ليس فقط بما ذكرناه آنفا، ولكن أيضا في قدرة الهاشمي بأن تشبّك ما بين مختلف المواد المُستخدمة الشفافة والغليظة بنجاح، وحماستها في المزج ما بين مختلف فروع الفن من تصميم إعلاني وتصميم ديكور وهندسة خارجية، وداخلية وتشكيل فني ونحت لتنجح في ذلك أيضا.

مجسمات شاعرية

أعمال الهاشمي تتميّز بتأثرها بالفن الهندسي الإسلامي وما يشمله من تفاصيل مرتبطة ارتباطا وثيقا بأفكار روحية

تتميّز أعمال الهاشمي الشاعرية بتأثرها بالفن الهندسي الإسلامي وما يشمله من تفاصيل متشابكة ولا محدودة في الأشكال المرتبطة ارتباطا وثيقا بأفكار روحية وصوفية.

أعمال متأثرة أيضا ببيئتها القبلية إن من خلال القليل ممّا عاشت وشاهدت في بلد يسير بسرعة خاطفة نحو المعاصرة، أو من خلال الكثير ممّا اضطلعت عليه بعد أن اندثر أو خفت توهجه.

همّ الهوية العربية حاضر بشكل مباشر أو غير مباشر لديها، ولعل ذلك من أجمل ما يحضر في أعمالها المعاصرة التي استخدمت فيها الكثير من مفردات الفن الإسلامي وأجوائه الصوفية فحوّلته وصقلته وأطلقته في عالم المستقبل الذي لا يستطيع أن يكون عارما وعامرا إلاّ بها.

وأعمالها الفنية التجهيزية، لاسيما تلك التي أنجزتها مؤخرا تشهد لها بأنها شغوفة بالانطلاق إلى خارج محدودية المكان، إن كان من ضمن صالة فنية أو أي مكان ترتفع من حوله الجدران، أو كان في ساحة عامة أو مكان مفتوح آخر يسهل على كل الناس رؤيته والتفاعل معه. كما تعبّر منجزاتها عن رغبة الفنانة في تخطي المنظور وصولا إلى عالم أثيريّ يتوالد من بعضه البعض.

ديناميكية مستقبلية

من أهم منجزات الهاشمي الفنية هي تلك “الكريستالية” المبنية على تركيبات هندسية تتضارب في ما بينها وتتكامل في آن واحد. وبالرغم من أن الأشكال المركبة / المتقاطعة والمتواصلة تتّسم بحدود واضحة غير أنها “بصريا”، وبسبب شفافيتها وقدرتها الهائلة على عكس الضوء الطبيعي واستقباله وتكسيره، منحتها الفنانة ديناميكية خاصة.

ونكاد نقول ديناميكية مستقبلية، لأنها أشكال ترسل انعكاساتها المتبدّلة المضيئة بعيدا عن حضورها المادي. حضور يتبدّل ظهوره وجاذبيته حسب اختلاف الضوء الذي يسقط عليه، واختلاف الليل والنهار، ووفق تبدّل ألوان الأضواء الكهربائية التي تصل إليه من أي مصدر من حوله، وإن كان مجرّد بصيص ضوء آخر يستدعيه إلى الساحة التي وضع فيها.

ثمة خاصية أخرى مهمة لهذا العمل وتتلخّص في قدرة الفنانة في، ليس الجمع، بل الدمج ما بين فن الإعلان التجاري، الذي غالبا ما يكون مدعيا وحاويا لأكاذيب كثيرة، والفن الجمالي الذي لا يكذب، بل يضيء على جانب أو أكثر من “المُنتج” هو بالغ الصدق و”الحقيقية”.

فمن المعلوم أن الفنانة صمّمت ونفّذت هذا العمل المشغول بالكريستال الصافي ليكون في دبي كتعبير عن تقدير لمساهمة شركة “كريستال سواروفسكي” في دعم الحياة الفنية الصاعدة في الإمارات.

الأعمال الكريستالية تستعرض شبكة لامتناهية من الانعكاسات المشيّدة هندسيا، حيث تُشرق العين وتتوسّع آفاقها

ولهذا العمل أهمية أخرى وهي أنه (وهو واحد من أهم الأعمال الكثيرة للفنانة التي توزّعت إلى جانب حضورها في دبي وفي بلدان عديدة نذكر منها الولايات المتحدة وبريطانيا والصين) يمتلك عدة صفات غالبا ما نجدها في أعمالها الأخرى وهي الرقة والصلابة، والبراعة في استخدام الخدع البصرية التي تظهر فكرة السقوط في الأشكال والأحجام الثابتة والثقيلة.

كما تميّز بصفات أخرى كالانفتاح والانغلاق، والتوسّع إلى خارج محيطه المباشر إن من حيث انسيابه أو امتداد الخطوط والخيوط التي تشكله جمعا أو تفريقا وانسيابا، أو لناحية فكرة التكوين لديها التي قوامها الفراغ والامتلاء في آن واحد. ويمتاز كذلك الأمر بإصرار الهاشمي على اختبار العلاقة ما بين الفني / الجمالي البحت والهندسي / العلمي الذي يذكّر بالكثير من التكوينات التي توصّل إلى معرفتها علم الفلك والرياضيات. عمل هو شبكة لا متناهية من الانعكاسات المشيّدة هندسيا تُشرق فيها العين وتتوسّع آفاقها بأثيريّتها.

وتتبوأ المرأة في الإمارات، ولاسيما منذ بداية الألفية الثانية، سيادة العالم الثقافي والفني. ويرجّح الباحثون أن أحد أهم أسباب حضورها النافذ هو أن مجال الثقافة والفنون كان مجالا حصريا “للنساء”، لأن الرجال لم يعتبروه مجالا “جديا” يُبذل فيه الجهد الفكري والعضلي والشعوري ويؤتي ثماره. وقد ساهمت هذه الأفكار بشكل مباشر في إطلاق المرأة في مجال الدراسات الثقافية والفنية العليا والإنجاز تبعا لذلك.

بدأ يتغيّر الأمر مع تقدّم السنوات، لاسيما أن الفن الذي كان في التصوّر الذكوري هو ذلك “اللطيف، الخفيف” الذي يُقدّم كنزهة ملونة في حميمية الصالات الفنية المغلقة اكتسح الساحات العامة ليس فقط بجماله، ولكن أيضا بأفكاره وصياغاته العلمية / الهندسية / الابتكارية / الفنية التي غيّرت ولا زالت تعمل على ذلك وجه مدينة دبي واهبة إياها هويتها الحالية: مدينة مستقبلية للفن المعاصر الخارج من رحم البادية والقبلية المتقوقعة.

وولدت زينب الهاشمي في العام 1986 بدبي، وتخرّجت من جامعة زايد بدرجة البكالوريوس في الآداب والعلوم، وتخصّصت في التصميم باستخدام الوسائط المتعددة.

وفي العام 2012، شاركت في برنامج الفنان المقيم الذي نظمته مؤسسة دلفينا بلندن، بالشراكة مع هيئة دبي للثقافة والفنون، وهي تتنقل بين بلدان العالم لأجل فنها ولأجل اكتساب مهارات واختبارات إضافية، ولكنها تعيش وتعمل في دبي.

Thumbnail
17