زينب شرف الدين: بيننا كتاب يدعمون الاستبداد الديني والسياسي

الأحد 2016/01/17
القصص القصيرة تناسب طبعي الذي يميل إلى الاختصار والتكثيف

"قبل صلاة الفجر" هو وقت تسوده الظلمة والصمت والسكينة، يشبه الموت. رغم ذلك، قد يكون مبعث قلق وأرق لبعض الناس. هكذا تقدم الروائية اللبنانية زينب شرف الدين لروايتها الأولى الصادرة منذ أيام عن “دار الساقي” في بيروت، والتي أنجزتها ضمن إطار “محترف نجوى بركات”، وبدعم من برنامج الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، وهي لا تكشف سرًا حين تعلن أنها لم تحقق رغبتها في الكتابة التي جعلتها تستعير قلم أخيها ظنًا منها أنه أقدر على كتابة المشاعر، وبقي بينها وبين الكتابة خيط لولا لقاؤها بنجوى بركات لم تستطع استعادته.

في حوارها مع “العرب” تقدم زينب شرف الدين نفسها للقراء بالقول: ما زالت قادرة على اللعب والاندهاش كالأطفال بالرغم من أنني تعديت الخمسين من عمري. أبحث كل يوم عن تنقية روحي، والحفاظ على عفويتي، وتعميق الحب في نفسي. كما وأحاول الالتصاق بالطبيعة والتماهي معها والحفاظ عليها. وأسعى باستمرار للتحرر من القوالب والمفاهيم الاجتماعية التي لا أقتنع بها، ولو كلفني ذلك الابتعاد عن أشخاص أحبهم.. أنا انتقائية إن كان بما يتعلق بمعشري، أو قراءاتي، بمأكلي أو مشربي. أملُّ كثيرًا من الثرثرة وأعتبرها عقابًا لا أسمح لنفسي بالرضوخ له. عندي قدرة على تغييب حاسة سمعي، عند الضرورة. وأكره العنف وأحاول أن أحرر نفسي من شوائبه، ولكن لا أستطيع الامتناع عن قتل الذباب والبرغش إذا وجد، ولا عن النظر بسخط في عيون كاذب. أتمنى لو أن القوى العظمى تدرك أن ظاهرة التعصب والعنف المستشري، لن تُحل إلا عبر نشر العدالة الاجتماعية والإنسانية.

أحب الجمال وأحاول أن أحيط نفسي به. أستمتع بالطبخ وأنظر إليه كعمل خلاق، فلا أتقيد أبدًا بوصفة ما، لذا لا يتكرر طعم طبق أعدّه مرات عدة، فكل مرّة له نكهة مختلفة.

غير ذلك، لا أحب المنافسة بتاتًا. لا يوجد عندي أسود أو أبيض، صحّ أو خطأ، إذ أميل لرؤية الأمور من مناظير مختلفة.

وأما روايتي الأولى “قبل صلاة الفجر” فإنها رواية اللايقين و“اللامحكي”. يرسم بعض الأشخاص خطة واضحة لحياتهم، ويمشون بحزم وثبات لتحقيقها. لكن قد يقع حدث ما فيقلب كل الأمور رأسًا على عقب. وفي هذه الرواية هذا ما يحدث للشخصية الرئيسية التي، يُدخلها خبر وفاة أبيها، دون إرادتها، إلى عوالم دفينة تُكتشف من خلال سبر أغوارها تارة، ومحاولة تجنبها تارة أخرى، ما قد تناسته وهي طفلة، كي تنأى بنفسها عن فجيعة لم تكن مؤهلة لإدراكها. فـ“قبل صلاة الفجر” هو وقت تسوده الظلمة والصمت والسكينة، يشبه الموت. رغم ذلك، قد يكون مبعث قلق وأرق لبعض الناس.

أستمتع بالطبخ وأنظر إليه كعمل خلاق، فلا أتقيد أبدا بوصفة ما، لذا لا يتكرر طعم طبق أعدّه مرات عدة، فكل مرة له نكهة مختلفة

ولا أخفي أني كنت محظوظة بأن نلت ثقة مواطنتي الروائية نجوى بركات وبرنامج الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق). كانت ثقة أخرجت إلى النور ولدًا رفض طويلًا مغادرة الرحم. تم اختياري، إلى جانب سبعة كتاب من أصل حوالي 400 كاتب تقدم للمنحة، من جميع أنحاء البلدان العربية. قدم لنا (آفاق) ثلاث ورشات عمل أشرفت عليها نجوى بركات، إحداها في المغرب وقد حظينا بمتعة التعرف على هذا البلد الجميل. كانت السيدة كاتيا خطار الممثلة لـ(آفاق) تعمل على توفير الراحة لنا والأجواء اللازمة للكتابة، ومساندتنا مساندة معنوية حين يحصل أيّ تعثر. ولقد وفّر (آفاق) عليّ عناء ايجاد الناشر والتعامل معه إذ أوصلت روايتي إلى أحد أهم دور النشر في بيروت، “دار الساقي”.

أما نجوى بركات فهي وقبل كل شيء إنسان شاسع القلب، متوقد الذهن، نافذ البصيرة، حساس وقوي. هي كطبيبة تفهم الخريطة الجينية للنسل المحتمل فتنقحه بأفضل الصفات وتبعد الشوائب والزوائد. إنها معلمة بحق. إضافة إلى ذلك، كان شيقًا أن أتعرف على سبعة كتاب ناشئين موهوبين من مصر والمغرب والسودان وسوريا واليمن.

وعما حققته شرف الدين في عملها الروائي الأول، تقول: من المبكّر الحكم على ما حققته من خلال هذه العمل سوى أنه نقل بعضًا مما أريد قوله من حيز الخاص إلى العام. الإقبال وردات الفعل على روايتي مفرحة جدًا، أكثر ممّا كنت أتوقع. وكذلك المقالات التي تناولتها لغاية الآن، ولم يمض على صدورها بعد أسبوعان.

وبسؤالها عن نقطة التحوّل التي أسست فعلًا لبدء مسيرتها الأدبية، تجيبنا: أذكر ذلك اليوم جيدًا. يوم مزقت ورقة من دفتري المدرسي واستللت قلما من “مقلمة” أخي، الذي كان يكبرني ببضع سنوات وكان يكتب الشعر بطلاقة الشعراء وفصاحتهم، في الكتب. قلمه، كما بدا لي، كان قادرًا على كتابة ما كان يدور برأسي الصغير، بينما قلمي لم يكن على قدر المهمّة. تأملت، أن يحسّن قلمه من رداءة خطي الذي كان يجلب لي التوبيخ والملاحظات القاسية من أساتذتي في المدرسة. أردت أن أفشي للورق بسر كرهي للمدرسة وكل المعلمات والمعلمين. اختبأت كمن يرتكب إثمًا. “طرطشت” ما أردت كتابته على الورق، ثم، مزقته إربًا وأخفيته في قعر سلة القمامة. كنت دون العاشرة من عمري.

أخذت على هذه العادة. أرصّ الورق بكلماتي أفقيًا وعموديًا، أضع حواش، وأذيّل الصفحة حتى تبدو كالطلاسم، ثم أمزّقها.

كنت أجد أن ما أكتبه شحيح ولا يستحق الاحتفاظ به. فقد كانت حياتي غنية بشخصيات فريدة استحوذت على تفكيري وسكنتني فوجدتني مهما كتبت يبدو منتقصًا وجامدًا بالنسبة إلى القصص و”الهماريج” التي كانت تدور في فلك نهاراتي.

لو ولدت جدّتي لأمي في زمان غير زمانها وفي نواة عائلية مختلفة لكانت الآن بمصاف الممثلات الخالدات، ولكانت صورها بالأسود والأبيض منتشرة على صفحات “الفايسبوك” تحت عنوان “الزمن الجميل”.

كذلك خالتاي الاثنتان وأمي. فناهيك عن خلقتهن الساحرة، كانت لهن أصوات تجعل الطائر يصغي طربا، وكنّ يمثلن، يقلدن، وكيفما استدرن حضرت نكاتهن اللاذعة، الحاذقة المستلهمة من المحيطين بهن ومن قصص حياتهن الغنية. كنا نحن الأبناء، وبعض المقربين، الجماهير الدائمة. كان الجمهور يكبر، وتكبر معه القصص وتشتد دراماتيكية، مع وفد فوج وراء فوج من أولاد الإخوة والأخوات. كان البيت مسرحًا يوميًا لدراما لا تنتهي إلا حين نأوي إلى الفراش منهكين من ضحك ومن شجن على حد سواء.

لم توفر كثافة العيش في هذه البيئة و“الغرائبية” اليومية حلما يمكن وضعه في الكتابة، أو فكرة مبتكرة تبني على أساسها حبكة، ولا شخصية خلاقة تجعل منها بطلا. ولكثرة ما تشاركنا مع الغير قصصنا وأغراضنا، ومأكلنا ومشربنا، أشبعت رغبة المشاركة عندي. وهجرت محاولاتي بمقاسمة الأوراق أسراري.

"قبل صلاة الفجر": رواية اللايقين واللامحكي

وبقي خيط حب يربطني بالكتابة، بالرغم من رقته. تمتّن عندما لازمني شعور بأنني أرتدي ملابس غير ملابسي، وأحمل حقائب غير حقائبي، وألبس قناعًا غير وجهي ما لم أنجح في ابتداع موضوع وبناء شخصيات لا تشبه عمالقتي. أردت أن أقطع حبل السرّة، أن أخرج من حقيبة أبي المكدسة.

اشتدت الحاجة إلى ذلك عندما شبّ ابني وترك البيت للدراسة. فرغت، إلا من تلك الحيوات التي رحلت وبقيت معي.

وكأن المعمورة تتآمر لتحقيق أمر عندما نريده بقوة. لذا لم تكن صدفة أن ألتقي ذلك اليوم بالروائية نجوى بركات وأن أتقدم بطلب لنيل منحة برنامج آفاق لكتابة الرواية، وأن تصرّ “بركات” على اختياري بالرغم من تحفّظ لجنة التحكيم قبل الموافقة، بسبب الفرق بين عمري وبين عمر المرشحين الآخرين للمنحة.

وآمنت مذ عودتي للكتابة، أنه مهما خفت صوتي، ومهما ألقيت من كلمات في القمامة، سأطلق أخيرا “صلاة ما قبل الفجر”.

وبسؤالنا مَن مِن الأدباء والكتاب الذين تأثرت بهم زينب شرف الدين والذين كانوا مصدر الإلهام لها؟. تقول: كل كتاب نجح بأن يشدّني حتى خواتيمه، هو كتاب أثّر بي. آخرهم كان للكاتب الفلسطيني مازن معروف، “نكات للمسلّحين”، الذي نفذ إلى أحلامي وصالحني، حتى، مع وجود الجراذين في هذه الحياة، الحقيقة التي كانت ترعبني. يلهمني john steinbeck، وNikos Kazantzakis، كلما أعدت قراءتهما، كذلك Hugo Hamilton، الذي يُشَرِح بمبضع من نور موضوع الهوية والانتماء.

وعن رأيها بمصطلح الأدب النسائي” أو “الكتابة النسوية”. قائلة: اعفني من هذا السؤال! فأنا لا أميل لتصنيف الأدب على هذه الشاكلة، كما لا أميل لهذه المنافسة بين الرجل والمرأة، إنه نوع من العداء والتحيز. التصنيف الجندري تعصب كما التعصب الطائفي، والمذهبي، والعقائدي.

من أجمل الكتب التي قرأتها عن المرأة، عمّا تكابده بعض النساء قبل الحيض من حالة نفسية ووجودية وجسدية، وعن رغبات الأنثى، خصائصها، وجنسانيتها كان للكاتب الأيرلندي برايان مور، وهو يتكلم بروايته (I’m Mary Dunne) بلسان امرأة، تماما كما امرأة.

* عن الكتابة والمتعة الخالصة والإمتاع أسألك، أين تجدين نفسك أكثر بين العمل الصحفي والإعلامي والكتابة الروائية ؟ وماذا تعني لك الكتابة اليوم بعد صدور أول عمل روائي لك؟

الكتابة بالنسبة لي، هي التمرين المستمر على ممارسة الحرية، لا يقدر الإنسان أن يكتب ما له قيمة ما لم يستطع إطلاق العنان للخلق، وهذا ممكن فقط عبر التحرر من السلاسل الفكرية والرقابة الذاتية التي تكبلنا.

أحب الكتابة الإعلامية عندما يكون لها علاقة مباشرة بالناس، لكن أجد متعة أكبر بالكتابة المتخيّلة. إنه لشعور هائل وأنت تخلق شخصيات وأحداث وحبكات وأماكن، وأنت تعيد صياغة عوالم وإنشائها كما تشاء.

وأما عن طقوسها الخاصة التي تمارسها عند الكتابة، فتبيّن أن أكثر ما يلهمها هو عند إطلاق رجليها كما الريح الخفيف على شاطئ البحر، عندها تبدأ الأفكار والصور تتردد في ذهني كما الأمواج تتكسر على الشاطئ. لذا أحب أن أبدأ نهاري قرب البحر وأرجع إلى البيت وأحاول أن أسكب ما عصف ذهني على الورق.

وعن مدى استطاعتها الدخول إلى نبض الناس من خلال الكتابة، ومدى اهتمامها بالتفاعل مع القضايا الصغيرة التي تمسّ حياتهم. وهل أن لديها قواعد لتفاعل الكتابة مع الواقع؟ تقول: خبرت نفسي كصحافية وفي الحياة اليومية على صعيد التفاعل مع الناس. لم يكن عندي من مشكلة بالتقرب منهم ولم أشعر بصعوبة لديهم بالتقرب مني. الإصغاء الأصيل يجعل الحواجز تتوارى، كذلك قبول الآخرين كما هم، دون إطلاق أحكام مسبقة. لا أرسم قواعد بشكل عام، عفويّتي لا تمنحني هذا الامتياز.

لا أميل لهذه المنافسة بين الرجل والمرأة، إنه نوع من العداء والتحيز. التصنيف الجندري تعصب كما التعصب الطائفي، والمذهبي، والعقائدي

لقد سمعت هذا الصباح كلامًا أسرني جدًا من صحافية أرادت إجراء مقابلة معي وهو أنها لم تستطع إفلات الرواية من يدها فبقيت تقرأها طيلة النهار ومن ثمة أتاها الكابوس الذي يتردد عند الشخصية الرئيسية في روايتي، حين خلدت إلى النوم.

وعن رأيها فيما يراه النقاد مِن أن “عالم السرد والرواية يعيش عصره الذهبي”، وهل أنها ترى أن الفنون السردية مازالت محتفظة بقدرتها على الإدهاش والتأثير؟ تجيبنا قائلة: كان للرواية منذ نشأتها النفوذ والتأثير في حياة الفرد كما في الحياة الاجتماعية والسياسية.. لكنّني لست بوارد تقييمها في عصرنا هذا، لست مؤهلة لهذه المهمة.

الأعمال العظيمة، إن كانت سردا أو شعرا، نحتا، رسما، أو تصويرا، اكتشافا علميا أو اختراعًا، ستبقى على ما أظن قادرة، في كل زمان ومكان، على نيل إعجاب شريحة ما من الناس أو أخرى، وإثارة دهشتها كما على التأثير في المجتمع والتربية.

* ولكن كيف ترين الأدب كشهادة حية عن اللحظة التاريخية؟ وما هو دور الكاتب اليوم برأيك؟

هناك أنواع عديدة من الكتّاب، الروائي، المؤرخ، كاتب السيرة الذاتية، وكل له دور مختلف. من الكتّاب من يكتب للمتعة الخالصة، وآخرون للإمتاع، ومنهم لغايات مصيرية وبهدف تغيير العالم. بشكل عام، يكتب الأديب لنقل فكرة ما، تكون رسالة، درسًا معنويًا كان أو فكريًا، سياسيًا، معيشيًا، اجتماعيًا أو وجوديًا. الكاتب القدير هو من يجعلك تعيد النظر بأفكارك وأحاسيسك وفهمك للأمور، هو من يشارك في توسيع آفاق القارئ وترقية قيمه، وتحريره من التعصب والظلامة.

لكن وللأسف، هناك من الكتّاب من يدعم الاستبداد الديني والسياسي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ويؤثّرون في قرائهم. لذا فإن الكتابة سيف ذو حدين.

أخيرًا بماذا تعد زينب شرف الدين قراء “العرب” بعد صدور عملها الروائي الأول؟ لطالما أحببت القصص القصيرة. إنها تناسب طبعي الذي يميل إلى الاختصار والتكثيف. التقيت بشخصيات أذهلتني وعساني أوفّق في نقل حياتها وتجربتها وعوالمها إلى عالم الكتب. وفّقت إلى ذلك ونشرت بعضًا من القصص الصغيرة في الصحف والإذاعات، لكنها كانت تجارب محدودة، أما الجزء اليسير ما زال يترنح على الورق كما يسبح الطفل داخل رحم أمه قبل الاكتمال.

كاتب من فلسطين

14