زينة الخليل فنانة اليومي الذي يقاتل من أجل الحقيقة

فنانة لبنانية تمثل جيلا متمردا على الفن والمجتمع معا، فهي تضع الفن في موقع يبعد عنه شبهة التزيين ومحاباة المجتمع المغلق على معاييره الطبقية.
الأحد 2020/03/22
حياة خليل بلون الورد

ما بين الفن باعتباره دعوة للحب وبينه باعتباره وسيلة للشفاء تقيم زينة الخليل مخططاتها من أجل بناء عالم، يمتزج من خلاله مفهوما الجمال والسلام في علاقة تتميز بالشد والتوتر. علاقة يغلب عليها طابع التأمل الذي تنظر إليه الفنانة باعتباره غاية لذاتها.

الخليل التي تجد متعة في اقتحام المكان والارتباط بما يخبئه من أسرار وجدت في توزعها بين بيروت ونيويورك والهند مناسبة لاختبار قدرتها على توظيف معادلاتها الجمالية في محيط عالمي، بالرغم من أنها تستند بشكل أساس على مدونة شخصية اجتهدت في صياغتها أدبيا.

فالفنانة التي توزع جهدها الفني بين الرسم والنحت وصناعة الأفلام والتجهيز هي كاتبة أيضا. لقد عرفت كيف تحول يومياتها الشخصية إلى مرويات عامة، يمكن أن يتم تداولها باعتبارها نوعا من الخرائط الشعرية التي تحول الواقع إلى أضداد خيالية، يقف بعضها في مواجهة الآخر ليعيده مثل المرايا.

عام 2012 أزيلت لوحتها “سوبر ستار” من معرض بيروت للفنون في مركز بيال. حدث ذلك بضغط من حزب الله. كانت اللوحة تجمع بين حسن نصرالله والمغنية شاكيرا. لقد سبق لتلك اللوحة وأن عرضت في معرض جماعي استوحى وقائع حرب 2006. لم يكن من اليسير بالنسبة لعقائديين القبول بنظرية الخليل الخاصة بإعادة اكتشاف الطغاة إنسانيا.

ذلك حدث صغير مقارنة بمشروع الفنانة الذي تجمع فيه بين مواجهة العنف والمصالحة مع الطبيعة. وهي في ذلك إنما تعنى بشيء تسميه “الكارثة”. وسواء كانت تلك الكارثة إنسانية أو بيئية فإن التصدي لتداعياتها عن طريق الموسيقى أمر ممكن.

الخليل تعنى بالصوت باعتباره طقسا احتفاليا. هناك عبارة تتكرر مثل فعل الرقص وتخترق الروح مثل نار مطهرة، تقول “هل من الممكن إنشاء شيء يمكن أن يضع حدا للعنف؟“. تضيف “بعد سنوات وجدت إجابتي. أنت هذا الكائن. أنت أعظم عمل فني تم إنشاؤه على الإطلاق. يمكنك العمل على المستوى الشخصي لتصبح أداة لسلام. حيث يبدأ السلام من الداخل”.

هي في الوقت ذاته ناشطة على مستويات عدة. وهي في الحالين تمثل جيلا متمردا على الفن والمجتمع معا. فهي تضع الفن في موقع يبعد عنه شبهة التزيين ومحاباة المجتمع المغلق على معاييره الطبقية وهي لا ترى في نشاطها المتمرد على القيم السياسية والاجتماعية ما يتعارض مع روح الفن. الطريقة التي تفكر فيها الخليل في الفن تكاد تنافس نتاجها الفني على مستوى القيمة الإنسانية.

ولدت في لندن عام 1976 في عائلة تعود أصولها إلى جنوب لبنان. درست الفنون البصرية في الجامعة الأميركية ببيروت. عام 2002 حصلت على شهادة الماجستير من كلية الفنون البصرية بنيويورك.

بيروت أنا أحبك

الفن باعتباره مناسبة للأمل
الفن باعتباره مناسبة للأمل

لم تكتف الخليل بالممارسة الفنية المباشرة بل كان لها نشاط مجاور يتعلق بالاهتمام بالفنانين الشباب ممن لم تُتح لهم فرصة عرض أعمالهم من خلال مؤسسة أكساندو التي تم تأسيسها في نيويورك باعتبارها مؤسسة فنية غير ربحية وعملت الخليل فيها مديرة ومنسقة.

خلال حرب 2006 التي شنتها إسرائيل على الأراضي اللبنانية حرصت الخليل على تسجيل يومياتها في مدونتها على الإنترنت وقد حظيت تلك المدونة باهتمام صحف محلية وعالمية مثل صحيفة غارديان البريطانية التي أعادت نشر العديد من مقاطع تلك المدونة وسلطت الضوء على صاحبتها.

عام 2008 نشرت زينة روايتها “بيروت أنا أحبك” التي هي أشبه بالسيرة الذاتية التي تتضمن أحداثا عاشتها الفنانة عبر سنوات متقطعة بدءا من عام 1994 إلى جوار ما شهدته بيروت من أحداث في الزمن نفسه.

أقامت معارض شخصية في لندن وبيروت وتورينو ولاغوس وميونخ. وهي تعيش وتعمل ما بين لندن وبيروت. ومثلما فعلت في مدونتها وروايتها فإنها على مستوى فني تستلهم الواقع باعتباره حكاية لم تنته بعد وما من صورة نهائية له. لذلك فإنها حين تسلط الضوء على الخراب الذي ضرب الأماكن التي تحبها بتأثير الحروب والإهمال والجهل فإنها لا تنطلق من موقف يائس بل من رغبة معلنة في إعادة البناء. فالفن بالنسبة لها مناسبة لتكريس الأمل. وهو ما يضفي على أعمالها بعدا متفائلا تفتقر إليه الأعمال الفنية التي عالجت موضوعة الحروب وتداعياتها المؤثرة على حياة الناس العاديين.

مسكونة بصوتها

الخليل ترسم وتنحت وتركب وتصنع أفلاما كما لو أنها تقيم حفلا تشترك فيه كائنات غير مرئية
الخليل ترسم وتنحت وتركب وتصنع أفلاما كما لو أنها تقيم حفلا تشترك فيه كائنات غير مرئية 

“إذا أومأ الحب إليكم فاتبعوه” بتلك الجملة الجبرانية تفتتح زينة الخليل موقعها الإلكتروني. فالحب بالنسبة لها وهي المتمرسة في فنون اليوغا طريق يمكن التعلم من خلال المشي فيه تقنيات العيش على الحافات والذهاب إلى الأقاصي في مغامرة الوجود اللانهائي.

الخليل التي ترسم وتنحت وتركب وتصنع أفلاما كما لو أنها تقيم حفلا تشترك فيه كائنات غير مرئية طورت علاقتها بفنها من خلال اشتباكها جسديا بالموسيقى والرقص حيث تحولت الممارسة الفنية إلى طقس فردي أو جماعي، تتمكن الفنانة من خلاله من مزج الواقعي بالوهمي بما يسمح لخيالها بابتكار حياة مجاورة. حياة لم يعشها أحد سواها. 

إلى جوار ذلك فإنها لا تخفي موقفها السياسي المضاد لما هو شائع على المستوى الشعبي وبالأخص على مستوى المفردات المتداولة. ذلك ما قد يسبب لها حرجا يتناسب مع قوة تمردها التي تطيح بالبداهات التي ترفض الاعتراف بها. زينة فنانة سياسية بامتياز غير أنها لا تنتمي إلى معسكر بعينه بقدر ما تنتمي إلى فكرتها عن السياسة. تلك هي فكرة سياسية غير أنها لا تُستعمل للتحكم بعقول الناس بقدر ما تسعى إلى تحرير تلك العقول. مسكونة بالصوت. ذلك هو صوتها المتمرد. وهو صوت استثنائي يقع مثل صدمة في الآذان التي تنصت إليه. 

في أفلامها عامة وفي فيلمها “السلام عليكم” بشكل خاص تقتفي الخليل أثرا مفقودا في العلاقة بين ما هو مقدس وما هو متاح من سلوك يومي. في معادلة الثابت والمتغير تلك تبرز تحولات المجتمع لتصنع نوعا من الانسجام الذي يمكن اعتباره حلا واقعيا على مستوى الحياة المباشرة.

لا تتعرض الفنانة للدين بتفاصيله الروحية بقدر ما تسعى إلى تجريده من سلاحه غير الشرعي. وهو سلاح تم السطو عليه في غياب العقل. ذلك لأن الإجماع على أن الخالق هو الجمال وهو المحبة يمكنه أن ينهي نقاشا لا طائل منه. تذهب الفنانة إلى جوهر الحقيقة حين تمزج بين القوة المطلقة والعادات اليومية لبشر مسالمين، ركنوا العقائد المغلقة جانبا واستجابوا لسعادة حواسهم.

الخليل مناضلة من طراز خاص. فهي تناضل على جبهات عديدة. جبهة الحب التي تشعر فيها أن سلاما بشريا يمكن أن يتحقق من خلال تأمل وجودي يضع الإنسان في مكانه الحقيقي. وجبهة السياسة، هناك حيث تضطر الفنانة إلى إزالة القشرة عن حقيقة ما يجري تحت شعار المقاومة. أعمالها عن حرب غزة كانت أشبه بمرثية للنزاهة. كما أن الفنانة تناضل على جبهة بيروت، مدينتها التي لا يزال الجزء الأكبر منها غاطسا تحت ركام خرابه.

في كل ما تفعله تنتمي زينة الخليل إلى فن مفهومي، سيكون علينا أن ندرك قيمته من خلال ما يحدثه من استفزاز للحقائق اليومية الزائفة. وهي إذ تضعنا في مواجهة الأمل فلأنها تثق بالفن وتؤمن به خلاصا.

فنانة تثق بالفن وتؤمن به خلاصا
فنانة تثق بالفن وتؤمن به خلاصا

 

9