زينة عاصي تبني عالما معلقا على تخوم الموج

رجال ونساء زينة عاصي يبدون في الظاهر متشابهين ومتجانسين، وفي الباطن يسكنهم حس تجاهل الآخر أو الحذر منه.
الجمعة 2018/06/08
مدينة تضيق بأهلها

يتضمن المعرض الجديد الذي قدّمته الفنانة اللبنانية زينة عاصي في غاليري “ألوان” في منطقة الصيفي فيلاج ببيروت مجموعة من الأعمال الفنية التي استلهمتها، كعادتها في معارضها السابقة، من أجواء المدينة لا سيما مدينة بيروت التي تغص بفوضى الأسلاك الكهربائية الممتدة عشوائيا وتشابك الطرقات وغياب الهندسة المدينية.

بيروت – في معرضها الجديد بقاعة “ألوان” البيروتية، والذي أقيم بعد غيابها أربع سنوات عن الساحة الفنية، تعود التشكيلية اللبنانية زينة عاصي لتحمّل في معرضها المعنون بـ”المهرّبون” المدينة تبلورا يكاد يكون ميتافيزيقيا في كيفية رؤية تفاصيلها ومن ضمنها ناسها، وعلاقتهم مع الوافدين الجدد من لاجئين وحضورهم وإياهم في المساحة والزمن كعنصرين وهميين لا بد من تبنيهما لكي يستقيم عالم لا يسكنه الهلع الوجودي، على الأقل في عين ساكنيه.

واكتنزت لوحة زينة عاصي كعادتها درامية تنطق بأشكال الحياة المعاصرة المفتقرة إلى الحميمية، أشبعتها بمشاهد لمدينة مشحونة بمآذن الجوامع وببعض الأشجار الناجية من الباطون الزاحف إلى أضيق الأزقة، ورصعتها بأجراس الكنائس واللافتات الإعلانية والدعائية ولواقط الدش والإنترنت.

أما ساكنو هذه المشاهد المدينية فرسمتهم الفنانة شخوصا مُصغرة ونحيلة في معظمها، تقرأ الكتب والجرائد وهي تنفث دخان سجائرها المُختلطة بالدخان المُلوث والمُتصاعد من مداخن المصانع.

رجال ونساء شكلتهم دائما كأفراد تتشابه ملامحهم وتبدو عليهم العزلة، ورسمتهم في مجموعات صغيرة مُتجانسة في الظاهر، ولكن يسكنهم حس تجاهل الآخر أو الحذر منه.

كما أظهرتهم الفنانة بملابس دخلها تشظي الألوان والأشكال دخوله إلى فضاء مدينة مختنقة بالازدحام، يجلسون أو يقفون فوق مبنى من مباني المدينة أو منهمكون بانشغالاتهم اليومية كالتأرجح على الحبال والوقوف على السلالم، واحتساء القهوة أو الاختلاط مع أناس آخرين في الشوارع وبين المنازل ومن خلف الشبابيك.

هؤلاء الناس لا زالوا حاضرين بقوة في أعمال الفنانة، ولكن أجسادهم التصقت ببعضها حينا وتقلصت أحجامها أكثر لتبدو كمسامير صدأة اعتلتها عيون بشرية وأطراف أشبه بنتف من شظايا.

غاب الفرد في بحر الجماعة، وأصبح في حال عثرنا عليه يقف معزولا عن الآخرين في إحدى اللوحات، مُختصرا لها ولحركتها التي تبدو ثابتة لكثرة ما استوعبت من أناس وأشياء، غابت الصفات الفردية أكثر فأكثر لتطرح بشكل أعمق ذوبان الحدود بين الموجودات، وتلاشي الفردي في الجماعي.

لا غرابة في أن يتبلور نص الفنانة التشكيلي ليصل إلى هنا، لا سيما إذا تذكرنا ما قالته زينة عاصي في أكثر من مناسبة أنها تجد رسم الجموع أسهل من رسم البورتريه، وأن برسم الجموع  يمكنها التغاضي عن التفاصيل التي تتطلبها رسومات البورتريه، لكن تكمن المفارقة في كون جموعها تظهر للعيان وكأنها تمثيل لشخص واحد يتألف بدوره من أشخاص شبه “مجهريين” ممّا يجعل رسم هذه الجموع أكثر تعقيدا من أي بورتريه قد تتفادى عاصي أن ترسمه. أما إشارتها في أحد معارضها السابقة أن “الازدحام ليس إلاّ جزءا من حياتنا، وبالتالي يذكرنا بأنه علينا أن نعود خطوة إلى الخلف، لنقيّم ما الذي نفعله في الحياة”، فوجدت تحقّقها، ولكن بشكل عكسي، في أعمالها الفنية، إذا هي، أي لوحاتها، ومن على مسافة شبيهة جدا بالمنمنمات الزاخرة بالتفاصيل التي لا يمكن أن نتعرف عليها جيدا إلاّ إذا.. اقتربنا كثيرا منها.

وبين الاقتراب والابتعاد يقع الالتباس، التباس الرؤية، والتباس معنى الزمان والمكان، وصعوبة استيعاب ما يغلي ويفور ليس فقط في بيروت، ولكن في كل المدن العربية المجاورة التي اكتست ثوبا رماديا يتماهى مع رمادية  لوحات الفنانة، وفي خضم ذلك البنيان المديني المنخور من الداخل إلى الخارج وليس بالعكس بنت الفنانة في لوحاتها الجديدة جسورها الميتافيزيقية.

 منمنمات زاخرة بالتفاصيل
منمنمات زاخرة بالتفاصيل

ويشير النص التوضيحي الذي أرفقته الصالة بمعرض الفنانة إلى أن معظم اللوحات “تتناول جدليّة الانتماء وتطرح تساؤلات كبيرة بحجم الهوية والوطنية، متوقّفة عند هجرة الأدمغة التي شهدها لبنان في العقود الماضية”. أما زينة عاصي فأشارت أنها شيّدت مدينتها “على جسور آيلة للسقوط للتعبير عن مأساة اللاجئين”.

ويُمكن رؤية هذه “الجسور الآيلة للسقوط” في معظم اللوحات، وقد أخذت أشكالا مختلفة، ومن أكثر اللوحات المعبرة عن هذه الأفكار نذكر “إنها فكرة” و”جسور فوق المدينة”، ويظهر في هذه الأخيرة شبح الموت بكآبته وثقله فوق جسر “حي” من سكان وذكريات المدينة، جسر يمتد من سفن المهاجرين من لبنان وقوارب المهاجرين الذين غادروا بلادهم قسرا، إلى مدينة منهكة تختنق بمآسيها.

وإضافة إلى العناصر البصرية الغزيرة التي ذكرناها آنفا دخلت هذه الجسور الغرائبية/الشائكة والمُهشمة إلى عالم لوحاتها، امتدت حينا بشكل أفقي فوق الفراغات الضئيلة أو مياه البحار، وانطلقت حينا آخر عموديا بأشياء المدينة وأجساد ساكنيها واللاجئين إليها نحو فضاء مشحون بأنفاس مدينة بحرية تتناهشها الشطآن.

مدينة بحرية شكلتها زينة عاصي في معظمها على خلفيات رمادية هادئة لفحها رذاذ بحري مُملّح بلون “الكاربون” البشري/المأساوي، مدينة تختنق بأفكارها وناسها وأشيائها وأسماكها وحتى بعصافيرها المُتضخمة المتدلية على أطراف عماراتها، والتي لا تستطيع أن تشدو لحنا رقيقا/مُبلسما يخفف من الأثقال الملوّحة بغربة رمادية اللون ترزح تحت وطأتها  باقي ألوان المدينة.

17