"زي الشمس": تشويق الجريمة لا يغني عن الحوار المتزن

المسلسل المصري يغفل الجانب الدرامي لصالح إبقاء التشويق قائما إزاء جريمة قتل غامضة وتوسيع دائرة الاتهام.
الجمعة 2019/08/16
أثار الجدل بألغازه التي لم تنته

يجد كتُاب السيناريو ضالتهم في مسلسلات جرائم القتل المعقدة كوسيلة سريعة لجذب الجمهور منذ الحلقات الأولى، وتحريك رغبته في حل ما تضمه من ألغاز. وحاول المسلسل المصري “زي (مثل) الشمس” السير على خطى دراما الجريمة عبر العصف الذهني والتفكير العميق في اسم الجاني وملابسات الواقعة، لكنه سقط في محاولة إطالة الأحداث لتستوعب ثلاثين حلقة ليجور على الجانب الدرامي ومنطقية الحوار.

لا يستطيع خيط الجريمة وحده أن يحمل عملا دراميا كاملا، بل يجب أن تسايره مجموعة من الخيوط الجانبية التي تتقاطع مصائرها مع القصة الأساسية. ويحتاج العمل الدرامي المحكم إلى توظيف يجعله قريبا من الحياة اليومية دون إطالة أو افتعال، فالضحية والجاني يرتبطان بشبكة علاقات مجتمعية وإنسانية ويؤثران فيها ويتأثران بها.

يمنح العرض الثاني للأعمال الدرامية بعيدا عن الموسم الرمضاني، فرصة لإعادة اكتشاف الأحداث بدقة، والتركيز على الجوانب الفنية في صناعتها، وأهمها الحوار والأداء التمثيلي والإخراج، فتعيد المتابعة الجديدة الاعتبار لأعمال مظلومة، وأحد تلك الأعمال هو مسلسل “زي الشمس”.

سينما أم دراما

جذب المسلسل المصري “زي الشمس”، من بطولة دينا الشربيني وريهام عبدالغفور ومحمد ممدوح وجمال سليمان، الأضواء بسخونة التطورات في الحلقات الأولى، قبل أن تصيبها الشيخوخة مع إغفاله الجانب الدرامي لصالح إبقاء التشويق قائما إزاء جريمة قتل غامضة وتوسيع دائرة الاتهام باستمرار لتشمل شخصيات تم إقحامها ضمن الأحداث دون مبرر، وافتعال قصص هامشية غير مترابطة من أجل استنزاف الوقت فقط.

وتقوم فكرة المسلسل الأصلية على جريمة قتل الفنانة التشكيلية فريدة (ريهام عبدالغفور) وعودة شقيقتها المحامية نور (دينا الشربيني) من الخارج للبحث عن القاتل، ورعاية أبنائها الثلاثة ووالدتها العجوز، متناسية القطيعة القديمة بينهما، التي كانت سببها سرقة القتيلة خطيب شقيقتها  (أحمد السعدني) وزواجها منه بعد علاقة آثمة.

وكانت القصة تبدو مؤهلة لعمل سينمائي أكثر منه عملا دراميا باعتبار أن جريمة القتل واحدة لا تتحمل عملا يستمر شهرا كاملا، ما يتطلب تقديم خيوط جانبية لاستكمال القصة بزج شخصيات ومحاولة إلصاق الاتهام بها ثم إخراجها من الدائرة بحبكة ساذجة أحيانا، مثل سيف (أحمد مالك)، الطالب الذي تصيبه حالة هوس بمعلمته فريدة، فيبدأ بمطاردتها ويدخل في مشكلة مع خطيبته التي تريد الانتقام منه لتفضيله الأولى عليها.

وإذا كانت الدراما العربية معنية في المقام الأول بـ”الحوار”، عكس السينما التي تلعب خلالها الصورة دورا أكبر، كانت آفة مسلسل “زي الشمس” في لغته التي لم تواكب بناء الشخصية والصورة المرسومة لها، رغم وقوف ورشة كتابة كاملة وراءه تضم ستة مؤلفين بينهم مريم ناعوم ونجلاء الحديني، ليفقد التسلسل المنطقي في بنائه القائم على الإقناع وإثارة التعاطف مع الضحايا والمظلومين.

القصة تبدو مؤهلة لعمل سينمائي أكثر منه عملا دراميا باعتبار أن جريمة القتل واحدة لا تتحمل عملا يستمر شهرا كاملا

وزج العمل بقصص هامشية عن أزمات صديقة نيرة (سوسن بدر) مع مشروعها وفشلها في إدارته، أو المشكلات الزوجية لضابط الشرطة حسن (عمر السعيد)، الذي يتولى قضية القتل وكان بالصدفة صديق العائلة، فلا تهم المشاهدين تفاصيل حياته الخاصة وإنجابه طفلا قبل موعده ووضعه في دار حضانة طالما أنها لا ترتبط بالقصة الأصلية في البحث عن القاتل.

ويستمر العمل في خلق دائرة واسعة من المتهمين تتماشى مع الصورة النمطية، التي رسمها للفنانة التشكيلية القتيلة التي تخطف خطيب شقيقتها ولا تبالي بهوس أحد طلابها بها وتشجعه، وتقيم أيضا علاقة مع المحامي جمال (جمال سليمان) تسفر عن ابن غير شرعي تلصقه باسم زوجها، ومحاولاتها استمالة حتى طبيبها النفسي أيضا ليدخل ضمن دائرة رجالها.

وظهر عدم منطقية الحوار تماما مع اعتقاد نور أن شقيقتها لم تمت لمجرد رؤية سيف شبيهة لها تتجوّل بنفس ملابسها وقصة شعرها، رغم أنها سبق أن تعرّفت على الجثة في المشرحة، أو في اعترافاتها مع طبيب نفسي بشعورها بتأنيب ضمير إزاء شقيقتها، رغم أنها كانت الضحية وتعرضت للخيانة، ورغم امتهانها المحاماة ظلت شخصيتها متهاوية وتفشل في الدفاع عن حقها في كل مرة.

ولا يستطيع المشاهد الاقتناع كثيرا بظاهرة “تعليب المشاعر” وتقلباتها المستمرة، فالطبيب عمر ينقل حبه من دينا إلى شقيقتها فريدة من أول نظرة، ويقيم علاقة مع فتاة أخرى، ثم يعود ليعبّر عن حبه لفريدة التي تتنقل بين الرجال مثل تغيير الملابس. حتى في مشهد النهاية يتذكّر مصطفى، الذي أصبح زوج نور، مشهدا من الماضي يجمعه بشقيقتها فريدة في لندن يتضمّن مؤشرا على علاقة في مهدها بينهما.

تنميط مهني

تكمن مشكلة مسلسل “زي الشمس” في كتابته خصيصا للفنانة دينا الشربيني، التي تستأثر بأكثر من نصف الحوار داخله وإملاءاتها على فريق العمل، ما دفع المخرجة كاملة أبوذكري إلى الانسحاب واستكمال حلقاته مع المخرج سامح عبدالعزيز، المتخصّص في السينما، لتتضمن مشاهدها إطالة لحوارها مع والدتها وأبناء شقيقتها في مشكلات مفتعلة بسيطة استنزفت أحيانا معظم وقت الحلقات.

ووقع العمل في فخ التنميط المهني، الذي يشي بضعف الإحساس الروائي العام ومحدودية معرفة المخرج بعلم النفس التحليلي، فالفنانة التشكيلية تم تقديمها كحيوان بوهيمي دون إبداء أسباب واضحة وراء تفريغها المتعمّد في جسدها أو إحساسها بالذنب، وشبكة الرجال الذين جذبتهم وتنوعوا بين “طبيبين ومحاميين ومشروع فنان صغير” استمروا في التعلّق بها رغم ماضيها المشين، من دون سبب منطقي أو ذكر المؤهلات التي تجعلها متفرّدة عن غيرها من النساء.

وأفرط المسلسل في استخدام “الفلاش باك” كآلية تتيح للكاتب قطع التسلسل الزمني أو المكاني للقصة لاستحضار مشاهد ماضية تلقي الضوء على موقف من المواقف أو تعلّق عليه، ما جعل المشاهد في تضارب يرتبط بالتفرقة بين الواقع والماضي، وربما تكون وسيلة التفريق الوحيدة هي قصة شعر البطلة نور وتغيّرها بين الزمنين.

وعلى مستوى الأداء التمثيلي، كانت الشخصية الوحيدة التي تتطوّر باستمرار خلال العمل، هي أحمد السعدني مع تقلباته النفسية ودخوله وخروجه المستمرين بين قائمة المتهمين، لكن ربما يكون تعامله مع اكتشاف ابن غير شرعي فيه درجة كبيرة من الملائكية، بعد تفضيله الإعدام على التشهير بنجله الصغير، والتي لا تتماشى مع تاريخه السابق من تزويره شهادته الجامعية وعلاقاته النسائية المتعدّدة.

وتبدّد رهان الجمهور ذاته على الحلقة الأخيرة لحل الألغاز وجمع شتات الخيوط الفرعية مع ظهور خيوط جديدة تثير المزيد من الألغاز بالعثور على جثة عمر طافية على سطح النيل، وتذكّر مصطفى لقائه مع فريدة في معرضها الفني بلندن عبر قلادة ترتديها ابنتها الكبرى، ووضع الطبيب النفسي خالد (محمد علاء) صورتها كخلفية لهاتفه المحمول وإظهار حبه لها، لتثير موجة جديدة من الألغاز وتعزّز التكهنات حول إمكانية وجود قاتل جديد.

وحفل مسلسل “زي الشمس” بثغرات في الحوار تظهر الصراع الذي يواجه كُتاب السيناريو حينما يريدون تعريب عمل أجنبي ومحاولة الالتفاف حول القصة الأصلية لضمان استمرار التشويق، والوقوع في فخ عدم مراعاة القيم السائدة في المجتمع التي تفرض تعامل البشر في مواقف معينة، فلا يقبل الكثيرون في مجتمع شرقي أن يحمل اسمهم ابنا غير شرعي ولا تقبل امرأة أفقدها زوجها الإنجاب أن تعيش معه عمرها بالكامل وهي تُشاهد علاقاته الغرامية المتكرّرة.

17