سأزور القدس

السبت 2014/05/03

من تقرير للزميل جوليان الحاج، نشره موقع أبجد، علمنا أن البطريرك الماروني بشارة الراعي، سيرافق الحبر الأعظم (البابا فرنسوا) في زيارة دينية للأراضي المقدسة بفلسطين أواخر الشهر الجاري ولن يقابل أية شخصية إسرائيلية.

وقبل أيام، صرح مفتي الجمهورية اللبنانية (الشيخ محمد رشيد قباني) على هامش مؤتمر «الطريق إلى القدس» الذي تبنى- مشكورا- زيارتها من العرب والمسلمـين: “نريـد زيارة القـدس تحـت رعايـة الأردن لا تحت حراب الجيش الإسرائيلي”.

قبل عامين، ضجّ العالم العربي من زيارة رمزين كبيرين إلى المسجد الأقصى بدعوة أردنية، هما الشيخ علي جمعة (مفتي الديار المصرية آنذاك) والحبيب علي الجفري (داعية ومفكر). فطرحت حينها مبـادرة- وقع عليها مئات المثقفين السعودييـن والخليجيين والعرب- تطالب برفع الحظر عن زيارة فلسطين عموما، والقدس خصوصا.

اعتمدت المبادرة على ثلاثة خطابات، الخطاب الأول وجّهناه إلى العاهل الأردني تحية على رعاية الأردن لزيارة شخصيات إسلامية وعربية للمسجد الأقصى. والخطاب الثاني وجهناه إلى الرئيس محمود عباس لندعم دعوته- ودعوة مفتي القدس الشيخ محمد حسين- للعرب والمسلمين لزيارة القدس وفلسطين.

أما الخطاب الأخير، وجهناه إلى أمين مجلس التعاون الخليجي مطالبين بإيصال صوتنا إلى القادة الخليجيين على أمل أن يرفعوا منع المواطنين من زيارة الأراضي المحتلة.

إن سياسة مقاطعة القدس والأراضي المحتلة- المجربة خلال عقود- أفضت إلى انقطاع التواصل الحضاري والمعنوي والإنساني بين العرب والمسلمين، وبين القضية الفلسطينية التي لم تعد تعني للبعض إلا صورة باردة أو خبرا جافا متأخرا في وسائل الإعلام.

من المؤسف، أن يعرف أبناء العرب والمسلمين التفاصيل الدقيقة لعواصم الغرب والشرق، ولا يعرفون شيئا عن العاصمة المقدسة الثالثة في الإسلام. إن مقاطعة القدس وفلسطين من العوامل التي أتاحت لإسرائيل تنفيذ مخططاتها المعلنة بتهويد المدينة المباركة وتوسيع رقعة الاستيطان في فلسطين.

إن مقاطعة القدس والأراضي الفلسطينية بذريعة دينية لا يحمل وجه حق، فالنبي الكريم زار مكة- ولم يمنع زيارتها- وهي بعيدة عن ولاية المسلمين، والأثر النبوي واضح في شد الرحال إلى المسجد الأقصى دون اشتراط الولاية عليه. إضافة إلى أن الاحتلال الصليبي- ثم الاستعمار- لبيت المقدس لم تواكبه من العرب والمسلمين دعوة مقاطعة. على صعيد آخر، إن كانت زيارة القدس مستحبة في الإسلام زمن السلم والاستقلال، فإن حالة الاحتلال توجب زيارتها كمظهر من مظاهر التمسك بهويتها العربية والاعتزاز بتاريخها والتفاؤل بمستقبلها، وتحية لأهلها الذين واجهوا وحدهم انتهاكات إسرائيل بالصبر وبالثبات وبكل سبل الكفاح المشروعة.

إن مقاطعة القدس والأراضي الفلسطينية بذريعة سياسية لا تحمل وجه حق، فالمقدسات الإسلامية في فلسطين تحت رعاية ووصاية العرش الهاشمي الأردني، وأي إجراءات رسمية لتسهيل زيارة العرب والمسلمين للقدس وفلسطين لن تقدم ولن تؤخر إزاء موقع إسرائيل في المجتمع الدولي.

وإذا كانت اتفاقيات السلام فشلت في تحقيق التطبيع بين العرب وبين إسرائيل، فلن تنجح زيارة مخلصة لفلسطين في ذلك. إن الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها لا يحصل إلا بالعقول والقلوب، ودون ذلك لا تعني الأوراق والأختام أي شيء.

إن السماح للعرب بزيارة القدس وفلسطين يكمل الجهود السياسية في دعم القضية الفلسطينية، ويعمق أواصر الصلة الروحية والنفسية بين العرب- قادة وشعبا- وبين فلسطين وشعبها وقضيتنا العادلة المحقة.

إن الوعود العربية والإسلامية بتحرير فلسطين وزيارة القدس لا نرى على الأرض- للأسف- أي أسباب تتخذ لتحقيقها حربا أو سلما، وعليه فإن المواطنيـن العرب لهم حق يجب أن لا يمنعوا عنه، ولهم دور يجب أن يقوموا به، يتمثل في المحافظة على القدس وفلسطين حقيقة وواقعا في الوجدان، ونسج الأواصر مع الأراضي المحتلـة وأهلها.

التواصل مع فلسطين والقدس- أرضا وشعبا- سيكون وسيلة ضغط جديدة لصالح القضية الفلسطينية، وسيكون شهادة إدانة جديدة ضد إسرائيل. فالمقاطعة أتاحت لجهات متطرفة المتاجرة بالقضية الفلسطينية وزعزعة الاستقرار في الدول العربية، وهذا يجب أن يتوقف.

إن مقاطعة القدس والأراضي الفلسطينية بذريعة إنسانية أو ثقافية أو أخلاقية لا يحمل وجه حق، فعدسات وشهـادات الناشطـين الحقوقيـين ومؤسسـات المجتمع المدني هي التي وثقت جرائم إسرائيل قبل تقارير المنظمات الدولية.

إن زيارة القدس وفلسطين واجبة لما تحمله من قيمة إنسانية كبرى تكمن في التسامح واحترام الآخر والعيش المشتـرك، في ظل الأوضاع المتشنجة في المنطقـة بسبب الخطابات الطائفية المريضــة. زيـارة القدس وفلسطين تعزيز للقيـم الأخلاقية التي تمثلها وتمثلنا، كما أنهـا موقـف ثقـافي يرفض- سلميا وحضاريا- مشاريـع الاحتلال والاستيطان وإحياء دائـم ومتجـدد للقضية في مشهدنا العام.

زيارة القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة حق مشروع، والحق لا يبرر، كما أن الانتفاع به يجب أن يكون متاحا بلا إكراه. فالشعارات التي سمعناها قرابة 60 سنة تسير بنا من هاوية إلى هاوية، ومن ضعف إلى ضعف، لذا فمن الضروري إعادة التفكير باتجاهات أخرى.

إن المصالح في زيارة القدس وفلسطين أكبر وأكثر من المفاسد المتحققة في المقاطعة. فلا «تطبيع» أوضح من ترك إسرائيل تفعل ما تريد في الأراضي المحتلة، ولا “اعتراف” أنصع من مقاطعة أرضنا وأهلنا بذريعة الاحتلال، ولا هزيمة أمضى من استيلاء الخطاب المتطرف والطائفي على القضية الفلسطينية وتشتت الخطاب المدني الإنساني.

في زياراتي الدائمة للأردن، كانت تلك اللوحة الإرشادية المعلقة في طريق المطار (القدس 60 كلم) كافية لتحدث داخلي زلزالا وجدانيا يستمر لساعات، واشتد الزلزال استعارا حين قادنـا الصحافي العزيـز رياض منصور إلى جبل نيبو لنرى أنوار القدس المتلألئة من بعد عشرين كلم. التفت يومها إلى الصديق رياض قائلا: “القدس لنا. يوما ما سأزورها”، ومنذ ذلك الحين أنتظر.


صحافي سعودي

9