سأشتكيك لـ"سي الحبيب"

الخميس 2017/01/26

شعرت منذ يومين ومن دون سبب مباشر، برغبة في سماع صوت الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، رحمه الله، ورؤية صورته المألوفة على التلفزيون وهو يحرك يديه ويرفعهما في الهواء مشجعا بنات تونس على الانطلاق والتحرر، تلك الصورة التي رسخت لدينا، نحن التونسيات، منذ الطفولة وعلقت بأذهاننا إلى الأبد.

بعد بحث صغير على الإنترنت وجدت الخطاب التاريخي الذي يتحدث فيه عن دوافعه ومبرراته لمنع تعدد الزوجات في تونس، ومن ضمن ما يقوله بورقيبة في هذا الخطاب الشهير، أن لا شيء يهين المرأة ويقلل من شأنها ويساويها مع “الهايشة” (الدابة) مثل أن تكون متزوجا عليها بامرأة أخرى أو أكثر “تدخل هنا وتخرج هناك”، على حد تعبيره.

في هذا الخطاب، قال بورقيبة إنه يقصد تقوية المرأة ومنحها سلطة معنوية وحماية لتتمكن من إيقاف الرجل عند حده كلما اقتضى الأمر، ويقول بالحرف إن النساء أصبحن كلما تعرضن لاعتداء يقفن في وجه ازواجهن ويقلن “سأشتكيك لـ’سي الحبيب’، سي الحبيب قال ‘ما تمسوش’ لا تلمسوا المرأة”.

شاهدت هذا الخطاب أكثر من مرة في السابق، لكنها المرة الأولى، ربما التي أنتبه فيها لهذه الجملة تحديدا وما عنته بالنسبة إلى التونسيات ومازالت تعنيه. في كل مرة شعرت فيها بإهانة أو تقليل من شأني، وفق نظرتي الخاصة للطريقة التي يجب أن تعامل بها المرأة، جاءت صورة بورقيبة أمام عيني، وشعرت أن الإهانة لا تخصني وحدي بل تتعداني إليه. في أحيان كثيرة أشفق عليه من خيبته في بناته، كما كان يحلو له أن يناديهن، وأحس بوخزة في صدري وأنا أتخيله يقول وهو ينظر في عيني مباشرة “أهذا ما ربيتك عليه؟”.

كلما سمحت لأحدهم بتجاوز حدوده معي، لأسباب مبررة، ربما في ثقافات بطريركية أخرى، شعرت أنني أهين بورقيبة واشفقت على “شيبته”، وكأنه يقول “عاديت العالم من أجل حريتكن وكرامتكن، فكيف تفرطن فيها بهذه السهولة؟”. إنه ميراث ثقيل هذا الذي أورثنا إياه، التفريط فيه يشبه التفريط في الأرض أو العرض، لأن الحرية والكرامة لا تقلان أهمية منهما، ولأنهما كلفتا جيلا كاملا سبقنا دمه. أي تخاذل أو تفريط يجعل الواحدة منا تشعر بالذنب كما لو أنها خانت وطنا وتاريخا بأكمله، وهي بهذا المعنى “خيانة عظمى”.

هناك إكراهات طبعا في كل ثقافة، لكن ما أريد أن أقوله، أن مجتمعا يهين امرأة لا يمكن أن تقوم له قائمة، وأول ما يهين المرأة، بعد تعدد الزوجات الذي يحولها إلى دابة، على حد تعبير بورقيبة، هو أن يكون سيف الطلاق مسلطا عليها باستمرار، ولأتفه الأسباب، فيجعل رقبتها على الدوام منخفضة وذليلة. امرأة يمارس عليها هذا الضغط، والتفاضل لا يمكن أن تكون سليمة ومتوازنة وقادرة على تطوير نفسها ومجتمعها، إذ تكفي كلمة واحدة لكسر نخوتها وإخضاعها كالدابة (مرة أخرى) لمشيئة الرجل، الذي بين شفتيه قرار مصيري ومهم بهذا الشكل.

وأول خطوة نحو إيجاد امرأة متوازنة وبالتالي مجتمع متوازن وخال من ثنائية العبد والسيد، تتمثل في نزع هذا القرار من بين شفتي الرجل وإعطائه للقضاء الذي هو طرف خارجي ومحايد، ولا تحكمه العواطف والانفعالات، ويفترض به الإنصاف. دون ذلك لا سبيل إلى مساواة ولا عدل، وإن تجندت كل الجهات والمؤسسات والمبادرات التي تدعي إنصاف المرأة وتطالب بحقوقها.

تطليق الرجل لزوجته بمجرد نطق كلمتين فقط، أمر مهين، وإيذاء نفسي، غير مبرر للمرأة، في زمن يكرس لمبادئ عالمية جوهرية من بينها المساواة بين الأجناس، على الأقل بالنسبة إلى المجتمعات التي ترغب في معالجة أمراضها ومشكلاتها وأسباب تخلفها.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21