سأموت في المنفى: الفلسطيني الذي حول الشتات حياته إلى بدل فاقد

تجربة الفنان غنام غنام يمكن أن يصطلح على تسميتها بـ"السيرة الدرامية" على غرار ما يُعرف بـ"السيرة الروائية".
الاثنين 2019/09/16
سرد موجع لحكايات تتكرّر

يبدو عرض “سأموت في المنفى”، الذي يقدّمه الفنان غنام غنام، أقرب إلى عروض المونودراما، لكنه ليس مونودراما بمعنى دراما الشخصية الواحدة، وذلك لوجود شخصيات وأصوات عديدة فيه يؤديها ممثل واحد، بل هو عرض يمكن تصنيفه ضمن ما يُعرف بعرض الممثل الواحد.

يضطلع غنام غنام في عرض “سأموت في المنفى” بخمس وظائف: فهو الكاتب والراوي والشخصية (أو البطل) والممثل والمخرج، وكل ما يسرده ويؤديه إنما من منظوره أو وجهة نظره، عالما بكل شيء عن الشخصيات التي تتخلل الأحداث، مثل كاتب السيرة الذاتية، وعلى ذلك يمكن أن نصطلح على هذه التجربة بـ”السيرة الدرامية” على غرار ما يُعرف بـ”السيرة الروائية”. وعلى الرغم من اعتراف غنام بأن مسرحيته من السجل الشخصي، إلاّ أنه يمكننا اعتبرها نموذجا لحكايات فلسطينية كثيرة.

ويتضمن نص المسرحية أربعة أنواع من المظاهر السردية: السرد الاستهلالي، السرد الاسترجاعي، السرد المناجاتي (بما فيه البوح والاعتراف)، والسرد الاستباقي.

وتبدأ المسرحية بسرد استهلالي يخاطب فيه البطل الجمهور، وهو سرد عرفته الدراما القديمة تحت مسمى “البرولوج” الذي كان يشكّل مشهد البداية، ويأتي في صيغة خطاب مسرحي يوضّح للجمهور بعض المسائل، ويشير أحيانا إلى محتوى العمل المسرحي. ووظفه بريخت لكسر الجدار الوهمي، وتأكيد اللعبة المسرحية.

ويظهر البطل في فضاء العرض، ويلقي تحيته المسرحية على الحضور الذين يجلسون على شكل حلقة أو مستطيل حسب معطيات القاعة: “الله يمسيكم بالخير ويمسي الخير فيكم، لأنه الإنسان بيحلى بالأيام والأيام بتحلى بالإنسان، وأحلى الناس هم البني آدميين، وأحلى البني آدميين هم الناس، ومساء الخير على البني آدميين”.

الحكاية الأولى في المسرحية، وهي سرد استرجاعي، حكاية البطل مع الحقائب في المطارات، وتدور حول سرقة حقيبته التي تحتوي على ثمانية كتب في الثمانينات، حين كان تهريب كتاب ممنوع يساوي انتصارا، وكان ضبط كتاب واحد ممنوع معك يعني خمس سنوات من السجن. تلي هذه الحكاية حكاية عودة البطل من فلسطين إلى الأردن عبر جسر الملك حسين عام 2011، حيث يصادر جنود الاحتلال الإسرائيلي الحجر والتراب الذي جلبه في حقيبته.

ويمزج غنام غنام هذه الحكاية مع حكاية أخرى يسترجع أحداثها من عام 1967، عن البيت الذي ولد فيه وعاش قبل نزوح أسرته إلى الأردن “هذا البيت الذي عشت فيه، هنا كنا نلعب، هنا كنا نجلس كل مساء لنغني، هذا درج البيت الذي يقبع في الدور الأول، ثلاث وعشرون درجة، كنت أعدها صعودا ونزولا حين كنت طفلا يتحدّى نفسه بصعود كل درجتين معا ثم كل ثلاثة.. آخر مرة هبطت الدرج في الخامس من يونيو عام 1967، كنت في الثانية عشرة من عمري، وها أنا بعد أربعة وأربعين عاما أصعدها من جديد”.

ثم يتوالى السرد الاسترجاعي في المسرحية، فيستذكر البطل حال أمه بعد وفاة أخيه فهمي، وتفاصيل وفاة ذلك الأخ عام 1992، وشاهدة قبره التي حملت اسم بلدته الفلسطينية “كفر عانا”، تلك البلدة التي هُجّرت منها أسرته عام 1948، ثم حكاية أبيه صابر، فحكاية اعتقال أخيه، آخر العنقود، الطالب الجامعي ناصر.

 نموذج لحكايات فلسطينية كثيرة
 نموذج لحكايات فلسطينية كثيرة

ويبلغ السرد درجة عالية من الشاعرية المؤثرة حينما يحكي البطل عن أبيه ويناجيه “صابر مات حرقا في حاكورة البيت في جرش، لم تسعفه ساقه المبتورة من أسفل الركبة بسبب الغرغرينا على النجاة، كان يجمع ما جفّ من أعشاب الحاكورة ليشعل بها نارا ويتخلّص منها، لم يكن يعلم إنما يُشعل نارا ستأكله كما العشب الجاف الذي جمعه”.

ويسترسل “صابر أيها النشيد الوحيد البعيد الفريد، هل كان الشجر ظلك؟ هل كان العشب وعدك.. صابر أنت الذي لم يكن يكفّ عن الدندنة والغناء حين تكون وحيدا، ماذا كنت تغني وأنت تجر بمشط الأرض الأعشاب الجافة قبل أن تصبح وقودا لنارك؟ صابر لم تستطع العودة إلى فلسطين، وأخاف أن أعدك بأنني سأحمل رفاتك يوما إليها، لأنني مثلك سوف أموت بعيدا عنها، مثلك سأموت في المنفى”.

وعبر البوح وتداعيات الحكي، التي تتخللها مواقف مأساوية وأخرى أقرب إلى الكوميديا السوداء، تنبثق معاناة الشخصية (غنام) حينما يدرك غنام أنه عائد من السفر إلى بلده الأردن، الذي هو بدل فاقد عن بلده الأصلي فلسطين، وأنّ بيته في عمّان هو بدل فاقد عن بيتنا في “كفر عانا” بفلسطين، وأن حياته العملية والعائلية كلها، رغم اعتزازه بها، هي بدل فاقد عن حياته التي كان يفترض أن يعيشها على أرض وطنه.

وفي مشهد ما قبل النهاية، يواجهنا غنام بسرد استباقي يندر استخدامه في المسرح، يقول فيه “سأموت في المنفى، ويحمل نبأ موتي إعلان نعي واحد من نقابة الفنانين بحكم العضوية، والآخر من عائلتي لتحديد مكان العزاء، وسيضع الأصدقاء على الفيسبوك عبارات الوداع على رأس صفحاتهم، يتبادلون بعض مقاطع الفيديو من مسرحياتي.. وسيمشي في الجنازة ولدي، وسيتعذّر الأمر على بنتيّ المقيمتين في فلسطين، فيما ستأتي صغرى البنات قادمة من منفى غربي بارد، لكنها ستصل بعد مراسم الدفن”. ولعل هذا المقطع الذي اجتزأناه من النص يتناغم تماما مع عنوان المسرحية بصيغته الاستباقية التراجيدية “سأموت في المنفى”.

زاوج غنام غنام في أدائه بين الأسلوب التقديمي (أسلوب الراوي أو الحكواتي) الذي يتجنّب تقمّص الشخصية، أو التماهي فيها، مُعززا إياه بالتواصل مع المتلّقين، وكسر ما يسمى بالجدار الرابع (الوهمي) بينه وبينهم لإشراكهم في الفعل المسرحي، والأسلوب التمثيلي (الاندماجي/ التقمصي) متنقلا بين الأسلوبين بمهارة الممثل اليقظ، الحساس، المليء بالحيوية، المسترخي، المسيطر على جسده وحركاته وإيماءاته وصوته، من غير اتكاء على سينوغرافيا، سوى كرسي واحد وظّفه علامة مسرحية متحوّلة للإيحاء بمدلولات عديدة. ومن هنا فإن العرض يصلح أن يُقدم في أي فضاء لأنه يقوم على عنصرين جوهريين من عناصر المسرح: الممثل والفضاء الخالي كما يقول بيتر بروك.

لقد نجح غنام غنام إلى حد بعيد في شدّ المتلّقين إلى العرض وتفاعلهم معه، وتعاطفهم مع الشخصية (شخصيته) التي واجهت مجموعة من المحن في الداخل والشتات، وإيقاظهم وتحريضهم على مواصلة مقاومة الاحتلال الصهيوني لوطنه، وإضفاء البعد الإنساني على القضية الفلسطينية من خلال تأكيده على مقولة “كل إنسان في العالم فلسطيني حتى تتحرّر فلسطين”.

إن أهمية عرض “سأموت في المنفى” لا تأتي من كونه عرضا مسرحيا موجعا يطرح سؤالا كبيرا عن هوية الإنسان الفلسطيني، وتراجيديا شتاته وتقلّبات مصيره فحسب، ليشخّص من ثمة الجرح الكامن في كل ذلك، بل يستنهض بعمق “الفلسطيني الذي فينا”، وهو التعبير الذي اجترحه المخرج جواد الأسدي قبل سنوات، فنحن جميعا، عراقيون وسوريون وليبيون ويمنيون، في المركب ذاته.

17