"سأهبك غزالة" صرخة وجع للذين نكتب لهم ويجهلون وجودنا

الروائي والشاعر مالك حداد يعتبر واحدا من الذين تفخر بهم الجزائر وأحد أشرس المطالبين بالحرية والمناصرين والداعين للثورة وهو الخيار الذي اعتنقه بعد اندلاعها.
السبت 2021/02/06
باريس مالك حداد.. منفى في الحقيقة وفي المتخيل

في الخامسة والثلاثين من عمره، توقف مالك حداد صاحب "سأهبك غزالة" عن الكتابة. عندها قيل إن السبب لغوي بحت، وإن ابن قسنطينة ذا الأصول الأمازيغية، الذي كتب مجموعتيه الشعريتين ورواياته الأربع باللغة الفرنسية، لم يكن يتقن اللغة العربية. هل حقا أن السبب لغوي أم أن صاحب المقولة الشهيرة "اللغة الفرنسية منفاي" قرر الصمت محتجا لأن القارئ الذي يتوجه إليه لا يتقن القراءة بل وحتى يجهل أنه المعنيّ بكل ما كتبه، فاختار لحظة الاستقلال لتكون نهاية مشروعه في الكتابة؟

العلاقات الجزائرية الفرنسية شديدة الالتباس والحساسية، وتبدأ من الدبلوماسية السياسية لتنتهي إلى عالم الرياضة وكرة القدم، أما أكثرها تشابكا فتتعلق بمجال الأدب والفن، وذلك لمدى التصاق الكتابة بالنسيج النفسي والثقافي لأصحابه ومساهمته في بناء الهوية وتشكيلها.

مالك حداد، واحد من الذين تفخر بهم الجزائر بقدر ما تفخر به اللغة الفرنسية التي خصّها بكتابات متفردة ومتميزة على غرار “سأهبك غزالة” التي تتضمن أكثر من رمزية ودلالة لما للغزالة والصحراء من جهة، وللحبيبة ومنطق البحث عن هدية من جهة ثانية.

انصت وسأناديك

كتب

“سأهبك غزالة” ليست مجرد رواية للكاتب والشاعر الجزائري مالك حداد (1927 ـ 1978) تتحدث عن رجل يهيم في الصحراء بحثا عن غزالة حية ليهديها لحبيبته ثم يموت عطشا دون أن يحقق لها ذلك. ليست هذه الرواية التي تعد من نفائس الأدب المكتوب بالفرنسية، سليلة خرافة تروى على سبيل الإمتاع والمؤانسة، والكتابة السياحية، ولا تذكيرا بجماليات استشراقية تؤثث لمكتبات الصالونات الأدبية بل صرخة وجع، أطلقها صاحب مقولة “اللغة الفرنسية منفاي” لكي يعلن هويته وسط تمزق لغوي قاتل، بين لسان مستعمر جعله تابعا دون إرادته، وبين جذور ينتمي إليها في الثقافة والهوية، لكنها لا تنتمي إليه في المنطوق والمكتوب.

كان حداد، يتقطع ألما لأن القارئ الذي يتوجه إليه لا يتقن القراءة بل وحتى يجهل أنه المعني بكل ما كتبه مالك في “سأهبك غزالة” أو حتى كتاباته الأخرى مثل ” ليس في رصيف الأزهار من يجيب” و”التلميذ والدرس” و”الانطباع الأخير”، وكذلك في ديواني شعره “الشقاء في خطر” و”انصت وسأناديك”.

لطالما كانت الصحراء حافزا مهما بالنسبة إلى الروائيين الجزائريين منذ خمسينات القرن الماضي، وظهرت لدى مالك حداد في روايته التي كتبها سنة 1959 من خلال بحث البطل مولاي عن غزالة حية في الصحراء يهبها لحبيبته، ثم موته عطشا فيها دون أن يحقّق لها ذلك.

الغزالة في رواية مالك حداد، لم تكن تعني إلا الحرية التي يسعى إليها أبناء شعبه، وذلك التوازن النفسي الذي يفتقده المؤلف حين لم يكن يقدر على التعبير باللغة العربية وهو الرجل ذو الأصول الأمازيغية الذي نشأ في مدينة قسنطينة بالشرق الجزائري ثم تنقل إلى تونس وباريس و”اكس امبروفانس” التي درس الحقوق في جامعتها وتفتح فيها وعيه الوطني، خصوصا إبان الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أحداث دامية كالمجزرة التي ارتكبها الفرنسيون في حق عشرات الآلاف من الجزائريين في منطقة سطيف، رغم وقوف هؤلاء ضد ألمانيا النازية التي احتلت فرنسا.

شهادات

وفي هذا السياق، يعتبر حداد أن تاريخ ميلاده الحقيقي هو 8 مايو 1945، وهو اليوم الذي خرج فيه الجزائريون إلى الشوارع مطالبين بالحرية التي وعدتهم بها فرنسا إن هم وقفوا معها ضد هتلر، لكنها قابلتهم بالرصاص الذي حصد منهم 45 ألف شهيد.

هذه المجازر الرهيبة جعلت من حداد، أحد أشرس المطالبين بالحرية، والمناصرين والداعين للثورة، وهو الخيار الذي اعتنقه بعد اندلاعها منتصف خمسينات القرن العشرين، فكان أحدَ أصواتها القوية، بلسان فرنسي أدهش الفرنسيين أنفسهم، بحسب نقاد ودارسين.

وفي رواية “سأهبك غزالة”، يستأنس مالك الصحراء التي ذهب إليها مدرسا لفترة وجيزة، في رواية تختفي تحت رواية أخرى وتتحدث عن روائي في منفاه بصدد نشر رواية عن الصحراء، تطالب فيها البطلة بغزالة حية.

وجاءت هذه اللعبة السردية الآسرة في افتتاحية الرواية التي لا تنفصل عن خاتمتها بقوله: وبينما كان المؤلف يهم بالخروج تذكر أنه لم يكتب العنوان لا على الصفحة الأولى من الكتاب ولا على ورقة الغلاف المقوى الذابلة التي كان المخطوط محفوظا فيها فرجع أدراجه إلى المكتب وكتب بحروف كبيرة “سأهبك غزالة”.. ولم يكن اسم المؤلف مذكورا بالمخطوط.

ومثلما كانت رواياته سيرة مموهة كانت أشعاره أيضاً سيرة جمع فيها بين الهمّ الشخصي والهم الجمعي بأسلوب فريد، وهو يعتبر ضمن قلة من الكتاب المتمكنين من ناحية الشعر إلى درجة أن كلامه العادي ومقالاته الصحافية كانت شعراً، على حد تعبير الناقد سليم بوفنداسة.

جسّد مالك حداد، في نظر الباحثة الجزائرية آمنة بلعلي، الفراغ النفسي الذي يعانيه الجزائري في وطنه تحت وطأة الاستعمار، وهو الفراغ نفسه الذي عاناه في باريس منفاه المضاعف. وفي نظر الباحثة فإن باريس/ قسنطينة في الواقع وباريس/ الصحراء في المتخيل، جسدا لدى مالك حداد المنفى المتعدد الأبعاد، بدءا باللغة الفرنسية التي اعتبرها منفاه، إلى الواقع الذي رمز له بالصحراء، ثم باريس التي هي منفى في الحقيقة وفي المتخيل، ولذلك ستصبح الغزالة موضوع السعي في المتخيل رمزا للحرية التي لم يتمكن الجزائري من تحقيقها.

شهيد اللغة العربية

مالك حداد حالة استثنائية في السرد الجزائري
مالك حداد حالة استثنائية في السرد الجزائري

لم يكن حداد يتقن القراءة والكتابة باللغة العربية وهو الذي نشأ في قسنطينة، مدينة عبدالحميد بن باديس، أحد أهم رواد النهضة والإصلاح في الجزائر (1889 – 1940) لكنه كان مفتونا بها ومتألما لكونه غير قادر على الكتابة بها إلى درجة أنه فضّل الصمت على الكتابة باللغة الفرنسية بعد الاستقلال، فاعتبره نقاد ودارسون “شهيدا للغة العربية” بعد إطلاقه لجملته الشهيرة “لا تطرقوا بابي كل هذا الطرق، إني لم أعد أسكن هنا”. وأضاف حداد، في أصعب وأحرج اعترافاته “اللغة الفرنسية حاجز بيني وبين وطني أشد وأقوى من حاجز البحر المتوسط وأنا عاجز عن أن أعبر بالعربية عما أشعر به بالعربية.. إن الفرنسية لمنفاي”.

وعلق على هذا الاعتراف الشامخ، الباحث والشاعر التونسي صالح القرمادي (1933 ـ 1982) في ترجمته لـ”سأهبك غزالة” بكلمة إهداء مؤثرة جاء فيها “إلى صاحب هذه الصرخة الحبلى، وساجن الحب الأشقر والقواميس الألمانية – الفرنسية بفنادق باريس، ومغرق الصحراء والحي اللاتيني في كؤوس النبيذ، ومبيد الغزلان في أعين عشاق العرق الشرقي الأكبر”.

كان ذلك عام 1966، وأضاف الأكاديمي والشاعر التونسي صاحب ديوان “اللحمة الحية” الشهير في كلمة الإهداء عند مستهل الرواية “إلى الصديق الذي لا أعرفه إلا من خلال صدفة أفريقيتنا الشمالية، وفصاحته الفرنسية، وكأس قد شربنا بعقر حانوت لبيع الكتب العتيقة بنهج الأوديون، بباريس ذات عشية، كأس واحدة جمعتنا لأول مرة مشعشعة بمحادثة ثائرة ثورة الإخاء، رقصت فيها أمانينا اللغوية وعربنا فيها بالخيال جميع ما ألفه الكتاب الجزائريون”.

هذا الاحتفاء بمالك حداد، من طرف كتاب مغاربيين، وكذلك فرنسيين وعالميين، لم يجعله مقروءا كما ينبغي في العالم العربي، ماعدا بعض المطلعين على اللغة الفرنسية والمترجمين كالكاتبة السورية ملك أبيض، زوجة الشاعر سليمان العيسى، التي لفتت الانتباه إلى أنَّ كلّ أعمال حدّاد، الروائية والشعرية، كُتبت خلال فترة الثورة التحريرية (1954 – 1962) ثمّ صمت قبل سنةٍ واحدة من الاستقلال، وكأنه قال كل شيء في تلك المرحلة، وكانت لحظةُ الاستقلال و”انتصار القضية” هي لحظة نهاية مشروعه في الكتابة.

وبدا أنّ الصمت الكتابيَّ الذي طال أكثر مما يجب كان يُسبّب له ألماً كبيراً دون أن يصرّح بذلك، فراح يعوّض عن هذا الشعور بتشجيع الشباب على الكتابة في المجلّة الشبابية التي كانت تُصدرها وزارة الثقافة، وقبل ذلك في صحيفة “النصر” التي تصدر في مسقط رأسه قسنطينة، حيث كان يشرف على صفحاتها الثقافية باللغة الفرنسية.

الأصفار تراوح مكانها

مالك حداد يعتبر أن تاريخ ميلاده الحقيقي هو 8 مايو 1945، وهو اليوم الذي خرج فيه الجزائريون إلى الشوارع مطالبين بالحرية
مالك حداد يعتبر أن تاريخ ميلاده الحقيقي هو 8 مايو 1945، وهو اليوم الذي خرج فيه الجزائريون إلى الشوارع مطالبين بالحرية

وهناك من النقاد والدارسين لأدب مالك حداد من يعتبر أن مغالطات كثيرة التصقت بمسار حداد، ومنها أن تلك المقولة الشهيرة التي صارت أيقونة على كل الألسنة، حيث قال أثناء غضبة مبدع بأن “اللغة الفرنسية هي منفاي، لذا قررت أن أصمت، دون أن أشعر بأي ذنب أو مرارة وأنا أضع قلمي”. وقد ساد الاعتقاد وهماً بأن الرجل قد صمت حقاً، وصدّقت العامة جزافاً بأن من يتنفس الشعر، يمكن أن يتنازل عنه بكل سهولة، غافلين أو متغافلين عن كون قرار الانتحار أو النفي الجسدي أهون بكثير على المبدع من أن يهجر فنه.

وثمة من وجد له التبريرات بشكل أو بآخر مثل ملك أبيض، التي خمنت أنه كان على حدّاد، الذي عاد إلى وطنه الأُمّ بعد الاستقلال، أن يصنع له قضيةً جديدةً في سياق زماني ومكاني مختلف، وربما كان يبحث عن كل ذلك في لغة غير اللغة التي كتب بها في تجربته الباريسية، لكنه كان عاجزاً عن امتلاك تلك اللغة، فاختار الصمت لغةً له.

وتساءلت أنه وربما لو استمرّت تجربته في الكتابة بعد عودته إلى الجزائر، لكانت إلى حدّ ما قريبةً من المزاج الرسمي ومتناغمةً مع شخصيته “الجديدة”، وقد أصبح “رجل دولة” بامتياز، وهو الذي كان المؤسّس الأوّل لـ”اتحاد الكتّاب الجزائريين” في صيغته الجديدة ابتداءً من سنة 1974، وأسّس قبل ذلك مجلّةَ “آمال” المخصّصة للكتّاب الشباب.

كان حداد يرى في ترجمة نصوصه إلى العربية بديلا عن صمته وتوقفه التام عن الكتابة، ولم يعايش إلا محاولات قليلة في ذلك. ويجمع النقاد والدارسون على أن صاحب “سأهبك غزالة” حالة استثنائية في السرد الجزائري، لأنها مختلفة ولها منطلقات قد نجد لها مبررا في هذا الشاعر الحاضر باستمرار في كتاباته قاطبة، من “التلميذ والدرس”، إلى “رصيف الأزهار لا يجيب”، إلى “الانطباع الأخير”، وصولا إلى “الأصفار تراوح مكانها”.

كان حداد، يتقطع ألما لأن القارئ الذي يتوجه إليه لا يتقن القراءة بل وحتى يجهل أنه المعني بكل ما كتبه مالك في “سأهبك غزالة” أو حتى كتاباته الأخرى

وفي هذا الصدد يقول الكاتب والناقد الجزائري السعيد بوطاجين، إنه “يمكننا الحديث عن السرد المسرود، ليس السرد الناقل لمجموعة من الوقائع، بل السرد- الهدف. أو السرد- الموضوع، بالمفهوم اللساني”، مضيفا بأن اهتمام حداد بالتصوير المفارق قضية فكرية وجمالية وبلاغية وفنية وفلسفية، لذلك جعله يتبوأ السرد، سرده الخاص به من حيث إنه لا يتجاور مع الجهود الغيرية. وقال في معرض تناوله لآثار مالك حداد الإبداعية “إذا حدث أن افترضنا وجود محور استبدالي للصورة وحدها، على شاكلة المحور الاستبدإلى الذي يخص المعجم، لاستنتجنا الطريقة التي يعتمدها في توليد الصور، وفي طريقة التعامل مع المشبه والمشبه به، مع التأكيد على المسافة القائمة بين الأول والثاني”.

ويذهب نقاد ودارسون لأدب حداد إلى مقاربات ومجاورات كثيرة بينه وبين كتاب عرب وعالميين كالسوري محمد الماغوط أو الأميركي هنري ميللر واليوناني كازانتزاكيس، وإلى حد ما الكاتب الألماني هرمان هيسه في روايته “ذئب البوادي”.

يتماهى عند حداد، ويختلط الشعر بالرواية فيتبادلان الأدوار في خلط لغوي ساحر كقوله “كان أولياء لوسيا مثل سدادات تطفو على نهر. سدادات طيبة، سدادات ودودة، سدادات ناعمة كقلب بلوط الفلين، سدادات بألف عذر، ولكن سدادات على أيّ حال. سدادات ببساطة، سدادات لا توجد إلا برئاسة قنينة. إنه لمن الصعب جدا التفاهم مع ناس طيبين كالسدادات، مع ناس بؤساء كزجاجة مشقوقة”. وفي هذا الصدد قال القاص والروائي بوفنداسة إن حداد كان يعتبر الحياة ظاهرة أدبية، فلا يدري قارئه أين يبدأ الأدب، وأين تتوقف الحياة.

مالك حداد

16