سأهزمك

الأربعاء 2015/06/10

أقــاوم..

يتلاطم مد من الموج العاتي يضرب الجسد ويغرق الفم والرئات بالماء المالح.. يرعبني وهو يقارع إصراري أن أستعيد نفسي من جديد.. أنشب مخالبي في أغصان عزيمتي وأقول: هذي أنا.. أنا التي مرّت بكل تلك الأهوال وعادت لتقف صابرة شامخة.. أستصرخ كل قواي وطاقة أيامي على التحمّل وأصبّها في مفاصلي وأقول: قفي.. انهضي أيتها القادمة من فجر الخليقة حتى آخر عبوة نسفـت أهلك فانتشروا هشيما في الأصقاع ولم تنحني ولم يهتزّ منك إلا بعض السعف محبة أو دفئا أو حنوا..

أحاول أن ألفظ عن أحشائي ما تكدّس من غضب.. أن أسكت “كورة” الدبابير التي تطنّ برأسي ولا تكفّ.. أستميت كي أشغلها عني بكل ما يمكن أن يخطر أو لا يخطر ببال.. لكن الصور والمشاهد والكلمات والأخبار وما كان وما قد يجيء، كله يصب في أذني زيته الساخن ليمنعني أن أسمع أي شيء سواه.. فيلم سينمائي متكامل يبدأ ولا يعرف مخرجه كلمة “نهاية”!.. مسلسل تلفزيوني من مئات الحلقات يبقى يستبد بمخيلتي ويبعد عني التركيز.. يشوّش عالمي هاجس لا يكف يلاحقني مثل أفعوان خبيث.. أينما وليت وجهي أراه مبتسما يكشّـر عن أنياب افتراسي ويعلن انهزامي!

وأقــاوم..

تخرّ قواي ساجدة فأنتشلها مثل أمّ تنتشل وليدها من غرق محتوم.. لكنه يعاند وكأنه يتشبث بموته عامدا.. فأي رعب!.. أيّ نفق من سواد يخنق يومي ولا يدع لي ولو فسحة عابرة للشهيق!.. أعلم بأنني سأقوى على النهوض لأنني أقوى منه!.. وأعني ذلك الجنيّ الذي يطالبني بتوقيع أوراق استسلامي.. ولا يكفّ عن جـلدي لأعترف بكل ما اقترفت وما لم اقترف.. فيصرّ ألا يعتقني حتى أشي بضعفي وقلة حيلتي وأعدّد له كل تواريخ أخطائي وأرقام انهياراتي.. وأعلم أني حتى إن فعلت فلن يطلق سراح روحي لحدائق حياتها.. ولكنني أبقى أقاوم!..

أستجير بصبري.. استنفر أنوار الحب الطافح بين جوانحي وأحاول أن أستعيد ضيائي الذي لا أدري كيف كان يجده كل من حولي ساطعا لامعا وأنا لم أعد أرى منه سوى سراب!.. أنادي عليه: رحماك!.. أينك؟!.. هل شتـّتك البلاد مثلما تشتت أهلي فتناثرت حتى غدوت “نجمة فوق كل رأس؟”.. عـد لي.. عد لداخلي.. ألم أكن بيتك ونبعك الرقراق ونقطة اشتعالك الأولى؟.. هل سئمت شكواي؟.. أم أضنتك قوتي وجلدي وتبجّحي.. وضقت ذرعا بامرأة لبست أديم أرضٍ فغدت بلادا من كوارث؟

لماذا أصر أن أضع فوق رأسي كل أثقال الماضي والحاضر وأصرّ على إعادة تهذيب الكون.. فلا أقوى على الطيران بعد أن ناءت أجنحتي بكل هذا الخراب؟.. العمر قصير، هكذا تحدثني نفسي الأمارة بحب الحياة، وكل لحظة فيه تستحق الاحتفاء والفرح..

الفرح!.. هذه هي كلمتي الأجدى إذا وسلاحي الأقوى.. ولحظه شهيق واحدة منه يمكنها أن تهزم عمرا من الألم!.. أصدق نفسي جدا.. وسأهزمك.. سألملم الضوء والجمال والحبّ والعطاء الذي تبعثر مني وأجمعه في سلة رأسي مرة واحدة.. سأطير به رغم تسلّطك وأنثره فوق كل نـفـس غادرت ونـفيت ونزحت وانتبذت مكانا قصيا عن ضفة الأمل.. سأهزمك أيها الألم.. لأنني أقوى بأحبتي وأبناء فرحي وإخوتي في الجمال ورفاقي في درب العافية..

بابتسامة واحدة من القلب.. سأهزمك.. وسأعود لنفسي من جديد..

21