سؤال إعادة بناء الحل بالصحراء المغربية

الأحد 2016/08/21

في الأشهر الأخيرة من نهاية ولايته يسعى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بمعية مبعوثه للصحراء كريستوفر روس إلى إحداث اختراق في ملف قضية الصحراء المغربية. ويتم الترويج لجولة مكوكية تقود روس إلى المنطقة حاملا مقترحات لخلخلة المفاوضات المتوقفة بين أطراف النزاع.

لم تصل جولات المفاوضات بين المغرب وبوليساريو إلى أيّ نتيجة تذكر، وذلك لتشبث المغرب بموقفه ومقترح الحكم الذاتي الذي قدمه في العام 2007 كسقف لا يمكن بأيّ حال تجاوزه ولكن تمكن مناقشة تفاصيله، وأيضا لعدم امتلاك جبهة البوليساريو قرارها في تجاوز ما أسمته تقرير مصير الشعب الصحراوي.

تعرّض المغرب ولا يزال إلى ضغوطات ومناورات من عدة جهات ومن ضمنها مكتب الأمين العام للأمم المتحدة لتغيير مقترح الحكم الذاتي أو على الأقل تلطيفه بما يتناسب ومصالح القوى المناهضة لوحدة التراب المغربي. توجّه قاومه المغرب بشراسة ودخل في صراع مباشر مع الأمين العام للأمم المتحدة الذي تجرّأ على وصف المغرب بدولة “محتلة للصحراء”.

المقترح المغربي اعتبرته أكثر من دولة وشخصيات وازنة في المشهد السياسي العالمي، بأنه ذو مصداقية ويتسم بالواقعية. لكن هناك من يريد استنساخ تجارب بعيدة عن الواقع المغربي أرضا وتاريخا وثقافة ودينا. ويحاول استدعاء حلول ظاهرها وباطنها لا يستقيم مع خصوصية الصحراء ومقوماتها. وسيناريو تقسيم الصحراء المغربية بفصلها عن جزئها الشمالي يعني دخول المنطقة في متاهات سياسية وأمنية وعسكرية جد خطيرة لن تقوى على كبحها أيّ قوة.

والواضح أن كريستوفر روس يعمل على اقتراحات ليست في صالح المغرب ومصالحه الاستراتيجية، وذلك قبل حتى أن يتم تكليفه بمهمة مبعوث شخصي للأمين العام للأمم المتحدة منذ العام 2009. وها هو اليوم يناور من أجل تهيئة البيئة الحاضنة لاقتراحه الفيدرالية أو الكنفيدرالية في الصحراء.

يأتي بالون اختبار زيارة كريستوفر روس للمنطقة في ظل التوتر المتزايد القائم بين نواكشوط والرباط، وفي وقت يعمل فيه المغرب جاهدا على تطهير منطقة الكركارات المعروفة بقندهار على الحدود مع موريتانيا من مظاهر التهريب والتجارة غير المشروعة والإرهاب، وتأمين حدوده من أيّ اختراق محتمل لعناصر إرهابية.

وفي تقديرنا لا يمكن تفسير التوتر الذي ساد في أوساط قيادات البوليساريو والجزائر من تحركات القوات المغربية بمنطقة الكركارات، إلا بفشل مخططات الانفصاليين ومن يدعمهم في محاولة تسريب العناصر الإرهابية عبر الحدود المغربية نحو الأقاليم الصحراوية لإحداث تشويش على استقرارها وأمنها.

ونجد أن تحرك القوات المسلحة المغربية في ما يسمى بـ”قندهار”، هو رسالة مزدوجة للقوى العالمية تفيد أن الرباط لن تتسامح مع أيّ اختراق أمني من الجنوب، وأن المغرب يعي بشكل جيد مخاطر تمدد الجماعات المتطرفة داخل النسيج الاجتماعي للصحراويين وهذا ما يعتبره المغرب خطا أحمر قبل أن يكون تهديدا إقليميا أو دوليا.

مرور المغرب إلى سرعة أخرى في تعاطيه مع مخرجات هذا التحدي بإصراره على كسر قاعدة الكرسي الشاغر داخل الاتحاد الأفريقي، يصب في خانة محاصرة مخططات سرية تريد النيل من سيادة المغرب والتصدي لأيّ عدوانية ضد مصالحه.

ولا يمكن أن يغيب عن الذهن أن عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي لها فائدتان الأولى محاصرة أيّ توجهات تريد زعزعة مركز المغرب الاقتصادي داخل غرب أفريقيا، والثانية التضييق على داعمي البوليساريو من الداخل ونسف مخططاتهم ومراقبة تحركاتهم عن كثب.

إن المغرب وفّر كل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمخططات التنموية المتتالية، ومنها المخطط الاقتصادي لتنمية أقاليم الجنوب، وسيدشّن فئة أخرى من المشاريع التي تهم البنية التحتية من طرق وميناء ومطارات وخط سكك حديدية، وهذا معناه أولا أن الأقاليم الجنوبية تعرف نهضة غير مسبوقة ردا على كل الادعاءات التي تحاول النيل من ارتباط شمال المغرب بجنوبه، وثانيا، أن الأمر يمثل دحضا لكل المزاعم التي تقول باستغلال غير مشروع للثروات بهذه المنطقة المغربية، وثالثا هو محاربة كل مسببات الإقصاء والتهميش والتفقير المؤدية إلى إنعاش بيئة حاضنة للتطرف والإجرام.

ومن مظاهر ممارسة المغرب لسيادته على أرضه تمكينه لسكان الأقاليم الصحراوية من سلطة القرار الاقتصادي عبر تمتيعهم بفرص الاستثمار والتنمية، وعبر القرار السياسي بالاختيار الديمقراطي الحر والنزيه لمن يدير شؤونهم.

وما اللامركزية والجهوية التي بادر المغرب بتطبيقها، وإن على فترات، إلا وجه من وجوه الحكم الذاتي المقترح مغربيا كحل سياسي عادل ومنطقي للنزاع المفتعل حول الصحراء، ودونه لا تمكن إعادة تركيب عناصر التوافق على حل يستجيب للخصوصية والتكامل والتضامن بين كل المناطق المغربية.

من هنا يحاول البعض نسف مقترح الحكم الذاتي لأغراض غير نزيهة لن تقف عند حدّ المس بالسيادة المغربية جغرافيا فقط، بل المرور إلى الفصل الآخر من مخطط تفتيت عناصر تكامل الشخصية المغربية وضرب كل محدّدات تكاملها تاريخيا ودينيا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا.

كاتب من المغرب

6