سؤال الانتخابات البريطانية: العودة إلى السبعينات أم الخمسينات

عادت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إلى اللعب بورقة تعرفها جيدا، وتعرف أنها تمثل نقطة ضعف لمنافسها الرئيسي زعيم حزب العمال جيرمي كوربين وهي ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. والاثنين قالت ماي إنه لا يمكن أن تتم إضاعة الوقت قبل تحقيق الخروج التام، بالتزامن مع تراجع حاد في شعبيتها لصالح العمال، الذين تمكّنوا من تقليص الفارق الكبير بين الحزب والمحافظين إلى 9 نقاط، قبيل الانتخابات المبكرة التي ستجرى في الثامن من يونيو المقبل.
الثلاثاء 2017/05/23
انقسام عميق بين جيلين

لندن – تدعو رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي الناخبين لدعمها من أجل إتمام الانسحاب من الاتحاد الأوروبي لتلعب واحدة من أهم بطاقاتها في الحملة الانتخابية، فيما تظهر استطلاعات الرأي أن التقدم الكبير الذي يتمتع به حزبها تقلص.

وأظهرت سلسلة من الاستطلاعات قبل الانتخابات المقررة في 8 يونيو أن تقدم حزب المحافظين على حزب العمال بقيادة جيريمي كوربين تقلص بما بين تسع نقاط مئوية في آخر يوم من المهلة المسموحة للناخبين كي يسجلوا أسماءهم، وهو انخفاض كبير عن الفارق الذي كان بين الحزبين قبل أن تدعو ماي لانتخابات مبكرة وهو 20 نقطة مئوية.

ويرى كثيرون أن ماي تميل بشكل راديكالي باتجاه اليمين، ويقولون إن “هذا ليس جيلا يمهّد الطريق للجيل القادم، فبريطانيا عكست النظام الطبيعي للتقدم، وبدأت تعود إلى الماضي”.

وتعرّضت حركة الشباب في حكومة رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون للاحتلال من قبل الكبار في إدارة تيريزا ماي.

وكان توني بلير رئيس الوزراء العمالي الأسبق في الثانية والخمسين من عمره عندما فاز للمرة الثالثة في الانتخابات.

وسيكون زعيم العمال الحالي جيرمي كوربين في سن الثامنة والستين عندما يدخل معركة الانتخابات الأولى والأخيرة بالنسبة له في الثامن من يونيو المقبل.

ويقول فيليب ستيفنز، محلل الشؤون السياسية في صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية إنه “ينبغي لنا ألا نتظاهر بأننا فوجئنا بأن هذه هي منافسة ما بين الرؤى التي تنتمي إلى الماضي لا إلى الحاضر”.

وتعود ماي مرة أخرى إلى عقد طفولتها المبكرة، فبريطانيا في الخمسينات من القرن الماضي كانت تشهد فترة مفضلة لدى المحافظين.

في شفرة الحكومة البريطانية، منصب رئيس الوزراء هو أقرب إلى المباحث الداخلية منها إلى الاستخبارات الخارجية

ويتم تذكرها على أنها عصر تفاؤلي، لكنه منظم، حيث الاتجاه نحو الحداثة يحترم الماضي حسب الأصول الراسخة. لكن هذه الرؤية على ما يبدو بدأت تأتي بنتائج عكسية.

وعندما دعت ماي إلى انتخابات مبكرة، أشارت استطلاعات للرأي إلى أنها ستحقق فوزا ساحقا يشبه فوز مارغريت ثاتشر عام 1983 بأغلبية 144 مقعدا في البرلمان الذي يضم 650 مقعدا.

لكن هذه الصورة تغيّرت بعد أسبوع من عرض حزب المحافظين وحزب العمال برنامجيهما على الناخبين.

وسعت ماي لجذب المؤيدين التقليديين لحزب العمال بخليط من التعهدات الأكثر راديكالية من سلفها ديفيد كاميرون.

وكان من ضمنها نقل حصة كبيرة من عبء تكلفة رعاية كبار السن من دافعي الضرائب إلى متلقي الخدمة الذين يمكنهم تحمل دفع ثمنها.

وأثار ذلك مخاوف من الاضطرار لبيع منازل البعض بعد وفاتهم لسداد كلفة الرعاية التي تلقوها بدلا من أن يرثها أبناؤهم.

ووصف بعض معارضي ماي الاقتراح بأنه “ضريبة الخرف”، مشيرين إلى أنه سيؤثر بشكل خاص على الذين يحتاجون رعاية طبية طويلة الأمد في منزلهم.

وكانت ماي دعت إلى الانتخابات المبكرة لزيادة أغلبيتها في البرلمان والحصول على التفويض الشعبي اللازم لاستراتيجيتها التفاوضية بينما تستعد بريطانيا لخوض محادثات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

لكن إذا حصلت على أقل من أغلبية مؤثرة سيكون رهانها على الانتخابات قد فشل.

وبعد أن أظهرت نتائج استطلاعات الرأي تراجع الفارق بين الحزبين من 20 نقطة أو أكثر في بداية الحملة الانتخابية يكون من المتوقع أن تفوز ماي بأغلبية اقل قد تصل إلى نحو 40 مقعدا.

نشطاء وسياسيون

وبالنسبة لكوربين، تمثل فترة السبعينات الفوضوية العلامة الأبرز في حياته، فقد أطاحت النقابات العمالية بحكومة المحافظين، وخرج اليسار إلى الشوارع في احتجاجات دائمة على “الإمبريالية الأميركية”، وكانت الثورة تطل برأسها من الأفق القريب.

وكانت هذه هي الصورة المثالية من وجهة نظر الناشط في الاتحادات العمالية الذي ينتمي إلى اليسار المتطرف.

وماي موجودة في 10 داوننغ ستريت منذ عشرة أشهر. ولم يفلح من راقبوها عن كثب في تحديد أي شيء يمكن تسميته “بعقيدة ماي”.

على الرغم من ذلك، هناك أدلة وقرائن من شاكلة ازدرائها لمجموعة كاميرون المكوّنة من الأثرياء.

هل هو حنين إلى الماضي أم عجز عن التقدم

واحتفى كاميرون ووزير خزانته جورج أوزبورن بالنزعة المحافظة في المدينة، المتمثلة في حي المال، والتي دافعت عن العولمة. النزعة المحافظة التي تتسم بها ماي متجذرة في النزعة الإنكليزية لدى أهل المقاطعات والريف.

وتحاول ماي تبنّي شعار يجعلها في صف العائلات التي تندرج في الكليشيه السياسي الذي كان سائدا في ذلك الحين “قادرة بالكاد” على البقاء على قيد الحياة في الأوقات الاقتصادية العصيبة.

كما أنها لا تتأثر بالمغامرات الخارجية. عندما كانت وزيرة للداخلية في عهد كاميرون، شعرت ماي بالحنق بسبب مناقشات وزارية مطوّلة حول قصف أهداف في العراق وسوريا.

ويقول ستيفنز “في شفرة الحكومة البريطانية، رئيسة الوزراء هي أقرب إلى المباحث الداخلية منها إلى الاستخبارات الخارجية”.

وفي بريطانيا يتحمّل جهاز “ام أي 5” المسؤولية الرئيسية عن الأمن الداخلي، ولا سيما مكافحة الإرهاب.

أما جهاز “ام اي 6” أو وكالة الاستخبارات السرية، فهو يولي اهتماما أكبر للتهديدات من على بعد. بالنسبة للسيدة ماي، يبدأ الأمن من الداخل.

وكل هذا يشير إلى مجموعة من الدوافع التي تشكل فلسفة ماي للحكم، التي ترى إن الفكر المثالي الذي ساد في الخمسينات هو الذي يمثل حلقة الوصل.

وإذا تم استثناء حالات التعصب في ذلك الوقت نجد أنه عصر من الحراك الاجتماعي، يتسم بوجود مجتمعات مستقرة جنبا إلى جنب، وأسر قوية وشركات محلية مزدهرة.

وكان الناس يرتدون أفضل الثياب أيام الأحد. ويذهب القليل منهم إلى الكنيسة.

وكان لا يزال نجوم البوب يرتدون البدلات الرسمية. ويقال إن المدارس الحكومية كانت مملوءة إلى حد كبير بأطفال ينتمون إلى الطبقات العاملة المحترمة.

ويقول أحد مراقبي الحكومة البريطانية، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لـ”فينانشيال تايمز”، إن “ما يميّز ماي عن شخص ليبرالي اقتصادي مثل أوزبورن هو الأولوية التي توليها للمجتمع بدلا عن الاقتصاد”.

وكان وزير الخزانة السابق يعتبر أن حركة الهجرة على نطاق واسع من الاتحاد الأوروبي هي مصدر للنموّ الاقتصادي. لكن رئيسة الوزراء الحالية تخشى أن تؤدي الهجرة إلى تفكك ثقافي.

وكان أوزبورن يحتفي بجاذبية بريطانيا من وجهة نظر الشركات العملاقة في صناعة التكنولوجيا العالمية.

في حين تفضّل ماي “الرأسمالية الأبوية” التي سادت في فترة الخمسينات، عندما كان القطاع المصرفي لا يزال تجارة محترمة، وتعرف مجالس إدارة الشركات المسؤوليات الأكبر من مجرد تحقيق أقصى قدر من أجر التنفيذيين.

العيش في السبعينات

لكن على ما يبدو فإن كوربين لم يغادر فترة السبعينات قط، فحياته المهنية في الحقل السياسي كانت حياة قضاها منغلقا على نفسه ما بين مختلف فصائل اليسار المتطرف، أتباع تروتسكي، وأتباع الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين، والمحبين للزعيم الألباني الراحل أنور خوجا.

وقال جون ماكدونيل، وهو أقرب المقربين لكوربين ووزير الخزانة المحتمل في حكومة عمالية، خلال اجتماع في عطلة الربيع في مايو هذا الأسبوع، تحفه الأعلام التي تحتفي بالحكم الشيوعي لستالين وديكتاتورية حزب البعث تحت حكم الرئيس بشار الأسد في سوريا.

فيليب ستيفنز: لم نفاجأ بأن هذه هي منافسة ما بين الرؤى التي تنتمي إلى الماضي لا إلى الحاضر ولا المستقبل

والآن، كما كان في الماضي، ما يهم بالنسبة لليسار المتطرف هو الإبقاء على معارضته للولايات المتحدة.

وإذا بدا زعيم العمال غير مناسب نهائيا لتولي مهام قيادة بريطانيا، سيكون ذلك لأن حياته في الماضي كانت عبارة عن حياة من أجل معارضة من يتولى مهام السلطة.

ولا يبدو أن البريطانيين قادرون على تصوّر كوربين وهو واقف عند مدخل مبنى رئاسة الوزراء.

ويشكك كثيرون في أن كوربين، بينه وبين نفسه، يطمح في أن يأخذ هذا الاحتمال بعين الاعتبار.

لكن بالنسبة لأولئك الأثرياء الذين ينتمون إلى طبقة الليبراليين، فإن الانتخابات هي رهان مضمون: حيث يمكنهم تلميع المصداقية الاشتراكية من خلال حقيقة أن المحافظين سيواصلون اتخاذ قرارات تتعلق بمقدار الضرائب التي سيدفعونها.

ويقول مراقبون إنه ليس هناك ضرر في الحنين إلى الماضي بحد ذاته. وخلال فترة الخمسينات، كانت بريطانيا لا تزال قوة عالمية، أو على الأقل تلك كانت نظرتها إلى نفسها.

وكانت الدولة قادرة على التمتع بالفترة التي تلت الانتصار في الحرب العالمية الثانية، حيث عملت التكنولوجيا – السيارات والغسالات والمكانس الكهربائية والتلفزيونات – على تحويل حياة الأفراد من ذوي الدخل المحدود.

وبدأت قوى المجتمع الأكثر اتزانا ومدنية بالتقدّم والتنظيم لمكافحة عوامل التحيز والتعصب القديمة.

ويقول ستيفنز “في الوقت الذي تعد فيه ماي الناخبين بتحقيق النجاح في مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، ربما يتعيّن عليها النظر بشكل أوثق في التاريخ، فقد ادعى هارولد ماكميلان، رئيس الوزراء المحافظ آنذاك، بأن الناخبين في المملكة المتحدة “لم يحظوا أبدا بمثل هذا الوضع الجيد”، وكان يطلق عليه لقب سوبر ماك.

وأضاف “ورغم ذلك، حتى مع إشادته بكل الإنجازات التي حققتها حكومته، علم ماكميلان بحلول العام 1960 بأن اللعبة قد انتهت”.

وفي هذا الوقت كان يتم تجاوز بريطانيا اقتصاديا وسياسيا من قبل جيرانها من الدول الأوروبية، فهي لم تعد تملك في ذلك الوقت الموارد اللازمة لتتوافق مع طموحاتها العالمية.

لذلك انتهى عقد الخمسينات بجرعة كبيرة من الواقعية. كانت هنالك إجابة واحدة فقط معقولة، بحسب ما قرر ماكميلان: يجب على بريطانيا الانضمام إلى السوق المشتركة في أوروبا آنذاك، أي النواة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي حاليا.

13