سؤال السعوديين الملح بعد جريمة الدالوة: كيف نتعايش

الثلاثاء 2014/11/18

بعد الجريمة الإرهابية في بلدة الدالوة في الأحساء، ليلة العاشر من محرم، التي راح ضحيتها 8 شهداء وعدد من المصابين الشيعة، بدا أن السعوديين جادون في قراءة واقعهم الجديد، الذي من المفترض أن يؤرخ له من تاريخ هذه الحادثة، كونها، في نظر الكثيرين، تشكل مفصلا بين اليأس والأمل. اليأس الذي شهدته عقود من التفريق والتحريض وصناعة الكره بين الناس، والأمل بأن يكون القادم أفضل وأكثر اتساعا واستيعابا للجميع، فهل هذا ممكن أم أن المسألة كانت مجرد (ردة فعل) وقتية، جراء هذه الحادثة البشعة، سرعان ما تتبخر ليعود النافخون إلى نيرانهم ويعود الطائفيون، سنة وشيعة، إلى غلوائهم يصبون مزيدا من الزيت على النار؟

الحقيقة، التي لا لبس فيها، هي أن الموقف السعودي الموحد ضد ما جرى في الدالوة كان مفاجأة سارة لكل العقلاء والوطنيين الذين يخشون وقوع بلادهم في مستنقع الفتنة الطائفية. ويريدون أن يجنبوها، ما استطاعوا، الانزلاق في أتون هذه الفتنة المجربة الآن عيانا في كثير من الدول العربية، لاسيما في أكثر الدول سخونة وهي العراق وليبيا وسوريا واليمن، التي تقع على مرمى حجر من الحدود الجنوبية للمملكة، والتي يرى السعوديون في انفلاتها الأمني، بمعطيات طائفية صارخة، تهديدا واضحا لاستقرارهم.

ولذلك لم أستغرب، أثناء وجودي في الدالوة لتقديم العزاء، أن أرى طابورا من الرسميين وزعماء القبائل والوجهاء والمثقفين والمفكرين والإعلاميين يتناوبون على منبر الخطابة الذي أقيم في مقر العزاء ليمقتوا الطائفية وصناعها وليرفضوا الإرهاب بكل أشكاله.

وقد تجاوزوا جميعهم، بوضوح تام، حالة الاختطاف التي تعرض لها الناس من طرف الشيعة والسنة، في مرحلة ما بعد الثورة الإيرانية الخمينية، وأثناء مرحلة ما يسمى الصحوة. ونحن نعلم أن هاتين المرحلتين المتزامنتين أحدثتا أثرا مباشرا سيئا لدى المكون البشري السعودي بأغلبيته السنية وأقليته الشيعية.

هذا الأثر الذي لم يعبّر عنه، فيما مضى من سنوات، سوى تعبير لفظي من خلال الخطب والمقالات والفيديوهات التي تمارس (الزنّ) الطائفي وتزايد على بعضها لدى الطرفين، اللذين يراد لهما، مثل غيرهما في أماكن عربية أخرى، أن يكونا متناقضين رغم المشترك الوطني الواحد فيما بينهما. وقد تبنى هذه المزايدات، بتمكين سياسي غالبا، مجموعة من الوعّاظ السنة والشيعة الذين اكتشفوا طريقا سهلة للنجومية والمغانم الفئوية والشخصية من خلال التصعيد اليومي للهجة الطائفية، بما في ذلك، الإصرار في كل مرة، على استحضار التاريخ وتوظيفه، دينيا وعاطفيا، لكسب أصوات العوام وأضواء الإعلام.

وباعتباري شاهد عيان، حيث أعيش في المنطقة الشرقية من المملكة، التي تتركز فيها الطائفة الشيعية، منذ أكثر من عشرين سنة، أستطيع أن أقول بأن لفظة (الطائفية) ذاتها لم تكن طوال هذه السنوات، أي قبل سنوات العنف الطائفي اللفظي الذي تبناه بعض الوعاظ، ترد على أي لسان. ولم تكن، لا النخبة ولا مجتمع المنطقة الشرقية بشكل عام، في وارد التعامل فيما بينهم على أساس طائفي يفرز سني عن شيعي أو يظلم شيعي لحساب سني. وهذا لا يعني أنني أنفي بعض التصرفات الفردية، لكنني هنا أتحدث عن مشهد مجتمعي عام أعرفه تماما من الداخل في مناطق السنة ومناطق الشيعة، وأعرفه في تصرفاتهم وعلاقاتهم ببعضهم.

هذا الخطاب الطائفي تعزز، بطبيعة الحال، بعد اختطاف قوى الإسلام السياسي لما يسمى ثورات الربيع العربي، حيث أصبح قميص الطائفية، من ضمن قمصان أخرى، يروّج له لدى الجماهير، في كل البلدان العربية، لكسبها إلى هذا الصف أو ذاك. ومن الطبيعي أن تتأثر المملكة بهذا الترويج وهذا الشحن الطائفي، خاصة وأن بذور الطائفية موجودة، بشكل أو بآخر، في خطابات الطرفين، كما ذكرت، ولا تحتاج سوى لمزيد من النفخ في الرماد.

إزاء هذه الإرهاصات وتراكماتها، ظن المتربصون والمترقبون لنتائج (طائفياتهم)، بعد وقوع جريمة الدالوة، أن المملكة وقعت في منزلق الفتنة الطائفية وأنهم حققوا أهدافهم.

لكن السعوديين، سنة وشيعة، فوّتوا عليهم الفرصة التي ينتظرونها، إذ بدلا من أن يمكنوهم، كما توقعوا، من تحقيق هذه الأهداف فاجأوهم بوقفة رسمية وشعبية رائعة وقوية ضد هذه الجريمة الإرهابية، ووضعوهم أمام مشهد تضامن غير مسبوق، حين توافدوا من كل مناطق المملكة ورفعوا في يوم التشييع صور شهداء الدالوة، إلى جانب صور الشهداء من رجال الأمن الذين قضوا في مطارداتهم للإرهابيين.

بل وتعدى السعوديون ذلك إلى طرح أسئلة جديدة من أبرزها سؤال ملحّ لا يزالون يطرحونه إلى الآن في الصحف وفي وسائل التواصل الاجتماعي وهو: كيف يمكننا أن نتعايش مع اختلافاتنا وألواننا العقدية والقبلية والمناطقية؟ ومجرد طرح هذا السؤال، من وجهة نظري، يعني أن الأرض السعودية أصبحت قابلة لاستنبات المتغيّرات التي يفرضها الواقع، وأن المكابرة على هذه المتغيرات لم تعد تجدي، كما لم يعد ينفع أن يسيطر لون واحد على باقي الألوان المتعددة في مجتمع المملكة.

والمهم الآن هو ألا ينطفئ هذا السؤال، خاصة لدى نخب المجتمع، الدينية والثقافية، التي تتحمل، قبل غيرها وحتى قبل القرار السياسي المنتظر على هذا الصعيد في صورة تشريعات وقوانين، مسؤولية تجنيب البلاد مزيدا من جرائم الإرهاب ونذر الفتنة. ومسؤولية هذه النخب تتحدد أولا في بلورة مفهوم (التعايش) الذي يبحث عنه السعوديون، وتتحدد ثانيا في توعية المجتمع وترسيخ هذا المفهوم لدى أفراده الذين، في غالبيتهم، اختطفوا إلى خطاب التكفير والكره والعنف.

ما لدينا الآن هو، فيما يبدو، فرصـة أخيرة ليبني السعوديون أسس التعايش فيما بينهم. ولذلك لا بد من أن يبدأوا ومن فورهم، كما دعوت ودعا غيري من قبل، بالجلوس إلى مائدة حوار حقيقية تنتج حوارا صريحا ومضبوطا فقط بالانتماء الوطني الصرف، الذي يجب أن يغلب على كل انتماء أو عاطفة من أي تيار. مثل هذا الحوار، في نظري، هو الذي سيبلور حالة التعايش ويمهد الطريق لبناء حالة وطنية تعيد صياغة علاقة السعوديين ببعضهم، وما عدا ذلك هو تضييع للوقت وتفويت لفرصة مناسبة.


كاتب سعودي

8