سؤال العمق ورعب الزمن

الاثنين 2016/08/22

يكاد البحث عن العمق يحتلّ صدارة الاهتمام لدى معظم المشتغلين في ميادين الأدب والفكر ومختلف الفنون السمعية والبصرية.

يردّد البعض من الناس، وحتّى البعض من المتخصّصين في مجالات نقدية وفنّيّة، ما يقال عن أعمال معيّنة من أنّها مميّزة وجميلة لكنّها تفتقر إلى العمق، وقد يكون الاستدراك لإثبات المعرفة والقدرة على التمييز بين الأعمال وتقييمها بطريقة نقديّة، لكن ذاك الاستدراك الخالي من المعنى والهمّ والتدقيق والوعي نفسه أحياناً قد يتحوّل إلى معضلة لدى الآخر الذي يشكّ في قدراته وفنّه ونفسه.

لا يتعلق مفهوم العمق بهوس أو سؤال، وقد يتحوّل إلى معضلة حين يصرّ المرء على إقحامه في أعماله، وكأنّه مفهوم ملموس يمكن القبض عليه، أو دسّه بطريقة ما في المتون، ولربّما يكون من الأجدى أن تقوم آثار التجارب الحياتيّة والقراءات المتراكمة بإظهار نفسها بطريقة بسيطة من دون أيّ تكلّف، لأنّ السعي إلى التكلف يؤدي إلى النقيض، وقد يدفع الساعي إليه إلى فخاخ اليأس ومستنقعات الشكّ، فيفقد ثقته بنفسه وأعماله، ويضيع في مهبّ البحث عن وهم قد يودي به.

في قصّة له بعنوان “هوس العمق” يحكي الألماني باتريك زوسكيند كيف أن أوهام المرء قد تصور له العالم قبيحاً، خالياً من المعاني، عارياً في مواجهة ضياعه وقلقه وبحثه المحموم عن ذاته، وقد تغدو إشارات بسيطة منعطفات مهمة في حياته، فيذعن بعدها لنداء الهزيمة في روحه، ويقع في فخ اليأس والقلق والحيرة والضياع، ويغيب عن زمنه ومكانه، ويضيع في متاهته القاتلة التي تطبق عليه عبر تلك المشاعر السلبية التي تسكنه وتقوده.

يصور صاحب رواية “العطر” الشهيرة مشاهد من حياة فنانة شابة يتغير مسارها من فنانة مقبلة على الحياة، منشغلة بعملها الفني، مبدعة، مميزة، إلى أخرى مهووسة بأقاويل الآخرين عنها، وفقدانها ثقتها بنفسها، ووقوعها بين براثن اليأس والخذلان، وارتهانها بسلطة الشك التي هيمنت عليها، وذلك كله بعد أن أبدى أحد النقاد رأياً في تجربتها وأعمالها في معرضها بالقول إنها لافتة، لكنها تفتقر إلى العمق. وذاك ما دفع الفنانة إلى الوقوع في مرحلة خطرة، فقدت كل شيء في بحثها عن العمق الذي أصبح وسواسها القهري وأدّى بها إلى الانتحار.

سؤال العمق يستحضر سؤالاً آخر هو سؤال الزمن، إذ يشار عادة إلى أنّ الأعمال العميقة وحدها هي التي يكتب لها الصمود والخلود، ولكن ألا يكون الزمن نفسه نقطة هوس للكثير من الفلاسفة والمفكّرين والأدباء؟ ولعل تعبير القديس أوغسطين عن الزمن يلخّص جزءاً من الفهم الإشكاليّ للزمن أو”عدم فهمه”، وهو الذي يقول بما معناه إنّه يعرف ما هو الزمن إن لم يسأله أحد عنه، ولكن إذا ما سأله أحد عنه فإنّه لا يعرف كيف يفسّره. ربّما كذلك العمق، يعرف الأديب ما هو حين لا يسأله أحد عنه، وحين يُسأل عنه فإنّه يجهل كيف يعبّر عنه بكلمات أو صور.. وربّما ذاك هو أحد مفاتيح العمق والسرّ المفضي إليه.

كاتب من سوريا

15