سؤال النص الجديد

عبور النص من جنس إلى جنس حتى من دون تسمية جديدة، هو ارتفاع في مستوى الذائقة الإبداعية تأملا وكتابة وإشهارا، وهو ما يجب أن يكونَهُ في حالة تمرّد على التجنيس لخلق معادِل جديد في نص مفتوح.
الخميس 2019/01/24
أجنحة التحليق تأخذنا عاليا إلى سماء الإبداع

سأتحدث هنا في قضية شاغلة تتعلق بالكتابة الجديدة، وعن النص الجديد المنفرد؛ ذو العلامة الشخصية؛ لأقول إنه يستجيب إلى مفردات الحياة المهملة وأسطورياتها المتعددة؛ من تلك التي لا تشكّل هاجسا للكتابة أو لا تنبني على فكرة قصصية وشعرية وروائية، بينما يقوم مثل هذا النص على تبنّي المهمل من الحياة الذي عبرته الفنون والآداب نسبيا، بما في ذلك الفلكلور والشفويات الحكائية ما تُرك منها على الأرصفة والمقاهي والبيوت وفي ألسن الحكواتيين، تلك التي لا تشكلّ هاجساً للكتابة في ما مضى، بقدر ما تلوّح بأن الكثير من المفردات اليومية قابلة لأن تكون أفكارا جيدة، وتنبعث من رماد الزمن إلى إيقونات أدبية لا تنفعل بالشكل الدارج من القصة أو القصيدة، لكنها تستلهم كل ما يمكنها أن تستلهمه من سيرة شعرية أو قصصية وتؤالف بينهما في إعمار وتشييد نص جديد ليس مهما تسميته أو تجنيسه، فالعصر الأدبي عَبرَ التجنيس والمسمّيات القارّة التي قيّدت الكتابة على نحوٍ واضح. مع أنّ النص المفتوح هو تسمية شاعت في حفريات النقد الما بعد حداثي.

عبور النص من جنس إلى جنس حتى من دون تسمية جديدة، هو ارتفاع في مستوى الذائقة الإبداعية تأملا وكتابة وإشهارا، وهو ما يجب أن يكونَهُ في حالة تمرّد على التجنيس لخلق معادِل جديد في نص مفتوح لا يقف أمام شكل سابق في إطار الانطلاق إلى مشارف أكثر انفتاحا وسعةً على النص من حيث كونه نصا مختلَقا، يساوي بين الإضافة وتحديث جوهر الشكل من دون أن يقف عند حدود معينة، كما فعل رولان بارت في “أسطوريات” عندما لجأ إلى علامات نصية في تفكيك الأسطورة وإعادة تشييدها عندما لاءَمَ في نصه المفتوح بين السيرة والموضوع بطريقة إدراج الشفويات اليومية ضمن أسطورة الكتابة في علاماتها الفارقة، وتحديد منهجية ممكنة في اعتبار الشفويات المتداولة “مفردات” قابلة للهضم في أسطورة الكتابة نحو نص مفتوح بلا أجنحة ساندة، سوى أجنحة التحليق الجديدة من دون مرجعيات إبداعية قديمة في تسمية شاعت غربا وهي نصوص ما بعد الحداثة ككتابة جديدة خارجة من مفهومها الشخصي، ترافقها مع منهجيات نقدية كثيرة تولاها أمبرتو إيكو في تحليله لسرديات جيمس جويس، ثم الاتجاه إلى الأسطوريات والفلكلوريات والحكايات الشعبية في أبعادها الصوفية لإشاعة النص المفتوح عند إيكو أو النص المقروء عند رولان بارت، بعيدا عن النص المغلق الذي يتوقف عند توجيه تفسير أحادي وقد لا يسمح بالتأويل.

إنّ الشفويات اليومية في أسطورياتها المتعددة تحت مناخ الكتابة الجديدة واشجت في ما بينها في امتصاص تفاعلي بين النصوص -بتعبير جوليا كريستيفا- وبتحولات دلالية جديدة في أنظمة جديدة لها قدرة راصدة في إيلاء الجديد العناية المتوقعة في إشهار أثره الناجح، عندما ندرس تلك الأسطوريات والحكاية والشفويات المتعددة في لغات الشعوب وتتبع أثرها في معيارية نقدية كاشفة تتوخّى إحالة النص إلى مرجعيته الفطرية.

لا يوجد نص مغلق بتقديرنا. إنما يوجد نص في مثلث غير متساوي الأضلاع، فكل النصوص مفتوحة على التأويل والشرح والمعنى والتفكيك، حتى وإن لم تدخل في حيز التسمية / رواية – قصيدة – قصة – مسرحية / فالمسمّى دال والدال يأخذ صيغته القارّة من القانون الأدبي المتعارف عليه طويلاً، لذلك فالنصوص مفتوحة أمام المعاينة النقدية والتلقّي العام حتى وإن تقاطعت فيها الرؤية النقدية والفنية، وبالتالي فإنّ الكتابة الجديدة التي شقّت طريقها من دون امتصاص نصوص أخرى إنما سعت لتوطيد علاقتها بالأثر الجمالي المبتكَر في كتابات ما بعد الحداثة الأدبية.

14