سؤال بسيط.. ولكن مكلف

مؤسف أن يلجأ المظلوم إلى الأخلاق والقانون وهما سلعة الظالم عندما تهزمه الحاسبة، ومؤسف أن يجد المظلوم نفسه عاجزا مرتين، الأولى عندما لا يُلحق بغريمه الضرر والثانية عندما لا ينفعه القانون.
الجمعة 2020/06/12
من المؤسف أن يلجأ المظلوم إلى الأخلاق والقانون

ما من احتلال على وجه الأرض، وما من مشروع استعماري، تخلى عن مصالحه لأن المستعمرين أصبحوا أخلاقيين أو متحضرين أو أدركوا قيمةً للقانون.

هذا تاريخ لا يعمى عنه عاقل ولا جاهل. فما لم تكن هناك تكاليف، تزداد تأثيرا وضررا، وما لم تبلغ هذه التكاليف حدا يفوق الفوائد فإن المحتلين لن يتخلوا عن شبر ممّا اغتصبوه.

عندك جار يطمع بحديقتك. في البداية، أرسل أطفاله ليلعبوا فيها. ثم أقام لهم أراجيح. ثم سوّر الأراجيح بجدار، ثم قرر أن يبني غرفة استراحة، ثم وسّع الغرفة لتصبح منزلا. كل هذا وأنت لا تلحق به قدرا من الضرر يكفي لردعه. فلماذا لا تبلغ به الجرأة على القول إن تلك الأرض هي أرضه، وإن الله أعطاه إياها، وإن هناك مخطوطات تمليك من ما قبل التاريخ مدفونة في مكان ما من تلك الأرض، وإنه يبني منزلا فوقها ليس لأنها ملك له فحسب، بل لأنه يبحث عن تلك الوثائق التاريخية المهمة أيضا.

ثم وهو يفعل ذلك، فإنه يقيم علاقات مع جيرانك، وينشئ دائرة مصالح مع آخرين، ثم يحاول أن يعقد اتفاقيات قبول بالواقع لعلك ترضى بربع ما بقي لك من الحديقة، ثم يحوّل هذا الربع إلى جبنة سويسرية لكثرة ما رمى فيه من حجارة، ثم قرر أن يستوطنها هي الأخرى.

هل هناك شيء أبسط من هذا الواقع؟ فبأي معنى من المعاني يجب على إسرائيل أن تنسحب من الأرض المحتلة، وهي لا ترى ضررا ولا تدفع ثمنا يفوق ما تصبو إليه؟

عندما خبت سياسات إلحاق الضرر بالاحتلال، وألقت رحلها خيارات المقاومة المسلحة، تصاعدت حركة الاستيطان، وتحولت أطماع إسرائيل بالأرض الفلسطينية إلى مشاريع مفتوحة الشهية وبلا حدود.

أليست الصلة واضحة بين هذا وذاك؟

ويجب الاعتراف بأن إسرائيل، كأي مستعمر آخر، لا تأبه في الواقع بكلفة الاحتلال من ناحية الخسائر البشرية. ولكنها عندما تجتمع مع خسائر مادية، وعندما تتضاعف مرة بعد أخرى، فإن المستعمرين سوف يُجبرون على مواجهة الحقيقة، وهي أن احتلالهم الذي بات مكلفا أكثر من منافعه، لن يعود صالحا للاستمرار.

ولا تقلق بالقليل ولا بالكثير. فالمستعمر يستخدم الآلة الحاسبة. فعندما يبلغ الناتج الإجمالي بالناقص مرة بعد مرة، فإنه هو الذي سوف يبحث لنفسه عن أعذار أخلاقية أو حضارية أو قانونية لكي يُقنع نفسه، بأنه ينسحب امتثالا لها، وليس بسبب ما ظلت الآلة الحاسبة تقول له. وسوف يعود ليبيع عليك أخلاقياته لكي لا يرى نفسه ذليلا أو مهزوما.

وأساليب إلحاق الضرر كثيرة. بل يحسن ألّا تستثني شيئا على الإطلاق. ولكي لا تكون مجرد هذيان شعارات وهستيريا أعمال دعائية فارغة، أو كلام ثقافي أجوف، فإنها يجب أن تستعين بالآلة الحاسبة حصرا. وبين أضرار اقتصادية، وأخرى بشرية، وأخرى دبلوماسية، ورابعة اجتماعية.. فإنه من المستحسن تبويبها على نحو يماثل التبويب الذي ينظر إليه المستعمرون ويشكل شاغلا مهمّا لهم.

لم نكن بحاجة إلى كل ذلك من قبل. لقد قاومنا المستعمرين وطردناهم، كما فعلت الكثير من شعوب الأرض من دون حاجة إلى آلات حاسبة. ما فعلناه، في الكثير من الأمثلة، كان اندفاعا نضاليا نؤخذ به ولا نجد منه مفرا.

ما حصل، هو أننا طردناهم. وما حصل، هو أنهم صاروا، من بعد ذلك، “متحضرين” و”أخلاقيين” ويحترمون القانون، بل وعادوا ليبيعوا علينا سلعا من قبيل الحريات وحقوق الإنسان وحقوق المثليين.

ما يمكن التطلع إليه، هو أن تنشأ هيئة فلسطينية تحسب التكاليف التي يتكبدها الاحتلال. والغاية لا تقتصر على قراءة مؤشرات التغيير في مسالك المحتلين، فهذا عمل أكاديمي فظ وبليد، لو أنه توقف عند هذا الحد. ولكنها يجب أن تمتد لمساءلة مؤسسة السلطة والإدارة والتفكير الفلسطينية نفسها عما يجب أن تفعله، لكي تجعل الآلة الحاسبة تحصي وتعد، أو أن تحصي وتعد هي أنفاسها الأخيرة على عار وهزيمة منكرين.

فإذا اتضح أنها كذلك الجار الذي، بدلا من أن تُلحق الضرر به، وجدت نفسها تلعب مع أطفاله في الحديقة، وتساعده في بناء الأسوار، فسوف تفهم على من تقع المسؤولية. وسوف تفهم لماذا تزداد خسائرها كل يوم.

مع ضياع البوصلة، فإن الآلة الحاسبة هي البديل. فإذا كنت لا تعرف إلى أين أنت ذاهب، فعلى الأقل احسب.

إنه لمن المؤسف أن يلجأ المظلوم إلى الأخلاق والقانون، وهما سلعة الظالم عندما تهزمه الحاسبة. كما أنه لمن المؤسف أن يجد المظلوم نفسه عاجزا مرتين: الأولى، عندما لا يُلحق بغريمه الضرر، والثانية عندما لا ينفعه القانون.

هذا واقع بسيط. وهو الواقع الوحيد الذي يتعين النظر إليه. ووسط كل اللغط السياسي عن الخيارات والبدائل، بل وسط ثقافة تتحول إلى غصن جاف في شجرة تتعرى، فإن سياسة لإلحاق الضرر بالاحتلال هي الخيار الوحيد.

والضرر، يحسن أن يكون ضررا قابلا للحساب والتسجيل، لا كمثل فقاعات الصابون الاستعراضية التي دأبت “الفصائل” على توظيفها لخدمة الشعارات الفارغة. فبمقدار ما يكون التعسف جسيما، يكون الضرر جسيما بمثله أو أكثر.

فلسفة عمل أخرى، هي ما تشتد الحاجة إليه. لا يهم كيف تسميها أو كيف يسميها الآخرون. التسميات من جملة الكلام الفارغ. المهم ما تحصده من نتائج.

فهل تأخر الوقت على ابتداع هذه الفلسفة؟ أبدا، أبدا. اليوم هو يومها، وهي كل ما سوف يصنع الفارق بين الانتحار على أسوار الهذيان السلمي، وبين التعلق بآخر أهداب الحرية.

8