سؤال ضروري: ماذا سيحدث بعد ألفي عام

لماذا نفشل في التغيير أفرادا ومؤسسات؟ في المستوى الخاص والعام؟ ربما لأننا لا نبدؤه من الداخل.
الأحد 2020/07/12
التجدد يبدأ من الداخل (لوحة للفنانة سارة شمة)

فيما نحن نخيط شوارع العاصمة تونس إلى أفكارنا وذكرياتنا، طرحت سؤالا على صديقي: كيف تتخيل حال هذه البناية بعد ألفي عام؟ الحقيقة الارتباك كان نصف الإجابة، أما نصفها الآخر فكان متأرجحا بين عدم الخراب، وعدم النهاية.

السؤال كان مشوقا، وكنت أخرجه باستمرار، واكتشفت من خلاله، أو أنا تأكدت، أن لا أحد يملك تصورا لعشرين سنة إلى الأمام، مع إمكانية وجوده فيها، فما بالك بألفي عام وهو حينها في العدم.

من المعروف أن كل جيل يأتي يعتقد أنه الأفضل، وأنه نهاية تطور أسلافه وأجداده، ولا استمرار بعده. وكنت كتبت سابقا في هذا الشأن مفسرا إياه على أنه غرور، وأضيف لمسألة الغرور الضعف والانهزام.

استفاقت دول العالم على ضرورة التخطيط مسبقا لعقود إلى الأمام، تخطيط يشمل الاقتصاد والفكر والثقافة والبيئة وبشكل خاص التعليم الذي يضمن استمرارية التغيير والتطور الإيجابي. وتأثر الأفراد بهذا التمشي، فصار كل منهم يقيم الخطوط العريضة لحياته في المستقبل، ويؤسس لها من خلال حاضره، مستشرفا حاله.

لكن هناك من يكتفي بالخيال وتظل خططه ثابتة صلبة لا مرونة لها في التعامل مع رياح التغيرات والطوارئ. وهناك من يكابد الواقع ويعدل خططه ورؤاه وأفكاره ويحين طريقه ويغيره إن لزم الأمر لتحقيق السعادة.

في تونس مثلا سواء على مستوى أجهزة الدولة أو الأحزاب السياسية أو حتى الأفراد المبدعين أو الفاعلين أو غيرهم من الأشخاص والهياكل والمنظمات إلخ، الاستشراف يكاد يكون مجرد حبر على ورق، وكلام على عواهنه، رؤوس أقلام، تفشل في التحول من كلمات برّاقة وجاهزة إلى بداية للتغيير.

فكما يقول الكاتب البريطاني روبرت أشتون إنه “ما من شيء يظل على حاله لفترة طويلة، إننا محاطون بالتغيير، لكن يمكن لهذا أن يكون أمرا محفزا أو مهددا، وذلك اعتمادا على رؤيتك لهذا التغيير”.

أعتقد أن الكثيرين يخافون من التغيير، من تغيير ديكور البيت أو عادات الأكل أو الأماكن، وبدرجة أعلى من تغيير الأفكار والرؤى والذائقة، إننا محكومون بالتعود، الذي يحول حتى ظلام الحي المهشمة فوانيسه بحجارة الأطفال إلى حنين.

كيف أغير وأنا غارق في الحنين، آلة حنين ثقيلة على ظهر كل واحد منا، تلتهم تاريخه الشخصي وتحوله إلى صور تدر العاطفة ويقشعر لها القلب وقد تسبب البكاء، كل ذاك في التفاتة دائمة إلى الوراء، وخوف من القادم.

أما على مستوى الدولة والسياسيين والمنظمات وغيرها من الأجهزة التي تقود قاطرة الدولة، فإن استشرافها لا يتجاوز الحيني، و”إنجازاتها” يجب أن تكون مرئية هنا والآن، لذا تعتمد التعتيم أو التضخيم الإعلاميين، وعلى خطابات أرقام مغلوطة، أو معلومات متلاعب بها، ولكن في الأفق القريب قبل البعيد، لا أثر لفعل تغيير حقيقي، عدا التراجع المتسارع لكيان الدولة وانتشار الفقر والبطالة والجهل والعنف وغيرها.

الكثيرون يخافون من التغيير؛ إنهم محكومون بالتعود الذي يحول حتى ظلام الحي المهشمة فوانيسه بالحجارة إلى حنين

لماذا نفشل في التغيير أفرادا ومؤسسات؟ في المستوى الخاص والعام؟ ربما لأننا لا نبدؤه من الداخل.

مع نهاية نظام الرئيس الحبيب بورقيبة ومجيء نظام الرئيس زين العابدين بن علي، أوهم النظام الجديد التونسيين بأنه جاء للتغيير، وكانت كلمة “التغيير” شعار الدولة، كلمة غلفتها بروباغندا كبرى، ولم يتحقق فعلا التغيير المنشود.

قد يحتج البعض بأن نظام بن علي له إنجازات وحقق بعض التغيير في مستوى حياة التونسيين، وهذا صحيح، لكن التغيير الحقيقي هو ما تتحكم فيه أنت لا ما يدفعك إليه العالم وتقلبات الزمن والجغرافيا والنمو السكاني. لذا بقيت تغييرات نظام بن علي فضفاضة بدليل سقوطها بسقوط نظامه.

ما حدث بعد ثورة يناير 2011 في تونس، وصعود الإخوان، الحركة الإسلامية الأصولية، مهما حاولت لبس الأقنعة، ومع إقحام هؤلاء البلاد في صراعات هووية زائفة وفي دوامة عنف دينية، وتقسيم الناس بين المؤمن والكافر، تراجع حلم التغيير، وصار الحلم المحافظة على المكتسبات الحضارية السابقة.

لقياس قدرتنا ورغبتنا في التغيير يمكننا النظر إلى مسألة الأمن الغذائي والمحافظة على البيئة، أي مكتسبات تحققت فيهما، وسنقف على حجم الكارثة، حيث التدهور خطير للغاية في هذين المجالين.

التغيير لا يحدث كما بينا إلا من الداخل، إنه يبدأ من تغيير القناعات الراسخة والأفكار البالية، وبالتالي سينعكس على الخارج، ولذا فإن أي تغيير يجب أن يمر بمستويين، الأول ثقافي، والثاني تعليمي.

الثقافة لا تقف عند الفنون والآداب والتظاهرات، إنها نمط حياة، وتغييره أو تجديده تساهم فيه كل عناصر الثقافة، يمكن لفيلم أن يعطيك فكرة جديدة، يمكن لرواية أن تغير رؤيتك، يمكن لأغنية أو قصيدة أن تغير مزاجك، إلخ، حيث الثقافة تغيير متين على مستويي الوعي والعاطفة.

أما التعليم فهو البوابة الكبرى لخلق جيل قادر على التفكير الحر والنقد وقادر بالتالي على الإدراك المتجدد.

كلا التغييرين للأسف بعيدا المنال في تونس، حيث الجميع يريد الحفاظ على الراهن، إذا كان له فيه مصلحة، منصب أو مردود مادي أو غيره، وهناك شق آخر مناد بالتغيير بينما هو في عمقه يريد أن يصل إلى مصلحة ما، وبدليل أن أغلب المنادين بالتغيير ما إن يحققوا مكسبا حتى يستكينوا، وهناك طيف آخر من الأصوليين ضد المستقبل وضد كل تغيير هدفه المستقبل، بل يسعى إلى العودة إلى قرون خلت.

إذن لنكن أكثر مرونة، أكثر إيمانا بالزمن والجغرافيا، أكثر وعيا وجدية، من صنعوا التاريخ سابقا لم يكونوا أكثر ذكاء وفطنة أو في ظروف أفضل، التاريخ يصنع بالوعي والجهد، لا بالأحلام، ويبقى التغيير ممكنا دائما وفي كل وقت، إنه فعل متجدد مستمر ومتدفق كالزمن دون توقف. ولعل ما فرضته أزمة كورونا الأخيرة خير دليل على ضرورة التغيير والتجدد والاستشراف من خلال العلم والفن، العقل والمشاعر.

10