سؤال في المعرفة

الأحد 2015/03/01

تتأسّس المعرفة على علاقة حيوية بين الإنسان والكون هي أصل كلّ إنجاز معرفيّ، وهي نبعه ومصدره. وليس لتحوّل المصطلح الدّال على الشّجرة التي كان لالتقاط ثمرتها الأولى وتذوّق كنهها وحمل وعدها، ما بين “شجرة المعرفة” و”شجرة الحياة”، سوى أن يكون تأسيسا رامزا للعلاقة الراسخة، منذ بدء البدء، ما بين المعرفة التي تعزّز الحياة وتفتح أبوابها، والحياة النّاهضة على كل ما يعزّز المعرفة ويعمّقها ويوسّع مداراتها وآفاقها بما يستجيب لشوقها إلى تجليات تضيء مساراتها، وبما يشبع توقها إلى نفسها عبر اكتشاف جوهرها العميق والكشف عنه، وبما يتيح للإنسان العارف أن يواصل سعيه للوصول إلى رأس المعرفة عبر معرفة ذاته، وإدراك هويّته الذّاهبة، في صيرورة دائمة وعبر علاقة حيوية لا تنقطع مع الحياة والكون والكائنات والإنسان الآخر، صوب كمال محتمل يفضي إلى كمال أعلى يكمل بعض النّقص، ويؤسّس لمسعى جديد يحمل الإنسان والحياة إلى مرحلة أرقى، وإلى تجلّ أكثر سموّا وعمقا لجوهر الهوية الإنسانية، ولمعنى وجود الإنسان في الحياة، ولمعنى الحياة.

منذ اللحظة الأولى لوجوده فوق سطح الأرض، ومسكونا بما أودع فيه الخالق من غرائز وحواس وقوى وقدرات وميزات متنوّعة ما وجدت إلا لتستثار، أو تحفّز لتعمل، اكتشف الإنسان عريه كثمرة أولى لتذوّق ثمرة المعرفة، وانبثقت حاجته إلى طعام يغذّي جسده، وإلى غطاء يستره ويقيه، فشرع يحفّز حواسه وقواه الكامنة وقدرات جسده فيما هو يجوس الطبيعة في حدس بادئ، ساعيا إلى إشباع تلكما الحاجتين.

وما كان لتلكما الحاجتين أن تشبعا في تلك المرحلة التي اتسمت فيها نظرة الإنسان إلى العالم بالأرواحية والكلية، لولا قدرة الإنسان على مراقبة الطبيعة التي لم يكن قد فارقها بعد، وذلك في سياق سعيه المحفّز بمواجهة ضروراتها الضاغطة، ومعرفتها، واستلهام دروسها، والتميّز عنها، وتطويعها على نحو يستجيب لإشباع حاجاته الحياتية، ولتطلّعه اللاهب لمعرفة مغزى وجوده في الحياة، حتى يشرع فور توفّر هذه المعرفة لديه في النهوض بدوره فيها.

هكذا حفّزت جميع ميزات الإنسان، وحواسه الظاهرة والخفيّة، وقدراته العقلية، وطاقاته الرّوحية والحدسيّة والتخيّليّة للعمل، فهبط وصعد، وتسلّق ونزل، وجلس ووقف، وركض واستراح، وطعم وشرب، واستنشق واشتمّ، وأبصر ورأى، وسمع وأصغى، وهمهم وصرخ، ثم سعى إلى النّطق عبر محاكاة أصوات الطبيعة وكائناتها العديدة القاطنة معه في كلّ حيّز شغله أو جاس فيه، ومدّ يده لقطف ثمرة تتدّلى من غصن شجرة لإشباع جوعه، فأحسّ ملمس قشرتها إذ لامستها كفّه التي كيّف أصابعها لتحسن التقاطها، فلما قضمها ومضغتها أسنانه، لامست عصارتها لسانه فتذوّق طعمها وميّزه، وانسرب فتاتها مع ريقه إلى جوفه فاستعاد بعض طاقته التي جفّفها عطش أو عضّها جوع، فشعر بقدر من الرّضى، ثمّ راح يركض ويناور وهو يطارد فريسة علّه يصطادها بما عثر عليه أو ابتكره من وسائل وأدوات دفعت الحاجة إلى التفتيش عنها أو ابتكارها، لتكون هذه الفريسة أو بعضها، إن هو وفّق في اصطيادها، وجبة طعام تشبع جوعا سيأتي، بلا ريب، بعد حين.

سعت الفقرة الأخيرة، المقروءة للتّو، إلى إيجاز وتكثيف جانب ضئيل، لعله استغرق آلافا مؤلّفة من سني العلاقة التجريبية المتّسعة والمتشعّبة والمتواصلة والممتدة ما بين الإنسان والكون منذ بدء الحياة الإنسانية حتى الآن. وما كان بمقدورنا أن نفعل ذلك لولا امتلاك أسلافنا، الذين ابتكروا اللّغة وطوّروها، القدرة المتطوّرة بدورها على تجريد التجارب العملية المتنوّعة وتأطيرها معرفيا، ومراجعتها، وإعادة صوغها في رؤى وعبارات تصل ما يرى بما يعبّر عنه، وتعيد بناء خطوط المعرفة المكتسبة وشبكاتها وتركيباتها وتشكّلاتها التاريخية، وتصوّب مقولاتها وعباراتها على نحو يستجيب لحقائق من قبيل أن لا شيء يوجد قبل المعرفة أو خلفها، وأنّ غاية المعرفة، ومقصدها الحقّ، إنما هو إغناء الحياة، وإثراء العالم، وإسعاد النّاس، وذلك لأنها، في البدء والمنتهى، رغبة عارمة في إزاحة كل ما يعوق مسارات الحياة أو يفضي إلى هلاكها، ولأنّ المعرفة الإنسانية في تحوّل دائم يصوّب الأخطاء والخطى، ولا ينجم هذا التّحوّل عن التراكم المعرفي وما يفضي إليه من تحوّلات نوعية فحسب، بل عمّا يأتي به أيّ كشف معرفيّ جديد ذي طبيعة مؤصّلة وحاسمة تؤسّس لاستبدال حقائق جديدة بحقائق بدت ملتبسة يشوبها تقلّب وغموض، أو بمعتقدات قديمة تلبّست، زيفا، صور الحقائق الخالدة.


ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

11