سؤال لليسار التونسي: ما العمل؟

اليوم، الانتخابات التونسية أصبحت على الأبواب وكشفت تشتت الرفاق. وبدلا من التقارب شهدنا تباعدا وفرقة.
السبت 2019/08/31
لم يتعلم الرفاق دروس الماضي

شكّل انهيار الاتحاد السوفييتي، ومعه انهيار المنظومة الشيوعية صدمة كبرى للمنضوين تحت هذا التيار. تفتت ذاتي وتلقائي سريع جاء صادما للأصدقاء والأعداء، على حد سواء، الحمل كاذب، وكل ما آمن به أنصار التيار، وأعداؤه، تكشّف عن وهم.

كيف واجه المخدوعون الحقيقة؟

في البداية اتجهوا أقصى اليمين، أو لنقل انتابتهم حالة من التصوف والدروشة، وحمل بعضهم المباخر.

ليس سهلا أن تجد أن القناعات التي حملتها سنين طويلة تنهار أمام عينيك، وأن حاميها لم يكن سوى حراميها. تحت الغطاء البراق للشعارات في دول هذه المنظومة، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية، لا توجد سوى منظومة فساد ودكتاتورية، مجمّلة بمساحيق أيديولوجية، لم يشك في أمرها الرفاق لحظة واحدة.

الذين عاشوا تلك المرحلة يتذكرون أن ما كان ينطق به الرفيق، فلاديمير لينين، مقدّسا، فهو لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتحدث عنها، بدءا بكهربة البلاد، وانتهاء بالفن والأدب؛ بينما هو في حقيقة الأمر ليس له في الفن ولا في الأدب.

لم يكن أحد يجرؤ على توجيه النقد، ليس خوفا من سلطة خارجية، ولكن من سلطة داخلية يمارس أصحابها قمعا ذاتيا على النفس، الأمّارة بالسوء، كما هو حال الرهبان ورجال الدين.

التقشف كان سمة الرفاق؛ زينة الحياة الدنيا مرفوضة، فهي من مظاهر الميول البرجوازية الصغيرة، والعياذ بالله، يجب التطهّر منها.

كان الرفاق يستعيذون إن خطرت على ذهنهم الشكوك حول “رأس المال”؛ لا يوجد من هو مؤهل للتشكيك، ولو في كلمة واحدة، في “النص المقدس”. الشيطان يوسوس للمؤمنين، والبرجوازية الصغيرة توسوس للرفاق الطيّبين، وتحيد بهم عن الصراط الذي رسمه لينين بوضوح.

لم تطل الصدمة، الذين حملوا المباخر سرعان ما رموا بها جانبا، وانتبذ الرفاق المخلصون للفكر الماركسي أبراجا عاجية، بعيدا عن الرعاع، الذين لم يكونوا في مستوى أفكارهم النيّرة يوما.

التنظير هو البرج الذي احتمى داخله رفاق الأمس الباحثون عن الزعامة.

لم تعد هناك مظلة أممية يستظل بها اليسار، استبدلت بقبعات فردية، وأصبح صعبا على رفيقين الالتقاء على هدف واحد، مثلهم مثل الديكة، لا يجتمع منهم اثنان على تل واحد.

هذا هو حال اليسار في العالم اليوم، واليسار العربي لا يشذ عن القاعدة. شهدت دول عربية اضطرابات، سنقبل تسميتها ثورات تجاوزا للخلاف، ثورات لم نشتم فيها لليسار رائحة، رائحة اليمين طغت على كل الروائح، واليسار التونسي نموذج حيّ لكل ما تقدم، خاصة وأن “الربيع” انطلق من هناك.

اليوم، الانتخابات التونسية أصبحت على الأبواب وكشفت تشتت الرفاق. وبدلا من التقارب شهدنا تباعدا وفرقة. في بلد صغير نسبيا، هناك ستة مرشحين للانتخابات الرئاسية التونسية، يمثلون أحزابا يسارية هي: المسار (الحزب الشيوعي سابقا)، وحزب العمال، والوطنيون الديمقراطيون الموحد، والمؤتمر، والحراك، وتونس إلى الأمام.. هذا إلى جانب اتحاد الشغل ومرشحين مستقلين يدّعون الاصطفاف يسارا.

لم يتعلم الرفاق دروس الماضي، ونسوا عجزهم عن تجاوز نسبة صفر فاصل، في انتخابات سابقة.

حتى دروس المرحلة الابتدائية لم تنفع معهم، جميعنا يتذكر قصة الشيخ الذي جمع صغاره، وقدّم لهم حزمة من العيدان مشدودة لبعضها، طلب منهم تكسيرها، فعجزوا واحدا تلو الآخر عن تحطيمها، فرّق العيدان ومدّها إليهم طالبا منهم المحاولة، تكسّرت العيدان المتفرقة بسهولة ويسر.

هل يتذكر شيخ اليسار التونسي، حمّة الهمامي، القصة والحكمة من ورائها. وهل يتذكر المنجي الرحوي، وعبيد البريكي، ومنصف المرزوقي، الحكاية.. هل هي أعراض شيخوخة، أم أعراض زعامة.

مع الأسف إنها أعراض الزعامة التي ظهرت على اليسار، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. كان الرابط الذي يجمع اليسار إلى بعضه، حتى وإن برزت خلافات بينه، الأيديولوجيا كما جاءت في الكتب، كانوا عندما يختلفون يرجعون إلى “ما العمل”.

فعلا، ما العمل؟

على اليسار أن يتخلى عن شهوة الزعامة، ويحدد أهدافا يجتمع حولها، أهدافا واقعية، واحد، واثنان، وثلاثة، لمواجهة أحزاب اليمين وأحزاب الوسط، حتى وإن أصرّ بعضهم على حمل المباخر.

لن نستطيع، حتى لو أردنا ذلك، أن نشكك بوطنية أي منهم، ولا التقليل من المستوى الثقافي والوعي الاجتماعي والإنساني الذي يتمتعون به. ولكن يجب الحذر من النرجسية السياسية وشهوة الحكم. هذه الشهوة التي شهدناها يوم وطأت أقدام منصف المرزوقي أرض مطار قرطاج بعد الثورة مباشرة، معلنا أنه سيكون رئيسا لتونس، وكان له ذلك، أصبح رئيسا بالصدفة، وصل محمولا على ظهر اليمين الديني.

لا مانع من الوصول إلى قصر قرطاج محمولا على أكف حركة النهضة إن كنت تنتمي للنهضة. سنفتح لك الأبواب لتكون إقامتك مريحة. أما أن تصل مرتديا قناع النهضة، فهذا بلغة الدراما محض “تهريج”.

نوجّه السؤال مرة أخرى لأحزاب اليسار: ما العمل؟

9