سؤال من باندونغ

الخميس 2015/05/14

في باندونغ، مدينة العلم والصناعة والجمال، كانت الشّمس تدنو من المغيب وترسل أشعّتها الأخيرة لتداعب الوجوه الباسمة وتلامس الواجهات الزّجاجية.

رغم الازدحام يبدو كل شيء هادئا، لا يُسمع هدير محركات السيارات، لا تُسمع منبهات الأصوات، لا تُسمع صلصلة ولا صفير ولا صدمات، أما المنشآت الصناعية فلا تحتاج إلى محركات أو دواليب، بل مجرّد برمجيات وتقنيات دقيقة، ما يبرر هدوء المدينة.

وثمة تفاصيل أخرى، إذا أنت أردت أن تستفسر أحد المارّة عن الاتجاه أو الطريق فلا يمكنك أن تصيح من داخل سيّارتك طلبا للمساعدة أو لمعرفة المسار الصحيح، سيُعتبر ذلك السلوك فوضى وقلة أدب، عليك في كل مرّة أن تركن سيارتك ثم تترجل منها قبل أن تسأل الناس، دون أن تنسى الابتسامة التي يعتبرها سكان شرق آسيا من ضروريات التواصل.

توقفنا أمام الفندق الذي احتضن إعلان دول عدم الانحياز. هنا قبل نحو ستّة عقود وقف كبار قادة حركات التحرّر، سوكارنو، بنبركة، تيتو، نهرو، عبدالناصر، إلخ. غمرتنا رهبة المكان وسرعان ما غرقنا في صمت رهيب لم يقطعه سوى صوت صديقنا الإندونيسي إسماعيل العطاس يذكرنا بموعد الإعلان الإعلامي. جهّز فريق العمل الكاميرا وبدأ التصوير، ارتجلنا كلمات من أمام باب الفندق الذي احتضن إعلان باندونغ، كل يستوحي من رمزية المكان عبارات، تجليات، إشراقات، أو شطحات.

في النهاية عدنا جميعنا إلى الصمت الذي قطعه صوت أميل حداد بسؤال كبير: إزاء حجم العنف الديني الذي يجتاح عالم اليوم ألا نحتاج إلى إعلان عدم انحياز جديد، عدم انحياز ديني ومذهبي وطائفي هذه المرّة، نوع من باندونغ 2، على طريقة جنيف 2 التي تقض مضاجع أصدقائنا السوريين؟

لعل حوار الأديان مجرّد حوار للطرشان كما يردد أميل حدّاد، وكذلك هو حوار المذاهب والطوائف طالما أنه مجرّد عنوان فرعي لحوار الأديان. الأديان لا تتحاور، وكل ما تفعله في المؤتمرات والمنتديات الحوارية أنها تترك صورا تذكارية، لا غير.

أعاد أميل حداد توجيه السؤال: أليس مطلوبا إنشاء حركة عدم انحياز ديني ومذهبي وطائفي هذه المرّة؟ أخرجت ورقة من جيبي لأدون بعض النقط التي قد تفيد في الموضوع. وكان أميل يعول عليّ في مثل هذا الأمر. غير أن الورقة التي أخرجتها من جيبي كانت تتضمن تذكيرا بموعد عودتي إلى المغرب، غدا الجمعة على الساعة الواحدة، يا إلهي غدا على الساعة الواحدة صباحا يعني بالضبط هذا المساء.

آه، ليس أمامي سوى خمس ساعات ونصف الساعة على إقلاع الطائرة، والمسافة بين باندونغ ومطار سوكارنو الدولي في جاكرتا لا تقل عن أربع ساعات بالسيارة السريعة على الطريق السيار.

قفزنا إلى السيارة، أقلعنا بسرعة ودخلنا في سباق محموم مع الزمن نحو المطار. أخيرا، لحقتُ بالطائرة. وبعد ذلك لم يمض على عودتي إلى المغرب وقت طويل حتى توفي أميل حداد. أخيرا، نسينا السؤال، أو أن السؤال قد طواه النسيان. لكن، من يدري؟ لعل الأسئلة مثل الثقافة هي ما يبقى بعد أن ننسى كل شيء.. قبل ذلك، هل نسينا فعلا كل شيء؟

24