سؤدد كعدان: المشاهد شريك في الوصول إلى المعنى

المخرجة سؤدد كعدان تؤكد أن الجوائز تعزّز الثقة في السينما السورية على الصعيد الإنتاجي والثقة في قدرتها على الوصول إلى الجمهور المحلي والعالمي.
الاثنين 2019/09/02
صاحبة أرفع جائزة عالمية في تاريخ السينما السورية

منذ أن أسّس جوزيبي فولبي مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في العام 193، وهو لا يزال يحمل في طياته الكثير من المفاجآت والأحداث السينمائية الهامة والتي تشمل العالم كلّه. المهرجان الأعرق في العالم حمل في دورته الخامسة والسبعين عام 2018 حدثا هاما للسينما السورية والعربية وللمخرجة السورية سؤدد كعدان خصوصا، التي نالت فيه جائزة “أسد المستقبل الذهبي” وذلك عن فيلمها الروائي الطويل “يوم أضعت ظلي” ضمن مسابقة “آفاق”، وهي أرفع جائزة في تاريخ السينما السورية، وعن الجائزة وآفاق السينما السورية كان لـ”العرب” هذا اللقاء مع المخرجة السورية الشابة.

دمشق – سؤدد كعدان فنانة سورية درست المسرح ثم السينما، تطرح رؤاها السينمائية بمنظور مستقل يحمل ملامح الدهشة والبساطة والصدق. وتحاول في أفلامها السفر إلى الأعمق والأكثر تأثيرا ووجعا. تطرح أسئلة كبرى تخصّ وجود الإنسان ومصيره وحقيقته، وهذا ما سبّب لأفلامها علاقة شائكة مع بعض الجمهور، وعن ذلك تقول لـ”العرب”، “أعتبر أن المتفرج مشارك في صياغة معنى الفيلم، ولذلك نرى قراءات مختلفة لفيلم واحد. لا أحاول أن أفرض أفكاري على المتفرج في أفلامي، أو أن أفرض قراءة واحدة، لذلك أحاول ترك مساحات واسعة للمُشاهد ليخلق المعنى عبر مخزونه الشخصي”.

وتضيف المخرجة السورية “عندما أبدأ بالكتابة تكون عندي أمنية بأن يصل هذا المعنى إلى المتفرّج، ولكن استخدامي لصور بصرية أو رموز ما هي إلاّ طريقة أخرى لأجعل المتفرج مشاركا معي. مثلا في فيلم ‘يوم أضعت ظلي’ الكثير سألني عن معنى فقدان الظلال في الفيلم ولمَ اخترتها، وفي كل مرة أعرض الفيلم في أي مهرجان، أباشر بأن أسأل المتفرج نفسه، ما المعنى الذي وصل إليه؟ والإجابات كانت في كل مرة غنّية ومدهشة، ففي أحد العروض، كان معنى الظلال هو الموت، وفي عرض آخر هو ‘التروما’ أو ‘الرضح’، وأحد المتفرجين رأى أنه فقدان الشعور بالخوف،  وأن ‘سنا’، بطلة الفيلم، هي التي جعلت ظلها يختفي في النهاية حتى تبقى قوية أمام ابنها. أن أترك الأسئلة مفتوحة في الفيلم، هو أسلوب أترك فيه المتفرج حرّا في التأويل ليصبح شريكا في المعنى والأفكار. وقد تعجب هذه اللعبة المتفرج، وربما لا. بعضهم يرغب في إجابات وخطابات واضحة وباتة. بالنسبة إليّ، واقعنا العربي الآن، أعقد وأغنى من أن نفرضه عبر فكرة وحيدة المعنى، ترى الوجود بالأبيض أو الأسود في فيلم واحد”.

وصلت كعدان إلى منصة التتويج في أبهى حالاتها، وهذا ما يحمّلها كما ترى مسؤولية كبيرة في خطواتها القادمة، خاصة في ضوء الحالة الإنتاجية السينمائية العربية، وعن ذلك تقول “أنا فخورة بالجائزة، بكل تأكيد، وأشعر بالامتنان بذلك. إذ تساعد الجوائز على فتح أبواب وفرص من الصعب الوصول إليها على المستوى الدولي من دونها، وخاصة لمخرجة مستقلة من المنطقة العربية لا تنتمي إلى أي منظومات معينة. والجائزة ليست دعما لأفلامي فحسب، فهي تعزّز الثقة في السينما السورية على الصعيد الإنتاجي والثقة في قدرتها على الوصول إلى الجمهور المحلي والعالمي”.

المخرجة السورية سؤدد كعدان ترى أن الواقع العربي الآن أعقد وأغنى من أن نفرضه عبر فكرة وحيدة المعنى في فيلم واحد
 

وبعد فيلمها الأهم “يوم أضعت ظلي” كتبت سؤدد كعدان وأخرجت فيلما قصيرا ذكيا ورشيقا حمل عنوان “عزيزة” يتحدث عن سيارة، وبكلفة إنتاجية بسيطة لم تمنع صنّاعه من تحقيق جائزة عالمية من خلاله منافسا عشرة آلاف فيلم من العالم في مهرجان ساندانس.

وتقول المخرجة عن هذه التجربة “عندما بدأت بكتابة ‘عزيزة’ كنت أعرف أن ميزانية الفيلم منخفضة جدا، ولذلك حاولت أن أجعل الحكاية في مكانين فقط، ومع شخصيتين فقط وفي لبنان، المكان الذي أعيش فيه الآن. وهذا التقليص في العناصر، الناتج عن الميزانيات المنخفضة، قد يولّد شيئا مدهشا على المستوى الإبداعي،فالتجربة على الصعيد الفني كانت غنيّة ومدهشة بمشاركة الممثلين عبدالمنعم عمايري وكاريس بشار”.

وتضيف “حاولنا في الفيلم أن نعود إلى الشرط الأساسي البدائي للحكاية وهو اللعب والروي بين الواقع والمتخيّل. وأثناء تنفيذ العمل لم نأمل في الكثير على مستوى العرض، فسوق الأفلام القصيرة وأماكن عرضها أصعب بكثير من سوق الأفلام الطويلة، بل وغير موجودة مطلقا في العالم العربي، إذ لم نفكّر بشيء آخر سوى أن تكون التجربة ممتعة على الصعيد الإبداعي، وغير تقليدية على صعيد الحكاية، والأداء. شيء أشبه بمسرح الحجرة الفقير. ولذلك كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة إليّ عندما شارك الفيلم في مهرجان ساندانس وتم اختياره بين 10 آلاف فيلم، ومن ثم فاز بالجائزة الكبرى. ما زلت أطمح وأسعى إلى ميزانيات أكبر لصناعة أفلامي، لنجد حرّية أكبر، وخيارات أكثر، ولكن أحيانا نستطيع ببعض الذكاء أن نجعل الشرط الإنتاجي، محفزا إبداعيا إن تم التفكير فيه قبل المباشرة في عملية الكتابة”.

“عزيزة” فيلم قصير أشبه بمسرح الحجرة الفقير
"عزيزة” فيلم قصير أشبه بمسرح الحجرة الفقير

وعن خططها اللاحقة التي تعمل عليها في الوقت الراهن، تبيّن سؤدد كعدان لـ”العرب”، قائلة “أعمل حاليا على عدة مشاريع، كل منها في مرحلة إنتاجية مختلفة، بما أن عملية تحضير فيلم طويل، وخاصة التمويل قد تستمر سنوات، كما حدث مع فيلمي الأول ‘يوم أضعت ظلي’ الذي استغرق تنفيذه سبع سنوات. فهناك مشروعي الشخصي ‘نزوح’ وهو من كتابتي وإخراجي، وهذه المرة الحكاية ستكون من وجهة نظر طفلة صغيرة مراهقة في سوريا، والمشروع نال جائزتين مؤخرا في ورشة مهرجان كان للأفلام، بالإضافة إلى جائزة بومي في مهرجان برلين”.

وعلاوة على ذلك، تضيف المخرجة السورية “أحضّر أيضا لمشاريع جديدة تجري الحكاية فيها إما في لندن، أو بيروت، أو المكسيك، وبإنتاج أميركي أو بريطاني. فهناك غنى إبداعي عندما تعمل مع كاتب السيناريو على فيلم، وعلى حكاية لا تجري الأحداث فيها في بلدك. فبالإضافة إلى الغنى الإبداعي على صعيد الخلق والحوار، تكتشف في النهاية أن الحكاية بسيطة، وأن السينما كعلبة سحرية لصناعة الحكايات، تلامس الإنسان نفسه أينما كان، وتحاكيه”.

17