سائق التاكسي

السبت 2014/11/08

ربما لم يجرب أحدهم متعة التفكير في عالم سائق التاكسي وكيف يكون وفي أي مدينة تكون إقامته، وحتى إقامة أهله لأهمية التحديد، وكيف يتعامل مع “ركابه”!

ولعل النظر في عالم اليوم، وفي ظل الانتقال من مجتمع إلى آخر، والاعتماد على التاكسي “سيارة الأجرة” يثير فينا مجموعة من التساؤلات كما يرسم تصورات وانطباعات تتشكل تدريجيا ولا تنتهي، لها صلة بشخصية “سائق التاكسي”!

إنه شخصية فولكلورية لأنه يحمل تاريخا عريقا في نفسه، فهو خلف حداثي وابن مدينة، من خلال السيارة التي يسوقها أو يعمل عليها، لسلف كان يعمل بالأجرة من جهته، أو يستثمر دابة معينة في نقل شخص أو أكثر من مكان إلى آخر.

أن يكون الراكب بجوار سائق التاكسي لهي فرصة للدخول في حوار عارض، أو ربما حديث قد يتشعب، وهذا يتوقف على المدينة بالذات، إذ ترتبط المدينة بمجتمعها وثقافة هذا المجتمع، كما لو أن سائقي التاكسي ترجمان أحوال مدينتهم، إنهم ظرفاء ومخيفون معا!

تشهد المدينة من هذا المنطلق على سائقي تاكسيها، إذ على قدر إمكان الحديث عن خطاب المدينة، وما فيه من تداخل أفكار وتوجهات أو حقائق ظاهرة وباطنة، يمكن الحديث عن سائق التاكسي، “تكسي الإجرة”، باعتباره تعددا وتنوعا، وأن الداخل في نطاق المدينة وهو المنتمي إليها من الجوار ليس كالقادم إليها من الخارج غريبا أو سائحا أجنبيا.

هنا يمكن مقاربة سائق التاكسي ولزوم التعرف إليه عن قرب: إنه المنتمي إلى مدينته. تلك بداهة! سوى أن البداهة تفرض علينا سريان فعل قانونها والمتمثل في طاعته بغية قراءة هويته: ما يكونه من حيث الدور. إذ ما أكثر أحابيل سائقي التاكسي، وما أكثر المتاهات التي يقود سائق التاكسي ركابها إليها، أو بنيّة استغلالهم وخصوصا في الأزمات أو في الحروب قبل كل شيء.

لكن الأكثر خطورة، هو حين يمارس دورا خفيا لا ينتبه إليه الراكب، لحظة استجراره إلى حديث جانبي، ربما يقوده، جرّاء حميمية معينة مع السائق إلى الدخول في موضوعات لها صلة مباشرة بالوضع الأمني أو السياسي للبلاد، والذي قد يكلف الراكب كثيرا، كما لو أن مهمة سائق التاكسي لا تقتصر على أن يعتاش من وراء مهنته، كسائق تاكسي، وإنما أن يقوم بدور في غاية الإتقان: معرفة آراء الآخرين، حتى من داخل المدينة أو المنتمي إلى الجوار “حدود الدولة التي تضمّها”، وما في ذلك من خاصية استطلاعية، وجسّ نبض الراكب.

نحن هنا إزاء عالم بقدر ما يتميّز بأدبياته الطريفة ومفارقاتها ومباغتاتها و”الكاميرا الخفية” واحدة منها، لا يعدو ذلك سوى أن يكون دورا ثانويا لا يعتدّ به، إنما هو عابر أو عرضي، لأن المهمة سالفة الذكر: جانب التجسّس، هو المشهود له بالانتشار أو الحضور، وبنسب متفاوتة تبعا لموقع المدينة، أو نوعيتها على الصعيد الديمغرافي أو الإثني، كما في المجتمعات التي تتميز بأنظمتها المتشددة، والتي كثيرا ما تلجأ من خلال القيمين عليها إلى تثبيت مواقع متحركة أو متنقلة، وإسناد أدوار مرسومة ومسمّاة تعهد إلى أشخاص مدرّبين لهذه المهمة، فيكون سائق التاكسي صاحب مهمة، أو يكون دوامه الرسمي -إن جاز التعبير- خلال زمن معين، وحسب الاتفاق من جهة، وفي مكان محدّد، أو منطقة معيّنة من المدينة، أو ربما يكون سائقا جوّالا، وفق مقتضيات المهنة وطبيعتها.

إن التوقف عند سرديات سائق التاكسي، “تكسي الإجرة”، يوفر لنا مجموعة لافتة من الأمثلة المغفلة من الاسم أحيانا، أو المهمّشة، ولكنها تدخل في عداد المنظومة الأيديولوجية للمدينة ككيان سياسي وبصورة خاصة في عالم اليوم والذي يعيش خضمّ مستجدّات متنامية.

احذروا سائق التاكسي!

كاتب من سوريا

16