"سابيربيكون" زيف الحلم الأميركي وحتمية السقوط الأخلاقي

جورج كلوني من نوع الممثل-النجم، أي أنه ليس أحد عمالقة التمثيل المعروفين الذين ظهروا في السينما الأميركية عبر عقود ممتدة أمثال سبنسر ترايسي ومارلون براندو وجورج سكوت وروبرت دي نيرو وآل باتشينو وداستين هوفمان وغيرهم، فهو في هذا أقرب إلى كيفن كوستنر، فنجوميته تطغى على قيمته كممثل.
الثلاثاء 2017/12/05
مفاجآت بالجملة

إلى جانب التمثيل أخرج النجم جورج كلوني خمسة أفلام ومجموعة حلقات تلفزيونية قام فيها بأدوار رئيسية، أما في فيلمه الأحدث “سابيربيكون” Suburbicon) 2017)، فيكتفي فيه للمرة الأولى بالإخراج، ويثبت مرة أخرى أن أساس الفيلم الجيد الاعتماد على توفر السيناريو الجيد.

وكلوني هنا يعتمد على سيناريو قديم، من الثمانينات، كتبه الأخوان جويل وإيثان كوين، وأعاد كلوني كتابته بالاشتراك مع كاتبه المفضل غرانت هيسلوف، أما العنصر الثاني في نجاح الفيلم فيتمثل في توفر مجموعة من الممثلين الذين نجحوا في التماهي جيدا مع أدوارهم، والتعبير عن الشخصيات التي تبدو وقد كتبت خصيصا لهم، وثالثا وجود مصوّر ذي عين ثاقبة، يدرس ويفهم المزاج الخاص الذي يميّز الصورة في المنطقة التي تدور فيها الأحداث وزمن الأحداث أيضا، وأخيرا الإمكانيات الإنتاجية التي توفر للمخرج كل ما يريده لكي يأتي الفيلم محققا لرؤيته.

وللمرة الثانية كمخرج، بعد “حظا سعيدا وليلة سعيدة”، يعود جورج كلوني إلى أميركا-الخمسينات، لكي يقدم رؤية سينمائية شيقة مشبعة بأفكاره الخاصة عن أميركا، عن الحلم الأميركي الملوث بالدماء، وعن فقدان البراءة والتشبث بالصورة البراقة والهدوء الظاهري الذي يحيط بـ”الضواحي”، ويجعلك تعتقد أن سكانها ملائكة اختاروا الابتعاد عن المدينة بمشاكلها وصراعاتها الصغيرة للعيش في جنتهم الخاصة، لكننا سرعان ما نكتشف أن وراء تلك الصورة الظاهرية، الكثير من المشاكل والاضطرابات والجرائم البشعة.

الطابع العدمي

المشكلة التي واجهت كلوني وهو يعيد صياغة السيناريو تمثلت في كيفية توليد الكوميديا من داخل الموضوع، فمن ناحية حافظ كلوني على الطابع العدمي الذي تتميز به أفلام الأخوين كوين عادة: شخصيات الفيلم من سكان الضاحية التي أطلق عليها “سابيربيكون”، رغم أصولهم الأميركية البيضاء الواضحة وانتمائهم للطبقة الوسطى، وهم أشخاص يبدون كما لو كانوا مدفوعين بقوى عاتية أكبر منهم أفقدتهم عقولهم ودفعتهم دفعا إلى اتخاذ مسارات دموية.

ومن ناحية أخرى كون كلوني كعادته وبحكم اهتماماته الإنسانية-الاجتماعية في معظم أفلامه، وميله المتأصل إلى هجاء مجتمع التفرقة والتناقضات الاجتماعية والعنصرية وصولا إلى أقصى درجات العنف، يبدو من البداية مهتما بتسليط الأضواء، ولو من خلال أسلوب ساخر يمتلئ بالمبالغات، على قضية العنصرية البغيضة التي تحكم نظرة الطبقة الوسطى من البيض تجاه السود الأميركيين.

ويبدأ الفيلم بالعرض بشكل مبتكر لهذا الجانب ثم يزيحه إلى الهامش، ليعود إليه قرب النهاية ليصل بالفيلم إلى ذروته الدرامية وخاتمته التي تعتبر بمثابة تعليق على القصة الأخرى العبثية التي تستولي على اهتمام الفيلم، ويمزج جورج كلوني بالتالي بين أساليب سينمائية عدة: أسلوب الفيلم الواقعي، التحقيق البوليسي المثير (ثريللر)، الدراما الاجتماعية، الكوميديا، الفيلم-نوار.. في مزيج يشي بملامح “نهليستية” لسينما ما بعد الحداثة.

واختيار هذا البناء هو اختيار واع تماما من جانب كلوني الذي يبدو هنا كمخرج أفضل منه كثيرا كممثل من وجهة نظر كاتب هذا المقال، إنه اختيار يراهن على ذكاء المتفرج وقدرته على الربط بين الجانبين: النظرة العنصرية المتغلغلة، والطابع السطحي البريء الذي يخفي وراءه صراعا دمويا على المال والملكية والاستحواذ عن طريق الاحتيال والغش والابتزاز والقتل، وكأنه يريد أن يربط بين صورة أميركا العنصرية وأميركا التي تقوم على سفك الدماء.

وتقع الأحداث في ضواحي إحدى مدن ولاية بنسلفانيا في عام 1959، ويبدأ الفيلم بمشهد مصوّر بحيث يبدو كما لو كان فيلما تسجيليا دعائيا للترويج لمشروع ضاحية سابيربيكون الجديدة، يحث الأميركيين من الطبقة الوسطى على شراء المنازل ثم الانتقال إليها.

منازل سابيربيكون متشابهة، شوارعها فسيحة، بيئة هادئة تبدو مثالية تجسد الحلم الأميركي (الأبيض) في البعد عن التلوث، ولكن الأهم، عن التشابك العرقي واللوني، والتعليق الصوتي المصاحب للفيلم “التسجيلي” يصف كيف يأتي الناس من الولايات الأخرى للعيش في هذه الجنة الجديدة التي تحقّق السعادة لسكانها وتوفّر لهم ممارسة الرياضات المفضّلة في حدائقها وملاعبها.

الصدمة الأولى

جورج كلوني يقدم في "سابيربيكون" رؤية سينمائية شيقة مشبعة بأفكاره الخاصة عن أميركا، عن الحلم الأميركي الملوث بالدماء

هذا المدخل مقصود لكي ينتقل الفيلم بعد ذلك مباشرة ليصنع مفارقة صادمة تأتي أولا عندما يطرق ساعي البريد باب أحد منازل “سابيربيكون”، يريد أن يترك رسائل موجهة لسيدة المنزل مسز مايرز، فيجد أمامه امرأة سوداء يعتقد أنها الخادمة، لكنها تقول إنها السيدة مايرز نفسها، هذه الصدمة الأولى سرعان ما تنتقل إلى جميع منازل الحي بحيث يشعر السكان الأميركيون البيض بأن جنتهم المنشودة تعرضت لهجوم غاشم من جانب “الأعداء”.

وينتقل الفيلم إلى المنزل المواجه مباشرة لمنزل السيدة السوداء مايرز وزوجها وابنها الصغير، إلى أسرة أميركية أخرى هي أسرة لودج البيضاء، يقوم مات ديمون بدور “غاردنر لودج” وهو مدير شركة مالية، يرتدي قميصا أبيض قصير الأكمام وربطة عنق ونظارات بحيث يبدو شبيها بشخصية مايكل دوغلاس في فيلم “السقوط” Falling Down (1993) لجويل شوماخر، الذي كان يتناول أيضا موضوع العنصرية من خلال بطله الأبيض الرافض وجود السود في بلدته.

غاردنر متزوج من “روز” التي أصبحت مقعدة بعد أن تعرضت لحادث سيارة مع زوجها الذي أفلت من الحادث (هل كان متعمدا؟)، ولديهما ابن هو “نيكي” الذي يتجاوز بحكم صغر سنه وبراءته القيود العنصرية ويقيم علاقة صداقة مع “آندي” ابن عائلة مايرز وهو في مثل عمره، وتقيم مع أسرة لودج “مرغريت” شقيقة روز التوأم (تقوم جوليان مور بالدورين معا).

وتأتي الصدمة الثانية التي تنقل الفيلم إلى مستوى آخر وأسلوب مختلف، عندما يقتحم رجلان منزل أسرة لودج، ليس بغرض السرقة، ولكن لغرض آخر لا نعرفه، يخدّرون الجميع باستخدام مادة مخدّرة، ثم نعرف أن الأم روز قد توفيت بعد أن استفاقت في المستشفى متأثرة بجرعة زائدة من المادة المخدّرة، ثم انتقلت مرغريت للإقامة مع غاردنر وولده بعد أن صبغت شعرها باللون الأشقر فتصبح وكأنها نسخة من روز المتوفاة.

ولكن يأتي من يعكّر صفو هذا “الاستقرار”.. مخبر شاب خبيث يعمل لحساب شركة التأمين، يوجه اتهامات مباشرة إلى مرغريت كونها على علاقة بغاردنر، ويغمز بما يشير إلى أن موت روز لم يكن مصادفة، بل هو حادث مدبّر ربما بالاتفاق مع الرجلين، وهنا بعض ملامح من “ساعي البريد يدق دائما دقتين” رواية يمس كين التي أخرجها إلى السينما الإيطالي فيسكونتي (1943) ثم بوب رافلسون (1981).

ويرتفع الأداء كثيرا مع ظهور الممثل أوسكار إيزاك في دور المخبر ذي الشارب الرفيع الذي يذكرنا بشخصية غايل غارثيا برنال، المخبر الذي يطارد الشاعر في فيلم “نيرودا” لبابلو لارين، لكن الشخصية هنا أكثر طرافة، وتبدو محاكاة هزلية لشخصية المفتش في الفيلم-نوار الأميركي.

وراء المظهر البريء والسعادة الظاهرية تكمن أبشع الجرائم: الاحتيال والابتزاز والقتل بغرض الحصول على المال، حيث لا يتورّع الأب عن التآمر للتخلّص من ابنه، والهرب مع عشيقته، لكن كلوني حريص على تحقيق “النهاية السعيدة” جزئيا.

ورغم ذلك يصدمنا قرب النهاية بانفجار العنف العنصري كأبشع ما يكون بعد أن تتغلّب سيكولوجية القطيع وتغلب البيض الأميركيين من سكان سابيربيكون فينتفضون ويحاصرون منزل عائلة مايرز، يلقون الأحجار ويشعلون النار، يريدون إرغام الأسرة ذات الأصول الأفريقية على مغادرة الضاحية في مشهد يعيد إلى الأذهان مشاهد العنف ضد الأميركيين السود التي شغلت الرأي العام في الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة.

لا ذنب للصغار في عنصرية الكبار

ويكمن جمال الفيلم ورونقه وسحره، ليس في قوة رسالته، بل في أسلوبه الرصين الهادئ، الذي ينتقل بنا من مفاجأة إلى أخرى، في مباراة رائعة في الأداء التمثيلي بين طاقم الممثلين جميعا وعلى رأسهم جوليان مور صاحبة الابتسامة المغرية والرقة المبالغ فيها، وهي تتماهى مع شخصية مرغريت (الفاتنة القاتلة) قبل أن تنتقل إلى الفظاظة والعنف.

والحقيقة أن معظم الشخصيات هي شخصيات غير سوية؛ مضطربة، تفتقد الهدوء النفسي والثقة بالنفس، تنتقل من الجمال الظاهري إلى العنف الذي يصل إلى ذروة السريالية في المشاهد النهائية، ورغم ذلك لا يفقد الفيلم قدرته على توليد الكوميديا السوداء اللاذعة.

عبثية الفيلم

المبالغة جزء من عبثية الفيلم والانتقال من الواقع إلى ما وراء الواقع، إلى ما هو أقرب إلى السريالية، وهو مكوّن أساسي في الروح العدمية التي تدفع الشخصيات نحو مصائرها المتوقعة، لكن فيلم “سابيربيكون” بطبيعته وتكوينه وأسلوبه، ليس فيلما من أفلام الأخوين كوين، رغم وجود الكثير من التشابه مع أفلامهما، فهو أساسا فيلم جورج كلوني، ينسب له وحده كمخرج-مؤلف، صاحب رؤية مهما كانت الخلافات حول مدى نجاحه في صياغة أفكاره.

ويتميز “سابيربيكون” بالصورة المتماثلة تماما مع الطابع العام والمزاج اللوني للفترة التي تدور فيها الأحداث، وتضفي موسيقى ألكسندر ديشبلات جمالا ووقارا على الفيلم يتناقض في البداية مع جرعة الإثارة والعنف، لكنها تتحوّل تدريجيا نحو التوتّر والقلق.

قد يجد البعض نوعا من التناقض أو عدم الانسجام بين الأجزاء التي تدور في محيط الأسرة السوداء، والمشاهد الأخرى التي تتعلّق بالأسرة البيضاء والتي تحتلّ المساحة الأكبر من الفيلم، وإن حاول كلوني من خلال السيناريو الربط بين الجانبين من خلال العلاقة التي تنشأ بين طفلي الأسرتين، ولكن الفيلم يخالف دون شك، الحبكة الهوليوودية التقليدية ولا يسير في مسار سردي narrative يصعد في اتجاه واحد، بل يحاول أن يستخدم المجاز الذي يكمن في قصة أسرة مايرز (السوداء) لكي يجعله متناقضا مع الطابع الحالم الذي يبدأ به الفيلم، قبل أن يتجه نحو العنف والدم، ولعل ما يوحّد بين شقي الفيلم، هو أساسا، فكرة السقوط الأخلاقي التي هي جوهر فيلمنا هذا.

ناقد سينمائي مصري

16